سلسلة ابطال وايام الاسلام – (يوسف بن تاشفين ومعركة الزلاقة)
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما
بعد :
فأن تاريخنا الاسلامى ملىء بنماذج عظيمة من ابطال سطروا بحروف
من نورعلى صفحات التاريخ اروع الامثلة على الفداء والنصر لدين الله ، وقاموا باحداث
عظام غيرت مجرى التاريخ ، ولانة لن يصلح اخر هذة الامة الا بما صلح بة اولها ، فان
مدارسة قصص الاسلاف والسابقين العظام فية من الفوائد والعبر الكثير ، لتسير الامة
مرة اخرى لمجدها على خطى هولاء السلف العظام .
ومما هو جدير بالذكر ان القرآن الكريم لفت الانتباة الى اهمية
القصص فى الاعتبار والتفكر ، وفى هذا قال الله تعالى (فأقصص القصص لعلهم يتفكرون)(الاعراف/176) ، وقال تعالى (لقد كان فى قصصهم عبرة)(يوسف/111) ، و القصص مع ذلك جزء اصيل من نسيج القرآن
الكريم ومحور من اهم محاورة ، وما ذلك الا لاهمية مطالعة اخبار السابقين من العظة
والاعتبار ، ونجد كذلك فى السنة المشرفة اخبار النبى(صلى الله علية وسلم) عمن سبق
من الامم سواء افراداً او احداثاً ، وليس هذا موضوعنا ولكنى اردت ان الفت الانتباة
الى ان مطالعة اخبار وتاريخ العظماء ليس من الترف بل هو مما حث علية ديننا للتفكر والاعتبار
والعظة .
ولهذا فقد احببت ان ابدء بسلسة من المقالات اتحدث فيها
عن ابطال واحداث عظام من تاريخنا الاسلامى ، تكون منارة لنا على طريق عودة امجادنا
.
وحديثنا فى تلك السطور عن بطل من ابطال الاسلام جعلة
الله سبباً فى تأخر سقوط الاندلس لاربعة قرون من الزمان ، فقد كانت الاندلس فى تلك
الفترة تمر بفترة عصيبة من التفكك والتناحر والاقتتال بين المسلمين بعضهم وبعض ،
فبعد ان كانت خلافة اسلامية موحدة وصلت فيه رقعة الاسلام الى اوربا حدث بعدها ضعف
للمسلمين وانقسمت الاندلس الى امارات متناحرة يسمى حكامها بملوك الطوائف ، واستأسد
النصارى الاسبان واخذوا يستولون عن كثير من الاراضى التى فتحها المسلمون سابقا ،
فى تلك الفترة بدء ظهور بطلنا وهو من قادة دولة المرابطين التى نذكر نبذة عنها
اولا .
دولة المرابطين في المغرب والأندلس448 - 541 هـ =1056 - 1147 م:-
وهم بربر أبناء صحراء من قبيلة لمتونة وهي
فرع من صنهاجة، سموا بالمرابطين لأنهم تتلمذوا على يد عبد الله بن ياسين في الرباط
الذي أنشأه للدرس والعبادة في صحراء المغرب. وكانوا يعرفون (بالملثمين) أيضًا.
تولى أبو بكر بن عمر اللمتوني تنظيمهم والجهاد بهم، ففتح السوس والصامدة، وكان معه
في الجيش ابن عمه يوسف بن تاشفين الذي ارتفع شأنه، فاضطر أبو بكر أن يتنازل له عن
السلطة.
يُوسُف بن تاشِفين(410 - 500 هـ = 1019 - 1106 م) :-
هو يوسف بن تاشفين بن إبراهيم، المصالي
الصنهاجي اللمتوني الحميري، أبو يعقوب، أمير المسلمين، وملك الملثمين سلطان المغرب
الأقصى، وباني مدينة مراكش، وأول من دعي بأمير المسلمين . ولد في صحراء المغرب.
وولاه ابن عمه أبو بكر بن عمر اللمتوني إمارة البربر، وبايعه أشياخ المرابطين.
وجال جولة في المغرب بجيش كبير، فقوي أمره، واستولى على مدينة فاس، وغزا الأندلس
فصالحه ملوكها على الطاعة له. واستخلفه أبو بكر بن عمر على المغرب (سنة 463 هـ
فاستقلّ به. وبنى مدينة مراكش سنة 465 وكان يدعى بالأمير. وضرب السكة من يومئذ
وجددها، ونقش ديناره " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وتحت ذلك
" أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين " وكتب فى الدائرة: " من يبتغ غير
الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين "
اما عن صفاتة فقد ذكر عنة :
انة كان بطلا شجاعا شهما عادلا مهيبا حليما
كريما، سائسا، حازما دينا خيرا، كثير العفو، يحب أهل العلم والدين، ويحكمهم في بلاده، ويبالغ
في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدهم، خشع عند استماع
الموعظة، ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه ، وكان رحمة الله أسمر نحيفا، خفيف اللحية،
دقيق الصوت .
وقعة الزلاقة بالأندلس 479 هـ=1086 م:-
سبب تسمية الزلاقة :
سميت موقعة الزلاقة بهذا الاسم لكثرة الدماء
فيها حتى كان الرجال والخيول ينزلقون، فقد كانت الأرض صخرية .
المكان
: شمالى بطليوس على الحدود الإسبانية البرتغالية حاليًّا .
الزمان : الوقعة يوم الجمعة في العشر الأول من شهر
رمضان .
البداية :
طلب المعتمد بن عباد حاكم أشبيليه في الأندلس النجدة من يوسف بن تاشفين ضد
النصارى الأسبان بقيادة ملكهم الفونس السادس، فزحف يوسف من فوره .
بدء تحرّك يوسف بالجيش الِإسلامي من الجزيرة الخضراء باتّجاه الشّمال
الشّرقي إلى اشبيلية، ولما وصلها نزل بظاهرها، وطلب إليه المعتمد أن يدخل حاضرة
ملكه ليستريح فيها أياماً من وعثاء السفر، ومشقّة الطريق، قبل أن يلتقي بعدوه.
فأبى يوسف الدّخول وقال: "إنّما جئت ناوياً جهاد العدو، فحيثما كان العدوّ
توجّهت، هلّم (إلى ما جئنا له من الجهاد) .
وأقام بظاهر أشبيلية ثمانية أيام، نظم فيها أموره، فتمّ التخلّص من كلّ ما
لا حاجة إليه في ساحة المعركة، وتمّت دراسة الجوّ، والأوضاع والنفوس، وتمّ التئام
جيوش المسلمين وأمراء الأندلس التي تقرّر أن تشارك في المعركة المنتَظَرة، وكانت
قد سَرَت في مسلمي الأندلس قبل ذلك وخلاله روح جديدة، ذكرّتهم بأيام النّصر التّي
سمعوا عنها الكثير، فشارك أمراء الطّوائف بقواتهم، وأعدّوا ما يمكن للمشاركة في
البذل والتّضحية. (ولم يبقَ من ملوك الطوائف إلا من بادر أو أعان أو خرج، أو أخرج)
.
وقدر المؤرخون عدد الجيش الإسلامى بما بين عشرين إلى نحو خمسين ألفًا، بينما
كانت جيوش نصارى الاسبان تقدر بنحو مائتي وأربعين ألفا . وكان يقود مقدمة جيش
المسلمين المعتمد بن عباد، وعلى الميمنة
«المتوكل بن الأفطس» وتكونت الميسرة من أهل شرقى الأندلس،
أما المؤخرة فكانت من البربر بقيادة «داود بن عائشة»، وكان
أنجاد المرابطين من لمتونة وصنهاجة وغيرها بقيادة يوسف بن
تاشفين. لبث الجيشان ثلاثة أيام لايفصلهما سوى نهر، والرسل
تتردد بينهما، وقد أرسل «ابن تاشفين» إلى خصمه يدعوه إلى
الإسلام أو الجزية أو الحرب، فاستاء الملك النصرانى ورد بقوله:
«إنى ما كنت أتوقع أن يصل الحد بالمسلمين الذين كانوا
يعطوننى الجزية منذ سنين أن يعرضوا على مثل هذه الاقتراحات
الجارحة ومع هذا فإن لدى جيشًا فى استطاعته أن ينزل
العقوبة على هذه الوقاحة البالغة من الأعداء» ولم يكن جواب
يوسف على الملك النصرانى أكثر من هذه العبارة : الذى يكون ستراه .
رتب ابن تاشفين جيشه وصلى بهم الفجر وجرت اتصالات تهدف إلى تحديد موعد
المعركة، وحاول «ألفونسو»
خديعة المسلمين، فأرسل إليهم يوم الخميس يخبرهم أن المعركة
ستكون يوم الإثنين، لكن المعتمد بن عباد أدرك خديعته، وقد
أخبرته طلائعه بما فى معسكر العدو من حركة وجلبة سلاح،
رغم أن الوقت المتفق عليه لبدء القتال لم يكن قد حان بعد.
فتوقع المسلمون أن يبدأ ألفونسو الحرب صباح يوم الجمعة،
وبالفعل تحقق ما توقعه المسلمون، وهجم ألفونسو بجيشه،
ودارت المعركة. ففى أوائل (رمضان 480هـ = ديسمبر 1087م)
بدأ القتال فى الصباح الباكر واشتد لهيب المعركة وهاجم النصارى بعنف مقدمة
«المعتمد بن عباد» ونجح فى ردها عن
مواقعها واختل نظامها وارتد معظمها إلى بطليوس ولم يثبت إلا
الإشبيليون وابن عباد الذى كان مثالا للشجاعة والإقدام حيث
صمد للعدو، وقاوم هجماته العنيفة رغم جرحه الذى فى وجهه
ويده، وهجم «ألفونسو» على مقدمة المرابطين التى يقودها
«داود بن عائشة» وردها عن مواقعها، وفى اللحظة المناسبة
دفع ابن تاشفين بقوات البربر إلى نجدة الأندلسيين والمرابطين،
ونفذت قواته إلى قلب النصارى بكل قوة، وسرعان ما تغير وجه
المعركة، لأن يوسف هاجم عدوه من الخلف مباغتة وهذا شجع
الفارين فعادوا ونظموا صفوفهم، وشدوا من أزر المعتمد، ورغم
أن «ألفونسو» كان قد وصل إلى خيام المرابطين، فإن ابن
تاشفين تقدم على رأس من معه من قوات وتجاوز جموع النصارى
وقصد إلى معسكرهم نفسه وهاجمه بشده وفتك بحراسته، ثم
وثب إلى مؤخرة القشتاليين النصارى، وأثخن فيهم قتلاً وطبوله
تضرب فتشق أجواز الفضاء، ثم أضرم النار فى معسكر الأعداء.
اضطر «ألفونسو» أن يستدير لينقذ معسكره؛ لكنه اصطدم
بالمرابطين ولم يصل إلى محلته إلا بعد خسائر فادحة، وكان
«يوسف» أثناء القتال يجول على صهوة جواده بين المحاربين
يهيب بهم «أن تشجعوا أيها المسلمون، أعداء الله أمامكم
والجنة تننتظركم، وطوبى لمن أحرز الشهادة». وكان سماع
النصارى لدوى الطبول ووقوف المسلمين يقاتلون فى صفوف
متراصة ثابتة من العوامل المساعدة على انتصار المسلمين
وإلحاقهم الهزيمة بصفوف عدوهم، وقد دفع «ابن تاشفين»
بجنودة البواسل البالغ عددهم نحو أربعة آلاف إلى قلب المعركة
فى الوقت المناسب، وتمكن واحد منهم من الوصول إلى
«ألفونسو» وطعنه فى فخذه، الأمر الذى اضطره إلى الاعتصام
بتل قريب حتى جن الليل ثم هرب فى نحو خمسمائة فارس
معظمهم من الجرحى ووصل إلى طليطلة منهم مائة فقط. أمضى
المسلمون الليل يرقبون حركات النصارى وفى اليوم التالى طارد الفرسان
الفارين، وجمعت الأسلاب الهائلة. وقد استبشر
المسلمون فى شبه الجزيرة بهذا النصر العظيم غير أن وصول نبأ
وفاة الأمير أبى بكر بن يوسف بن تاشفين كدر صفو النصر،
فعاد «ابن تاشفين» مرة اخرى بلاد المغرب، وترك تحت إمرة المعتمد جيشًا من
المرابطين مؤلفًا من ثلاثة آلاف جندى. بعد أن نجح «يوسف» بما حققه من نصر مؤزر
فى إعادة روح الثقة والأمل إلى نفوس المسلمين
بالأندلس ، جمع المسلمون غنائم عديدة، لكن يوسف بن تاشفين يترك كل الغنائم لأهل
الأندلس ويعود في زهد عجيب وورع كبير إلى بلاد المغرب، لسان حاله : لا نرجو منكم
جزاء ولا شكوراً، وجمع الناس وحضهم على الاجتماع وعلى نبذ الفرقة، وعلى التمسك
بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونصحهم باتباع سنة الجهاد في سبيل
الله، وكان عمر يوسف بن تاشفين البطل الإسلامي المغوار الذي يكتب بحروف من ذهب
وأغلى من الذهب (79) سنة وهو يجاهد في موقعة الزلاقة، مثل موسى بن نصير، فقد كان
يوسف بن تاشفين الشيخ الكبير يحارب على فرسه في موقعة الزلاقة في أماكن بعيدة جداً
عن دولة المرابطين، وكان من الممكن أن يرسل جيشاً يحارب النصارى في الأندلس، ولكن
ذهب بنفسه لعله يموت في سبيل الله هناك، لكنه لم يستشهد هناك.
وكان من اهم نتائج تلك المعركة توقف المد
النصرانى على حدود الأندلس لمدة أربعة قرون؛ إذ حكم المرابطون ثم الموحدون الأندلس.
(انتهى)
اهم المصادر :
سير اعلام النبلاء(الذهبى) –
الاعلام(الزركلى) – تاريخ الاسلام(الذهبى) – الموسوعة الموجزة فى التاريخ
الاسلامى(سفير) – الاندلس من الفتح الى السقوط(السرجانى) .



أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفأزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفسلسلة مباركة أن شاء الله
ردحذف