google.com, pub-3766738376414477, DIRECT, f08c47fec0942fa0 فوائد: روائع التفسير-
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع التفسير-. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع التفسير-. إظهار كافة الرسائل

فى حب رسول الله (صلى الله علية وسلم) - ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .

فى حب رسول الله (صلى الله علية وسلم) - ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .



فى حب رسول الله (صلى الله علية وسلم) - ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .



بسم الله والحمد لله والصلاه والسلام على رسول الله اما بعد :-
فأن حب النبى(صلى الله علية وسلم) من الايمان وقدر النبى(صلى الله علية وسلم)  عظيم ولا يعرف قدرة الا ربة ، فكثيرا ما نقراء قول الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107) ، فهل وعينا حقا معنى هذة الاية وكيف رحم الله العالمين بنبية(صلى الله علية وسلم) ، فأردت ان اسوق تلك السطور حبا فى نبينا(صلى الله علية وسلم) وليعرف من قرأها جزء من قدر النبى وكيف هو رحمة للعالمين ، ليزداد حبا لرسول الله ولكنة حب مبنى على علم وليس مجرد عاطفة تذبل مع الوقت ، وقد جمعت ما استطعت من اقوال ائمة التفسير من كتبهم لتفسير قول الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) لعلها تكون نورا لقارئها لمعرفة وحب نبينا(صلى الله علية وسلم).

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي . ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية ، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فعن ابن عباس ، في قول الله في كتابه( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) قال: من آمن بالله واليوم الآخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله ، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف. وعن ابن عباس ايضا ،قال: تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل .
أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم ، مؤمنهم وكافرهم . فأما مؤمنهم فإن الله هداه به ، وأدخله بالإيمان به ، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة. وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله .  (تفسير الطبرى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

وفي مفتاح دار السعادة لابن القيم قال : أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارب التي يعدو بعضها على بعض ، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه ، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة ؛
 وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضاً لكن لا يخلو ذلك عن بعث .
أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم وانسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الانس والجن في ذلك ، والرحمة متفاوتة لبعض العالمين منها ،
و أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال : « إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة » ولعله يؤيد نصب { رَحْمَةً } في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة « إنما أنا رحمة مهداة » . (تفسير الالوسى)


قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

اى فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم ، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال : { وما أرسلناك } أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال { إلا } على حال كونك { رحمة للعالمين* } كلهم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم ، طائعهم بالثواب ، وعاصيهم بتأخير العقاب ، الذي كنا نستأصل به الأمم ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم ، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك ، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك ، ثم نرد كثيراً منهم إلى دينك ، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك ، بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في أشراك المحال ، وإيضاعهم في الجدال والمحال ، فيلعم قطعاً أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون ، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه ، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار ، فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام ، والتحية والإكرام ، فيحيل بعضهم على بعض ، وكل منهم يقول : لست لها ، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها ، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون . (تفسير البقاعى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

اى ما بعثناك يا محمد إلاَّ رحمة للعالمين ، يعني : نعمة للجن والإنس؛ ويقال : { للعالمين } أي لجميع الخلق ، لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف : مؤمن وكافر ومنافق . وكان رحمة للمؤمنين ، حيث هداهم طريق الجنة؛ ورحمة للمنافقين ، حيث أمنوا القتل ؛ ورحمة للكافرين بتأخير العذاب . (تفسير السمرقندى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

اعلم أنه -عليه الصلاة والسلام- كان رحمة في الدين والدنيا ، أما في الدين فلأنه -عليه الصلاة والسلام- بعث والناس في جاهلية وضلال ، وأهل الكتابين كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم ، فبعث الله محمداً حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام ، وميز الحلال والحرام ، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار ، قال الله تعالى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ } [ فصلت : 44 ] إلى قوله : { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [ فصلت : 44 ] وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من الذل والقتل . فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة المال؟ فالجواب من وجوه :
الأول : إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ، وهو منتقم من العصاة . وقال : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً } [ ق : 9 ] ثم قد يكون سبباً للفساد .
الثاني : أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق ، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال : 33 ] ولا يقال : أليس أنه قال : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة : 14 ] . وقال : { لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين } [ الأحزاب : 73 ] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه .
الثالث : أنه -عليه السلام- كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى : { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] « وقيل له -عليه السلام- : ادع على المشركين . فقال : » إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً « » وقال في رواية حذيفة : « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة » . (تفسير اللباب)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

كونه رحمة عامة بالنسبة لأمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً ، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم . وفي الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله { ويستغفرون لمن في الأرض } [ الشورى : 5 ] والاستغفار رحمة . والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء ، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك ، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك . (تفسير النيسابورى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

أرسل صلى الله عليه وسلم { رَحْمَةً للعالمين } لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه . ومن خالف ولم يتبع . فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها . ومثاله : أن يفجر الله عينا غديقة ، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا ، فالعين المفجرة في نفسها ، نعمة من الله ورحمة للفريقين ، ولكن الكسلان محنة على نفسه ؛ حيث حرمها ما ينفعها . وقيل : كونه رحمة للفجار ، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب الاستئصال . (تفسير الزمخشرى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

{ وَمَا أرسلناك } بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكامِ وغير
ذلك من الأمور التي هي مناطٌ لسعادة الدارين { إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } هو في حيز النصب على أنه استثناءٌ من أعم العلل أو من أعم الأحوال ، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعةِ للعالمين قاطبةً ، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حالَ كونِك رحمةً لهم فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأٌ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما يُسعِده ، وقيل : كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال حسبما ينطِق به قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } . (تفسير ابو السعود)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين : الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة ، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته .
فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد تلاميذه أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد الباجي من رجال القرن الخامس : «زين الله محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق» اه . وذكره عنه عياض في «الشفاء» . قلت : يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم فُطر على خُلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به إليه ملائماً رغبتَه وخلقه . قالت عائشة : «كان خلقُه القرآن» . ولهذا خصّ الله محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء ، وكذلك في القرآن كله ، قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم } [ آل عمران : 159 ] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً . وفي حديث مسلم : أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على أصحابه فقالوا : لو دعوت عليهم فقال : " إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ رحمة " . وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته ، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى { للعالمين } متعلق بقوله { رحمة } .
والتعريف في { العالمين } لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم . والعالَم : الصنف من أصناف ذوي العلم ، أي الإنسان ، أو النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة : 2 ] . فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين ، فالحنيفية شريعة إبراهيم عليه السلام كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام ، وشريعة عيسى عليه السلام قريبة منها في ذلك؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات . (تفسير ابن عاشور)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى ، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون . وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين . .
إن المنهج الذي جاء مع محمد صلى الله عليه وسلم منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة .
ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي : جاءت كتاباً مفتوحاً للعقول في مقبل الأجيال ، شاملاً لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل ، مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة . وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة ، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها ، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم .
وكفل للعقل البشري حرية العمل ، بكفالة حقه في التفكير ، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير . ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر ، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض .
ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقاً لخطوات البشرية في عمومه . قابلاً لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نمواً مطرداً . وهو يقودها دائماً ، ولا يتخلف عنها ، ولا يقعد بها ، ولا يشدها إلى الخلف ، لأنه سابق دائماً على خطواتها متسع دائماً لكامل خطواتها .
وهو في تلبيته لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي ، ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها .
وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق . لا يعذب الجسد ليسمو بالروح ، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد . ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة . ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة ، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد .
وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته ، ولمصلحته؛ وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف ، وتجعلها محببة لديه مهما لقي من أجلها الآلام أحياناً لأنها تلبي رغيبة من رغائبه ، أو تصرف طاقة من طاقاته .
ولقد كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية ، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة . ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئاً فشيئاً من آفاق هذه المبادئ . فتزول غرابتها في حسها ، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى .
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية الجغرافية . لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد . . وكان هذا غريباً على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك . والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد . . ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرناً تحاول أن تقفو خطى الإسلام ، فتتعثر في الطريق ، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل . ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج ولو في الدعاوى والأقوال وإن كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .
ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون . في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات ، وتجعل لكل طبقة قانوناً . بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع . . فكان غريباً على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء .
. ولكن ها هي ذي شيئاً فشيئاً تحاول أن تصل ولو نظرياً إلى شيء مما طبقة الإسلام عملياً منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .
وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما أرسل رحمة للعالمين . من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء . فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة ، شاعرة أو غير شاعرة؛ وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة ، لمن يريد أن يستظل بها ، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية ، في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام .
وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها . وهي قلقة حائرة ، شاردة في متاهات المادية ، وجحيم الحروب ، وجفاف الأرواح والقلوب . .
وبعد إبراز معنى الرحمة وتقريره يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يواجه المكذبين المستهزئين ، بخلاصة رسالته التي تنبع منها الرحمة للعالمين . (تفسير الظلال)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

اى ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام ، وغير ذلك ؛ مما هو مناط سعادة الدارين ، لعلة من العلل ، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة . أو ما أرسلناك في حال من الأحوال ، إلا حال كونك رحمة لهم ، فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أُوتي من قِبل نفسه ، حيث فرط في اتّباعه ، وقيل : إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا؛ بتأخير عذاب الاستئصال ، والأمن من المسخ والخسف والغرق ، حسبما نطق به قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفَال : 33 ] . (تفسير ابن عجيبة)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

وما دام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاتَم الرسل، وبعثتُه للناس كافة، وللزمن كله إلى أنْ تقوم الساعة. وقد جاء الرسل السابقون عليه لفترة زمنية
محددة، ولقوم بعينهم، أما رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجاءتْ رحمةً للعالمين جميعاً ؛ لذلك لا بُدَّ لها أنْ تتسعَ لك أقضية الحياة التي تعاصرها أنت، والتي يعاصرها خَلَفُك، وإلى يوم القيامة.
ومعنى: العالمين، كُلُّ ما سوى الله عَزَّ وَجَلَّ: عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الجماد، وعالم الحيوان، وعالم النبات. لكن كيف تكون رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رحمةً لهم جميعاً؟
قالوا: نعم، رحمة للملائكة، فجبريل - عليه السلام - كان يخشى العاقبة حتى نزل على محمد قوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ} [التكوير: 20] فاطمأن جبريل عليه السلام وأَمِن.
ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رحمة للجماد؛ لأنه أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق. وهو رحمة بالحيوان. وفي الحديث الشريف: «ما من مسلم يزرع زَرْعاً، أو يغرس غَرْساً فيأكلَ منه طيْرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» .
وحديث المرأة التي دخلتْ النار في هِرَّة حبستْها، فلا هي أطعمتْها وسقتْها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض.
وحديث الرجل الذي دخل الجنة؛ لأنه سقى كلباً كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنزل الرجل البئر وملأ خُفَّه فسقى الكلب، فشكر الله له وغفر له، لأنه نزل البئر وليس معه إناء يملأ به الماء،فاحتال للأمر، واجتهد ليسقي الكلب.
وهكذا نالتْ رحمة الإسلام الحيوان والطير والإنسان، ففي الدين مبدأ ومنهج يُنظِّم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس؛ لذلك فهو رحمة للعالمين.
فقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل في عناصر الرحمة. (تفسير الشعراوى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

أي وما أرسلناك بهذا وأمثاله من الشرائع والأحكام التي بها مناط السعادة فى الدارين- إلا لرحمة الناس وهدايتهم، فى شئون معاشهم ومعادهم.
بيان هذا أنه عليه الصلاة السلام أرسل بما فيه المصلحة فى الدارين، إلا أن الكافر فوّت على نفسه الانتفاع بذلك، وأعرض عما هنالك، لفساد استعداده وقبح طويّته، ولم يقبل هذه الرحمة، ولم يشكر هذه النعمة، فلم يسعد لا فى دين ولا دنيا، كما قال «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» وقال فى صفة القرآن «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ»
وقال صلّى الله عليه وسلم «إن الله بعثني رحمة مهداة» . (تفسير المراغى)

قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)

وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو مفتاح الخير، وباب الرحمة، ولقد صدق الله وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أى: للناس أجمعين أما أتباعه فرحمته عمتهم وفضله ونوره وسعهم، وغيرهم كذلك، وإن كان عن طريق غير مباشر.
ولسنا مبالغين إذ قلنا إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أول من شرع العدل وسنه وأول من حكم بالقسط، وقنن القوانين الحكمية، وهو أول من بذر بذور الديمقراطية الصحيحة في العالم، وهو أول من نصر الضعيف وأعان المظلوم، وانتصف للفقير من الغنى، وساوى بين الخصمين، وسوى بين أتباعه وأتباع غيره، وأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
وكتابه هو المصباح الذي أنار للعالم طريقه، وكان فاتحة الخير والهدى والعلم والمعرفة، كان البلسم الذي هذب عقلية الفرس، والرومان، وكون فلسفة إسلامية عالية.
وبدينه ولدت العلوم والمعارف في الشرق أولا ثم انتقلت إلى الغرب عن طريقالحروب الصليبية وتركيا، وعن جامعات الأندلس. أخذ الغربيون تلك النفائس فنموها، وجودوها، حتى صارت علوما ومعارف واسعة النطاق، وأراد الله لهم ذلك.
وأراد الله للشرق وللمسلمين أن يبتعدوا عن دينهم فأهملوا علومهم ومعارفهم فدارت الدائرة عليهم وأذلهم عدوهم. ولقد صدق الله وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران 140] . (التفسير الواضح)

(انتهى بتصرف)







تفسير موضوعى لسور القرآن الكريم - مقاصد القرآن

تفسير موضوعى لسور القرآن الكريم - مقاصد القرآن

تفسير موضوعى لسور القرآن الكريم - مقاصد القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة البحث

الحمد لله الذى جاءنا منة نور وكتب مبين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين ، اما بعد :

فأن القرآن الكريم كتاب الله الخالد وهو النور المبين الذى انزلة الله هداية واصلاح للبشرية ومصدر لسعادتها فى الدنيا و الاخرة ما تمسكت وعملت بة ، ولما كان مدار سعادة البشر كما ذُكر هو التمسك والعمل بالقرآن فكان لابد لكل مسلم ان يقراء القرآن ويتدبرة ويعمل بما فية ، ومما يعين المسلم على تدبر كتاب الله فهم مقاصد ومحاور القرآن عامة ومقاصد ومحاور كل سورة خاصة ، وقد الف فى هذا المجال بعض العلماء منهم السيوطى والبقاعى من علماء السلف ، وفى العصر الحديث الفت كتب عن التفسير الموضوعى للقرآن سواء كتب مستقلة كموسوعة التفسير الموضوعى ، او ذكرت المقاصد ضمن بعض كتب تفاسير القرآن كتفسير التحرير والتنوير وظلال القرآن والتفسير المنير وتفسير المراغى ، وهى كتب مطولة كبيرة الحجم قد يصعب على كثير من المسلمين قرائتها ، فرأيت انة من باب التيسير على عامة المسلمين فى التعرف على مقاصد القرآن وسورة ان اقوم بتجميع المقاصد من بعض هذة المؤلفات فى بحث صغير الحجم يكون معيناً لمن يقرآة على فهم مقاصد القرآن وتدبر كتاب الله تعالى ، والله الموفق .

مصادر البحث :

وقد استقيت مادة هذا البحث من الاتى :

1-     تفسير التحرير والتنوير / ابن عاشور

2-     نفسير المراغى / احمد المراغى

3-     عون الكريم فى بيان مقاصد القرآن(وهو استخراج للمقاصد من تفسير الظلال) / محمد عبد الهادى المصرى

4-     التفسير المنير / وهبة الزحيلى

5-     كتاب المختصر فى التفسير / مركز تفسير للدراسات القرآنية

6-     بعض المحاضرات عن مقاصد القرآن للشيوخ / صالح ال شيخ – محمد الخضيرى – عبدالله الربيعة .

خطة البحث :

1-     مقدمة للتعريف بمقاصد ومحاور القرآن عامة .

2-     ذكر مقاصد القرآن (من تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور) .

3-     مقاصد ومحاور السور المكية والسور المدنية (من تفسير المراغى والتفسير المنير) .

4-     خطة العمل فى كل سورة :

اولاً/ ذكر سبب تسمية السورة ومناسبة الاسم لموضوع السورة (من كتاب عون الكريم) .

ثانياً/ ذكر المحور الذى تدور حولة السورة (من كتاب عون الكريم) .

ثالثاً/ ذكر مناسبة السورة لما قبلها (من كتاب التفسير المنير) .

رابعاً/ ذكر ما تشتمل علية السورة من موضوعات (من كتاب التفسير المنير) .

 

اما عملى فى البحث فهو فقط تجميع وترتيب للمادة العلمية من المصادر المذكورة وقد يكون هناك تصرف يسير جداً منى فى اضافة او حذف بعض العبارات لتناسب الفقرات مع بعضها ، واسأل الله العظيم ان ينفع بة كل من قرآة ويعينة على فهم وتدبر كتاب الله ، وارجو من كل من قراء الكتاب ان يسامحنى فى اى خطاء او زلل او تقصير فهذا جهد المقل ، سائلاً الله ان يجعل عملنا كلة خالص لوجة الكريم .

 

 

مقدمة عن محاور ومقاصد القرآن عامة

ان القرآن الكريم انزلة الله لسعادة واصلاح البشرية وهو رسالة الله الى العالم فمن فهمة وعمل بة سعد ونجا ومن اعرض عنة تعس وخسر ، وقد استنبط العلماء ان القرآن الكريم يدور على محاور ومقاصد استقرؤها من تدبرهم لكتاب الله وخلاصتها الاتى :

1-     التوحيد (من خلال تعريف الناس بخالقهم والههم وما لة من الصفات العلى وآياتة الكونية ومخلوقاتة ليدل ذلك على إفرادة بالعبادة)

2-     القصص (من خلال ذكر قصص الماضين من الرسل والامم وغير ذلك من الاخبار ليدل ذلك على اسباب السعادة واسباب الشقاء)

3-     الاخلاق و الشرائع (من خلال ذكر جملة من الاخلاق والشرائع التى يصلح بها الفرد والمحتمع)

4-     الغيبيات (من خلال ذكر الجنة والنار و الملائكة وغير ذلك من الغيبيات التى فى ذكرها تثبيت وتقوية الايمان فى القلوب)

و هناك تقسيم اخر لمقاصد القرآن مشتهر عن كثير من السلف وهو تقسيم القرآن الى :

1-     توحيد

2-     احكام

3-     اخبار

والخلاصة ان جميع المحاور والمقاصد تنتظم فى مقصد واحد وهو توحيد الله وعبادتة وحدة لا شريك لة .

وفيما يلى سيتم ذكر نموذج  لرأى عالم ومفسر كبير عن مقاصد القرآن يوضح ما اجملناة فى هذة المقدمة .


اغراض و مقاصد القرآن

إن القرآن أنزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم قال الله تعالى ( وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية . فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس وتزكيتها ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير ثم صلاح السريرة الخاصة وهي العبادات الظاهرة كالصلاة والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر . وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولا من الصلاح الفردي إذ الأفراد أجزاء المجتمع ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه ومن شيء زائد على ذلك وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية . وهذا هو علم المعاملات ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية

 وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي وضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع ورعي المصالح الكلية الإسلامية وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع و يجب العلم بالمقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها فلنلم بها الآن بحسب ما بلغ إليه استقراؤنا وهي ثمانية أمور :-

الأول : إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح . وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق لأنه يزيل عن النفس عادة الإذعان لغير ما قام عليه الدليل ويطهر القلب من الأوهام الناشئة عن الإشراك والدهرية وما بينهما وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى ( فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ) فأسند لآلهتهم زيادة تتبيبهم وليس هو من فعل الآلهة ولكنه من آثار الاعتقاد بالآلهة

الثاني : تهذيب الأخلاق قال تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وفسرت عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن خلقه صلى الله عليه و سلم فقالت كان خلقه القرآن . وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " بعثت لأتمم مكارم حسن الأخلاق " وهذا المقصد قد فهمه عامة العرب بله خاصة الصحابة وقال أبو خراش الهذلي مشيرا إلى ما دخل على العرب من أحكام الإسلام بأحسن تعبير :

 فليس كعهد الدار يأم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

 وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل أراد بإحاطة السلاسل بالرقاب أحكام الإسلام . والشاهد في قوله وعاد الفتى كالكهل

 الثالث : التشريع وهو الأحكام خاصة وعامة . قال تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ) ولقد جمع القرآن جميع الأحكام جمعا كليا في الغالب وجزئيا في المهم فقوله ( تبيانا لكل شيء ) وقوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) المراد بهما إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس . قال الشاطبي لأنه على اختصاره جامع والشريعة تمت بتمامه ولا يكون جامعا لتمام الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية

 الرابع : سياسة الأمة وهو باب عظيم في القرآن القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) وقوله ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) وقوله ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وقوله ( وأمرهم شورى بينهم )

 الخامس : القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم قال ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) وللتحذير من مساويهم قال ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) وفي خلالها تعليم وكنا أشرنا إليها في المقدمة الثانية

 السادس : التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار وكان ذلك مبلغ علم مخالطي العرب من أهل الكتاب . وقد زاد القرآن على ذلك تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته للضالين وفي دعوته إلى النظر ثم نوه بشأن الحكمة فقال ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم . وقد لحق به التنبيه المتكرر على فائدة العلم وذلك شيء لم يطرق أسماع العرب من قبل إنما قصارى علومهم أمور تجريبية وكان حكماؤهم أفرادا اختصوا بفرط ذكاء تضم إليه تجربة وهم العرفاء فجاء القرآن بقوله ( وما يعقلها إلا العالمون ) و ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقال ( ن والقلم ) فنبه إلى مزية الكتابة

 السابع : المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين وهذا باب الترغيب والترهيب

 الثامن : الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول ؛ إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي والقرآن جمع كونه معجزة بلفظه ومتحدي لأجله بمعناه والتحدي وقع فيه ( قل فأتوا بسورة مثله ) ولمعرفة أسباب النزول مدخل في ظهور مقتضى الحال ووضوحه .


مقاصد القرآن المكي:

من مقاصد القرآن المكي أنه نزل لبيان أسس الدين من الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين، وفعل الخيرات وترك المنكرات، مع إيجاز فى التعبير، واختصار فى الأسلوب، ويتضح ذلك جليا فى قصار المفصّل كالحاقة والواقعة والمرسلات. فموضوعاتة العقيدة والأخلاق، ببيان أصول الإيمان من إثبات التّوحيد والنّبوة والبعث، وقصص الرّسل مع أقوامهم في هذا المضمار، وتقرير أصول الآداب والأخلاق، ومحاجّة المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بتلك الأصول.

ويغلب على القرآن المكي إصلاح العقيدة والأخلاق، والتنديد بالشرك والوثنية، وإقرار عقيدة التوحيد، وتصفية آثار الجهل من قتل وزنا ووأد بنات، والتأدّب بآداب الإسلام وأخلاقه، مثل العدل، والوفاء بالعهد، والإحسان، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإعمال العقل والفكر، ونقض أوهام التقليد الأعمى، وتحرير الإنسان، والاعتبار بقصص الأنبياء مع أقوامهم. وقد اقتضى ذلك جعل الآيات المكية قصيرة تزخر بالرهبة والزجر والوعيد، وتبعث على الخشية، وتشعر بمعنى الجلال.

 

مقاصد القرآن المدني:

من مقاصد القرآن المدني أنه جاء بأحكام العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية فى السلم والحرب، وأصول التشريع للحكومات الإسلامية، إلى إسهاب فى الأسلوب وبسطة فى القول، ولا سيما عند محاجة أهل الكتاب، والنعي عليهم بتحريف ما أنزل إليهم ودعوتهم إلى التوحيد الخالص، وبيان أن الإسلام الذي جاء به القرآن هو دين الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا. فيعنى ببيان أحكام التّشريع المفصّلة، ومحاجّة أهل الكتاب بسبب الانحراف عن هداية كتبهم وأما التشريع المدني فيغلب عليه تقرير الأنظمة والأحكام المفصلة للعبادات، والمعاملات المدنية والعقوبات، ومتطلبات الحياة الجديدة في إقامة صرح المجتمع الإسلامي في المدينة، وتنظيم شؤون السياسة والحكم، وترسيخ قاعدتي الشورى والعدل في إصدار الأحكام، وتنظيم العلاقات بين المسلمين وغيرهم في داخل المدينة وخارجها، وقت السلم والحرب، بتشريع الجهاد لوجود مسوغاته من إيذاء وعدوان وتشريد وطرد وتهجير، ثم وضع أنظمة المعاهدات لإقرار الأمن وتوطيد دعائم السلم، وقد اقتضى ذلك كون الآيات المدنية طويلة هادئة، ذات أبعاد وغايات دائمة غير وقتية، تستدعيها عوامل الاستقرار والاطمئنان وبناء الدولة على أمتن الأسس وأقوى الدعائم.


 

1-     سورة الفاتحة

ما اشتملت عليه السورة:

قد روى لهذه السورة عدة أسماء اشتهر منها: أم الكتاب، أم القرآن. (لاشتمالها على مقاصد القرآن من الثناء على الله والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده) فهى مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الإجمال، ثم فصل ما أجملته بعد فى باقى سور القرآن. وقد رجح هذا بيان أن القرآن الكريم اشتمل على التوحيد، وعلى وعد من أخذ به بحسن المثوبة ووعيد من تجافى عنه وتركه بسىء العقوبة، وعلى العبادة التي تحيى التوحيد فى القلوب وتثبته فى النفوس، وعلى بيان سبيل السعادة الموصل إلى نعيم الدنيا والآخرة، وعلى القصص الحاوي أخبار المهتدين الذين وقفوا عند الحدود التي سنها الله لعباده، وفيها سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم، والضالين الذين تعدّوا الحدود، ونبذوا أحكام الشرائع وراءهم ظهريا.

وقد حوت الفاتحة هذه المعاني جملة، فالتوحيد يرشد إليه قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)

لأنه يدل على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له، ولن يكون هذا إلا إذا كان عز اسمه مصدر النعم التي تستوجب الحمد، وأهمها نعمة الإيجاد والتربية وذلك صريح قوله: (رَبِّ الْعالَمِينَ) وقد استكمله بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وبذلك اجتثّ جذور الشرك التي كانت فاشية فى جميع الأمم، وهى اتخاذ أولياء من دون الله يستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب بهم إلى الله زلفى.

والوعد والوعيد يتضمنهما قوله: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) إذ الدين هو الجزاء وهو إما ثواب للمحسن وإما عقاب للمسىء.

والعبادة تؤخذ من قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .

وطريق السعادة يدل عليه قوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذ معناه أنه لا تتم السعادة إلا بالسير على ذلك الصراط القويم، فمن خالفه وانحرف عنه كان فى شقاء مقيم.

والقصص والأخبار يهدى إليها قوله: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فهو يرشد إلى أن هناك أمما قد مضت وشرع الله شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها، فعلينا أن نحذو حذوها ونسير على سننها.

وقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان:

صنف خرج عن الحق بعد علمه به، وأعرض عنه بعد أن استبان له، ورضى بما ورثه عن الآباء والأجداد وهؤلاء هم المغضوب عليهم، وصنف لم يعرف الحق أبدا أو عرفه على وجه مضطرب مهوش، فهو فى عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط السوي، وهؤلاء هم الضالون.


2-     سورة البقرة

سبب التسمية: قصة البقرة نموذج لفشل تجربة بني إسرائيل.

*محور السورة وموضوعها الأساسي: استخلاف الإنسان في الأرض وتكليفه بالمسئولية عنها من قبل ربه.

* يتم ذلك من خلال:

·                      بيان الدور الذي خُلق من أجله الإنسان.

·                      عرض لبعض التجارب السابقة لحمل أمانة الاستخلاف.

·                      تكليف هذه الأمة بحمل الأمانة إلى يوم القيامة.

ما اشتملت عليه السورة:

سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، قال عكرمة: «أول سورة أنزلت بالمدينة: سورة البقرة»  . وتعنى كغيرها من السور المدنية بالتشريع المنظم لحياة المسلمين في المجتمع الجديد بالمدينة، مجتمع الدين والدولة معا، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإنما هما متلازمان تلازم الجسد والروح، لذا كان التشريع المدني قائما على تأصيل العقيدة الإسلامية، ومبدؤها الإيمان بالله، وبالغيب، وبأن مصدر القرآن هو الله عز وجل، والاعتقاد الجازم بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين، وبأن العمل الصالح ترجمان ذلك الإيمان، ويتمثل العمل بعقد صلة الإنسان مع ربه بواسطة الصلاة، وبتحقيق أصول التكافل الاجتماعي بواسطة الإنفاق في سبيل الله.

ويقتضي تقرير العقيدة التحدث عن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، لعقد مقارنة بين أهل النجاة وبين أهل الدمار والهلاك. كما يقتضي التحدث عن قدرة الله عز وجل، ببدء الخليقة وتكريم آدم أبي البشر بسجود الملائكة له، وترتيب المولى ما حدث معه وزوجه في الجنة، ثم الهبوط إلى الأرض. واستوجب التحذير الإلهي للمؤمنين التحدث في هذه السورة بما يزيد عن ثلثها عن جرائم بني إسرائيل، من الآية 47- 123، فهم كفروا بنعمة الله، ولم يقدّروا نجاتهم من فرعون، وعبدوا العجل، وطالبوا موسى عليه السّلام بطلبات على سبيل العناد والمكابرة والتحدي، وبالرغم من تحقيق مطالبهم المادية كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، ونقضوا العهود والمواثيق، فاستحقوا إنزال اللعنة وغضب الله عليهم، وجعلهم الله أذلاء منبوذين مطرودين من رحمته.

ثم انتقلت السورة من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب أهل القرآن، بالتذكير بما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد عليهما السلام من نسب إبراهيم والاتفاق على فضله، واستئصال كل مزاعم الخلاف على القبلة، وبيان الأساس الأعظم للدين وهو توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق بالعبودية، وشكر الإله على ما أنعم به من إباحة الاستمتاع بطيبات الرزق وإباحة المحرّمات حال الضرورة، وبيان أصول البرّ في آية: لَيْسَ الْبِرَّ [في البقرة 2/ 177] .

ثم أوضحت السورة أصول التشريع الإسلامي للمؤمنين به، في نطاق العبادات والمعاملات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله وتنظيم أحكام القتال، واعتماد الأشهر القمرية في التوقيت الديني، والإنفاق في سبيل الله، لأنه وسيلة للوقاية من الهلاك، والوصية للوالدين والأقربين، وبيان مستحقي النفقات، ومعاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة، وتنظيم شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والرضاع والعدة، والإيلاء من النساء، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو، وتحريم السحر، والقتل بغير حق وإيجاب القصاص في القتلى، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الخمر والميسر والربا، وإتيان النساء في المحيض وفي غير مكان الحرث وإنجاب النسل، أي في الدبر. وتضمنت السورة آية عظيمة في العقيدة والأسرار الإلهية، وهي آية الكرسي، وحذرت من يوم القيامة الرهيب في آخر ما نزل من القرآن، وهي آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة 2/ 281] .

وتضمنت هذه السورة أطول آية في القرآن هي آية الدّين، التي أبانت أحكام الدّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها، والرهان، ووجوب أداء الأمانة، وتحريم كتمان الشهادة.

وختمت السورة بالتذكير بالتوبة والإنابة إلى الله، وبالدعاء العظيم المشتمل على طلب اليسر والسماحة، ورفع الحرج والأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار.

فالسورة كلها منهاج قويم للمؤمنين المستخلفين من الله فى الارض ، ببيان أوصافهم، وأوصاف معارضيهم ومعاديهم من الكفار والمنافقين، وتوضيح مناهج التشريع في الحياة الخاصة والعامة، واللجوء في الخاتمة إلى الله والدعاء المستمر له في التثبيت على الإيمان، والإمداد بالإحسان والفضل الإلهي، وتحقيق النصر على أعداء الله والإنسانية.

ومن توجيهات السورة أن مناط السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع الدين، وأصول الدين ثلاثة: هي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. والولاية العامة يجب أن تكون لأهل الإيمان والاستقامة، لكن الإكراه على الدين ممنوع.


3-     سورة آل عمران

سبب التسمية: آل عمران نموذج ورمز للثبات على الحق.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: دعوة للثبات على الحق وتحمل المسئولية التي عرضت في سورة البقرة.

* يتم ذلك من خلال:

بيان عوامل الثبات، وذلك من خلال:

·                       سد باب الشبهات في العقائد والتصورات والأفكار: وذلك ببيان حقيقة الدين والتوحيد والإسلام وتوضيح الغايات والأهداف.

·                      سد باب الشهوات في السلوكيات والأخلاقيات والمعاملات: وذلك باللجوء إلى الله دائمًا بالدعاء وكثرة العبادة والاستغفار والتوبة أولاً بأول من الخطايا والزلات.

·                      سد باب التميع والذوبان وفقدان الشخصية المتميزة: وذلك بالحرص على موالاة المؤمنين والدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله مع الصحبة الصالحة والحذر من موالاة غير المؤمنين.

مدى صلتها بسورة البقرة:

هناك أوجه اتّصال وشبه ومقارنة بين السورتين: البقرة وآل عمران، وهي ما يأتي:

1- موقف الناس من القرآن: بدئت السورتان بذكر القرآن (أو الكتاب) وحدد موقف الناس منه، ففي البقرة: ذكر حال المؤمنين وغير المؤمنين به، وفي آل عمران: ذكر موقف الزائغين الذين يتصيّدون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وموقف الرّاسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه، قائلين: كلّ من عند ربّنا.

2- عقد التّشابه بين خلق آدم وخلق عيسى: ففي البقرة تذكير بخلق آدم، وفي آل عمران تذكير بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في خلق غير معتاد.

3- محاجّة أهل الكتاب: في السورة الأولى: إفاضة في محاجّة اليهود وبيان عيوبهم ونقائصهم ونقضهم العهود، وفي الثانية: إيجاز في محاجّة النصارى، لتأخرهم في الوجود عن اليهود.

4- تعليم صيغة الدّعاء في ختام كلّ منهما: في الأولى دعاء يناسب بدء الدّين ويمسّ أصل التّشريع وبيان خصائصه في قلّة التّكاليف ودفع الحرج والأخذ باليسر والسماحة، وفي الثانية: دعاء بالتّثبيت على الدّين وقبول دعوة الله إلى الإيمان، وطلب الثواب عليه في الآخرة. - إثبات الفلاح للمؤمنين: ختمت السورة الثانية بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهو ما بدئت به السّورة الأولى بقوله تعالى واصفا المؤمنين:

أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

 

ما اشتملت عليه السورة:

تضمّنت هذه السّورة الكلام على جانبي العقيدة والتّشريع، أما العقيدة:

فقد أثبتت الآيات وحدانية الله، والنّبوة، وصدق القرآن، وإبطال شبهات أهل الكتاب حول القرآن والنّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإعلان كون الدّين المقبول عند الله هو الإسلام، ومناقشة النصارى في شأن المسيح وألوهيته والتكذيب برسالة الإسلام، واستغرقت المناقشة قرابة نصف السورة، كما استغرقت سورة البقرة ما يزيد عن ثلثها في مناقشة اليهود وتعداد قبائحهم وجرائمهم، بالإضافة إلى ما تضمنته هذه السّورة من تقريعاتهم، والتحذير من مكائد أهل الكتاب.

وأما التّشريع: فقد أبانت الآيات بعض أحكام الشرع مثل فرضية الحج والجهاد وتحريم الرّبا وجزاء مانع الزّكاة، وبعض الدروس والعبر والعظات من غزوتي بدر وأحد، والتّنديد بمواقف أهل النّفاق.

ثم ختمت السورة بما يناسب الجانبين، فطالبت بالتّفكير والتّدبّر في خلق السّموات والأرض وما فيهما من عجائب وأسرار، وأوصت بالصبر على الجهاد والمرابطة في سبيل الله، ليحظى الإنسان برتبة الفلاح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.


4-     سورة النساء

سبب التسمية: من يُستأمن على النساء خاصة في بيته يصلح أن يُستأمن على الأرض.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: العدل والرحمة – خاصة مع الضعفاء ومنهم النساء – أول صفة يتحلى بها المستخلفون المسئولون عن الأرض.

* يتم ذلك من خلال:

·                      جلاء حقيقة التصور الإسلامي العقائدية والأخلاقية: معنى الدين والإسلام والإيمان.

·                      بيان ما ينبني على ذلك من سلوك ومعاملات:

- التوحيد: والذي يؤدي إلى ويحقق: العدل المطلق مع الجميع بما فيهم الضعفاء.

- الجهاد: والذي يؤدي إلى ويحقق: الدفاع عن المستضعفين في الأرض.

- الموالاة والمعاداة: والتي تؤدي إلى وتحقق: التميز لأهل العدل في مواجهة أهل الظلم.

·                      تكريس ملامح وشخصية المجتمع العادل الرحيم: المجتمع المسلم.

ومحو ملامح وشخصية المجتمع الظالم الطاغي: المجتمع الجاهلي.

مناسبتها لآل عمران:

هناك أوجه شبه ووشائج صلة تربط بين السورتين أهمها:

1- اختتام آل عمران بالأمر بالتقوى للمؤمنين، وافتتاح هذه السورة بذلك للناس جميعا.

2- نزول آية فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.. بمناسبة غزوة أحد، مع نزول ستين آية في الغزوة في آل عمران.

3- نزول آية وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ بمناسبة غزوة حمراء الأسد بعد نزول آيات الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ في تلك الغزوة في آل عمران (172- 175) .

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت السورة الكلام عن أحكام الأسرة الصغرى- الخلية الاجتماعية الأولى، والأسرة الكبرى- المجتمع الإسلامي وعلاقته بالمجتمع الإنساني، فأبانت بنحو رائع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني بكون الناس جميعا من نفس واحدة، ووضعت رقيبا على العلاقة الاجتماعية العامة بالأمر بتقوى الله في النفس والغير وفي السر والعلن.

وتحدثت السورة بنحو مطول عن أحكام المرأة بنتا وزوجة، وأوضحت كمال أهلية المرأة واستقلالها بذمتها المالية عن الرجل ولو كان زوجا، وحقوقها الزوجية في الأسرة من مهر ونفقة وحسن عشرة وميراث من تركة أبيها أو زوجها، وأحكام الزواج وتقديس العلاقة الزوجية، ورابطة القرابة المحرمية والمصاهرة، وكيفية فض النزاع بين الزوجين والحرص على عقدة النكاح، وسبب «قوامة الرجل» وأنها ليست سلطة استبدادية، وإنما هي غرم ومسئولية وتبعة ولتسيير شؤون هذه المؤسسة الصغيرة.

ثم أوضحت السورة ميزان الروابط الاجتماعية وأنها قائمة على أساس التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة.

وتكاملت أنماط وصور علاقة هذا المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء مع الجماعات أو الدول، فحددت السورة قواعد الأخلاق والمعاملات الدولية، وبعض أحكام السلم والحرب، ونواحي محاجة أهل الكتاب ومناقشتهم، وما يستتبع ذلك من الحملة المركزة على المنافقين. وذلك كله من أجل إقامة المجتمع الفاضل في دار الإسلام وتطهيره من زيغ العقيدة وانحرافها عن «عقيدة التوحيد» العقيدة الصافية إلى فكرة التثليث النصرانية المعقدة البعيدة عن حيّز الإقناع العقلي والاطمئنان النفسي، كما قال تعالى: وَلا تَقُولُوا: ثَلاثَةٌ، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء 4/ 171] .


5-     سورة المائدة

سبب التسمية: قصة المائدة تبين عاقبة نقض العهد مع الله.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الوفاء بالعقود. وأول العقود هو عقد الاستخلاف في الأرض ثم كل ما يأتي بعد ذلك تفصيلاً من عقود.

* يتم ذلك من خلال:

·                      تنقية التصور الاعتقادي ببيان أن الدين وحدة كاملة لا تتجزأ (عقيدة وشعائر وشرائع) يجب الوفاء بها كلها مجتمعة وإلا فهو الكفر.

·                     بيان أن القيام بالدين كاملاً (عقيدة وشعائر وشرائع) هو الذي يحقق كل مقاصد الدين: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

1- الركن الأول في عقد الاستخلاف: [الحكم بما أنزل الله] فهو السياج الذي يحافظ على المقاصد الخمسة للشريعة والتحذير من مشابهة أهل الكتاب في التحلل من شرع الله [آية (41)) – آية (50)].

2- الركن الثاني في عقد الاستخلاف: [الموالاة لله ورسوله والمؤمنين] فهو السياج الذي يحافظ على هوية وشخصية الجماعة المؤمنة من الذوبان في الأمم الأخرى (خاصة أهل الكتاب) والذي يؤدي إلى :

·                      الخلل والاضطراب في العقائد والتصورات (كما حدث لأهل الكتاب).

·                      التخلي عن شرع الله والحكم بما أنزل الله (كما حدث أيضًا لأهل الكتاب): [آية (51) آية (108)].

3- الركن الثالث في عقد الاستخلاف: [النسك والشعائر لله وحده] فهو السياج الذي يحافظ على التوحيد النقي الخالص في العبادة والعقيدة [آية (109)- آية (120)].

مناسبتها لما قبلها:

هناك أوجه تشابه بينها وبين سورة النساء، لاشتمال كل منهما على عدة عهود وعقود وأحكام ومناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، ففي سورة النساء الكلام على عقود الزواج والأمان والحلف والمعاهدة، والوصايا والودائع والوكالات والإجارات، وابتدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود. ومهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمتها سورة المائدة بنحو قاطع، وتضمنت السورتان مناقشة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في عقائدهم ومواقفهم من الرسالة المحمدية.

 

ما اشتملت عليه:

اشتملت سورة المائدة على أحكام تشريعية وثلاث قصص. أما الأحكام:

فهي بيان أحكام العقود ونكاح الكتابيات والوصية عند الموت، والمطعومات من ذبائح وصيود، وصيد الإحرام وجزائه، والطهارة من وضوء وغسل وتيمم، وتحريم الخمر والميسر وجزاء الردة، وحد السرقة وحد الحرابة (قطع الطريق) وكفارة اليمين، وشريعة الجاهلية بتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وحكم تارك العمل بما أنزل الله، ونحو ذلك في أثناء مناقشة ومجادلة النصارى واليهود والمشركين والمنافقين.

قال العلماء: فيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها وهي: الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ، وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وتمام الطهور: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله: عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ وما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية. وذكر القرطبي فريضة تاسعة عشرة وهي قوله عز وجل: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة الجمعة فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات.

وفي الجملة انفردت سورة المائدة ببيان أصول مهمة في الإسلام هي:

1- إكمال الدين، وأن دين الله واحد، وإن اختلفت شرائع الأنبياء ومناهجهم.

2- بيان عموم بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمره بالتبليغ العام، وانحصار مهمته بالتبليغ فقط.

3- أوجب الله على المؤمنين إصلاح نفوسهم، وأنه لا يضرهم إن استقاموا ضلال غيرهم، وطريق الإصلاح الوفاء بالعقود، وتحريم الاعتداء على الآخرين، والتعاون على البر والتقوى وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم موالاة الكفار، ووجوب الشهادة بالعدل، والحكم بالقسط والمساواة بين المسلمين وغيرهم.

4- بيان أحكام المطعومات، وتحريم الخمر والميسر (القمار) والأنصاب والأزلام.

5- تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم الصدق.

وأما القصص الثلاث الواردة للعبرة والعظة فهي: الأولى- قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام إذ قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. والثانية- قصة ابني آدم، حيث قتل قابيل هابيل، وهي أول جريمة في الأرض. والثالثة- قصة المائدة التي كانت معجزة خارقة لعيسى عليه السلام أمام صحبه الحواريين.


6-     سورة الأنعام

سبب التسمية: التحليل والتحريم لله وحده.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: بيان حقيقة الألوهية والعبودية وما بينهما من علاقة.

* يتم ذلك من خلال:

·                      بيان وإثبات القدرة المطلقة والصفات العلى للخالق والتي تُلزم المخلوق بالتوحيد.

·                      بيان الآيات الفطرية والعقلية والكونية للتوحيد (والبعث والرسالة).

·                      بيان أن التوحيد ليس فقط في التصور والاعتقاد وإنما يشمل كل جوانب الحياة [آية (162)]: [الموالاة (آية 14)- الحاكمية (آية 114)- النسك والشعائر (آية 164)].

·                      بيان طبيعة الرسالات والرسل وحدود دورهم مع أقوامهم.

·                      بيان تهافت حجج الملاحدة والمشركين وبيان مصيرهم المظلم في الدنيا والآخرة.

مناسبتها لما قبلها:

تضمنت كل من سورتي المائدة والأنعام محاجة أهل الكتاب في مواقفهم وعقائدهم، كما ذكر فيهما أحكام المطعومات المحرّمة والذبائح، والرد على أهل الجاهلية بتحريم بعض الأنعام تقرّبا إلى الأوثان.

 

ما اشتملت عليه:

مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين

قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجّة المشركين، وغيرهم من المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنّشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجّة، وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلّمون أصول الدّين لأن فيها آيات بيّنات تردّ على القدريّة  .

هذه السّورة شأنها كشأن السّور المكيّة عنيت بأصول العقيدة والإيمان: وهي إثبات الألوهية، والوحي والرّسالة، والبعث والجزاء.

وتعتمد في ترسيخ العقيدة بهذه الأصول على أسلوبي التّقرير والتّلقين.

أما أسلوب التّقرير: فهو يعرض أدلة وجود الله وتوحيده في صورة المسلّمات البديهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق لله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.. أو بضمير الغائب: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ...

وأما أسلوب التلقين: فهو إيراد الحجج بتعليمها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وتلقينها إياه لعرضها على الخصوم، وذلك بطريق السؤال والجواب، مثل: قُلْ: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قُلْ: لِلَّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ وَقالُوا: نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ...

ومجمل ما اشتملت عليه هذه السورة هو ما يأتي:

1- إثبات أصول الاعتقاد عن طريق الإقناع والتأثير والمناظرة والجدل، والجواب عن سؤال، كوجود الله وتوحيده وصفاته وآياته في الأنفس والآفاق، وتأثير العقيدة في العمل.

2- إثبات النبوة والرسالة والوحي والرد على شبهات المشركين بالأدلة العقلية والعلمية والحسية.

3- إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

4- تبيان أصول الدين والأخلاق والآداب الاجتماعية أو الوصايا العشر المقررة في كل رسالة إلهية.

5- الدين من عهد آدم إلى محمد عليهما السلام واحد في أصله ووسائله وغاياته، فتجزئته، والإيمان ببعضه وترك بعضه، وتفرقته بالمذاهب والآراء الشخصية مصادم لأصل الدين.

6- السعادة والشقاوة والجزاء الأخروي على الحسنات والسيئات منوطة بالأعمال البشرية.

7- الناس ضمن السنن الإلهية والأقدار عاملون بالإرادة والاختيار، فلا جبر ولا إكراه، ولا تعارض بين إرادة الله وما يكسبه الإنسان لأن قدر الله معناه ربط المسببات بالأسباب، على وفق علمه وحكمته.

8- العدل الإلهي يقتضي التفاوت بين الأمم والأفراد، فيهلك الله الظالمين، وينعم على الطائعين، ويمكّن للأصلح في إرث الحياة.

9- الله مصدر التشريع والتحليل والتحريم، فلا يحق لإنسان الافئتات على حق الله في ذلك.

10- على الإنسان الاعتبار والاتعاظ بأحوال الأمم الغابرة التي كذبت الرسل، وعليه النظر في الكون للاستدلال بآياته الكثيرة على قدرة الله وعلمه وعظمته.

11- الناس في الحياة في تسابق وتنافس واختبار، ليعلم المفسد من المصلح، والجزاء ينتظر الجميع، والله يمهل ولا يهمل ليتوب الإنسان ويصلح شأنه، ورحمة الله وسعت كل شيء.


7-     سورة الأعراف

سبب التسمية: أصحاب الأعراف نموذج للسلبية والتميع وعدم الحسم تجاه الباطل. (ملاحظة): سجود السحرة في المقابل نموذج للإيجابية والحسم مع الحق تجاه الباطل وسجود السحرة في المقابل نموذج للإيجابية والحسم مع الحق تجاه الباطل.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: بيان حتمية الصراع بين الحق والباطل وأنه سنة كونية ماضية منذ وجود آدم عليه السلام وذريته وبيان ضرورة أن يحسم المرء موقفه مع الحق بإيجابية لأنه هو المنتصر في النهاية وإلا فالسلبية والتميع تجاه الباطل المهزوم في الدنيا والآخرة يعرض صاحبه لموقف خطير في الدنيا والآخرة (أصحاب الأعراف).

* يتم ذلك من خلال:

 رسم صورة الصراع بين الحق والباطل في مجال التاريخ البشري منذ بداية الصراع (آدم وحواء وإبليس) إلى نهايته (الجنة والنار والأعراف) مرورًا بالأنبياء (وآخرهم محمد صلّى الله عليه وسلم) وأوليائهم الناجين وأعدائهم الهالكين.

موضوعها:

نزلت هذه السورة لتفصيل قصص الأنبياء وبيان أصول العقيدة، وهي كسورة الأنعام بل كالبيان لها، لإثبات توحيد الله عزّ وجلّ، وتقرير البعث والجزاء، وإثبات الوحي والرسالة، ولا سيما عموم بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت سورة الأعراف التي هي من أطول السور المكية ما يلي من مبادئ العقيدة الإسلامية:

1- القرآن كلام الله: افتتحت السورة بالتنويه بالقرآن العظيم معجزة الرسول الخالدة، وأنه نعمة من الله، وأنه يجب اتباع تعاليمه.

2- أبوّة آدم عليه السلام: الناس جميعا من أب واحد، أمر الله الملائكة بالسجود له سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة وتقديس، والشيطان عدو الإنسان.

وقد أعيد التذكير بقصة آدم مع إبليس، وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى الأرض، بسبب وسوسة الشيطان رمز الشر والباطل وصراعه مع الإنسان الذي يدعو إلى عبادة الله وإلى الخير والحق، تأكيدا لما ذكر في سورة البقرة.

3- إثبات التوحيد: وهو الإقرار بوحدانية الله، وعبادته وحده، وإخلاص الدين له، والاعتراف بحقه وحده في التشريع والتحليل والتحريم:

اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ.

4- الوحي والرسالة: الوحي ثابت يتضمن هنا إنزال القرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وجوهره التكليف بالرسالة الإلهية، وبعثة الرسل إلى الناس:

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي.

5- تقرير البعث والجزاء في عالم الآخرة: تضمنت السورة الكلام عن البعث والإعادة يوم القيامة: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ والجزاء والحساب وانقسام الناس بسببه إلى فرق ثلاث: فرقة المؤمنين الناجين أهل الجنة، وفرقة الكافرين الهالكين أهل النار، وأصحاب الأعراف وهو سور بين الجنة والنار.

6- أدلة وجود الله: أقام الله تعالى الأدلة الكثيرة على وجوده مثل خلق السموات والأرض في ستة أيام، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والنجوم بأمر الله، وإخراج الثمرات من الأرض

 7- التهديد بالإهلاك: أهلك الله الأمم الظالمة عبرة لغيرها، وأنذر الناس بإنزال العذاب المماثل، ورغب بالإيمان والعمل الصالح لإفاضته الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف 7/ 96] وكذا لإرث الأرض والاستخلاف على الآخرين: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف 7/ 128] .

8- قصص الأنبياء: أورد الله تعالى مجموعة من قصص الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، للتذكير بأحوال المكذبين أنبياءهم، وللعظة والعبرة، ومن أدلّها قصة موسى مع الطاغية فرعون، وعقاب بني إسرائيل بالمسخ قردة وخنازير لما خالفوا أمر الله. وتشبيه عالم السوء بالكلب: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف 7/ 176] .

9- التنديد بعبادة الأصنام، والتهكم بمن عبد ما لا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، من أحجار وهياكل، وذلك كله لتقرير مبدأ التوحيد الذي ختمت به السورة كما بدئت به.


8-     سورة الأنفال

سبب التسمية: الأنفال رمز للتكالب على الدنيا وذوبان التآلف بين المؤمنين ونسيان قوانين النصر.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: بيان لقانون النصر: وهو اليقين أن النصر من عند الله وحده مع الأخذ بالأسباب المعنوية والمادية التي جعلها الله طريقًا للنصر.

* يتم ذلك من خلال:

عرض لغزوة بدر يتكرس من خلاله قضايا العقيدة وترتيبات الجهاد المعنوية والمادية وأحكام الحرب والسلم.

         سورة مدنيّة تتحدّث عن أحكام تشريع الجهاد في سبيل الله، وقواعد القتال، والإعداد له، وإيثار السّلم على الحرب إذا جنح لها العدوّ في دياره، وآثار الحرب في الأشخاص (الأسرى) والأموال (الغنائم) ، اى تنظيم لقواعد السّلم والحرب بالنّسبة للمسلمين.

ومناسبتها لسورة الأعراف:

أنها في بيان حال الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلم مع قومه، وسورة الأعراف مبيّنة لأحوال أشهر الرّسل مع أقوامهم.

ما اشتملت عليه هذه السّورة:

تضمّنت سورة الأنفال أحكاما عديدة في الجهاد والغزوات، أهمّها ما يأتي:

1- أمر قسمة الغنائم متروك للرّسول صلّى الله عليه وآله وسلم، والأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله لا إلى غيرهما.

2- إرادة تحقيق النّصر الإلهي للمؤمنين في معركة بدر، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وبيان علّة ذلك الحكم في قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.

3- الإمداد الفعلي بالملائكة للمؤمنين يقاتلون معهم: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ....

ويفهم من هذين الحكمين أن أحكام الله معللة بمراعاة مصالح الناس.

4- النّصر الحقيقي من عند الله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

5- تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، وخطابهم لترسيخ المعلومات ستّ مرات بوصف الإيمان: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في بداية الأمر بكل قاعدة أثناء سرد أحداث بدر، وهي تحريم الفرار من المعركة، وطاعة الله والرّسول، والاستجابة لله وللرسول إذا دعا إلى ما فيه عزّة الحياة والسعادة، وتحريم الخيانة بنقل أسرار الأمة للأعداء، والأمر بالتقوى التي هي أساس الخير كله، والثبات أمام الأعداء، والصبر عند اللقاء، وذكر الله كثيرا. ومن تلك القواعد كراهة مجادلة الرّسول في الحقّ بعد ما تبيّن، أما قبل تبيّن الحق في المصلحة الحربية فالمجادلة محمودة، إذ بها تتمّ المشاورة المطلوبة في القرآن بين المؤمنين ومع الرّسول.

ومن القواعد الحربية الامتناع من التنازع والاختلاف حال القتال:

وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

6- عصمة الرّسول بالهجرة من أذى قريش وتآمرهم على حبسه أو نفيه أو قتله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا....

7- رفع البلاء العام عن الناس قاطبة ما دام الرّسول فيهم: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ.

8- التّوكّل على الله بعد اتّخاذ الأسباب المطلوبة في كلّ شيء، وبخاصة الإعداد للقتال.

9- الظّلم مؤذن بالخراب، ومعجّل بالفناء، ويعمّ أثره الأمّة كلها:

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.

10- إن تغيّر أحوال الأمم من الذّل إلى العزّة، ومن الضّعف إلى القوّة، منوط بتغيير ما في النّفوس من عقائد فاسدة وأخلاق مرذولة.

11- الافتتان بالأموال والأولاد مدعاة للفساد: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ.

12- إعداد مختلف القوى الماديّة والمعنويّة لقتال الأعداء: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.

13- إيثار السّلم على الحرب إذا مال لها العدوّ: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها.

14- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى ولو مسّ ذلك مصلحة بعض المسلمين: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ.

15- وجوب تأديب ناقضي العهد ومعاملتهم بالشّدّة: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ.

16- غاية القتال في الإسلام صون حريّة الدّين ومنع الفتنة في الدّين:

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.

17- المسلمون أمّة واحدة والولاية والتّناصر بينهم واجب، والكافرون أمّة واحدة، ولا ولاية بين المؤمنين والكافرين: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.


9-     سورة التوبة

سبب التسمية: باب التوبة مفتوح للجميع (تكررت كلمة التوبة أكثر من 15 مرة في السورة). (ملاحظة): السورة (تعليق على آخر غزوة للنبي صلّى الله عليه وسلم) تأتي بعد سورة الأنفال (التي كانت تعليقًا على أول غزوة للنبي صلّى الله عليه وسلم) لملاحظة الفروق الاجتماعية التي حدثت بين الغزوتين.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: البلاغ الأخير للبشرية والأحكام النهائية بين الأمة المسلمة وسائر أمم الأرض قبل وداع النبي صلّى الله عليه وسلم مع تصنيف للمجتمع المسلم ذاته.

* يتم ذلك من خلال :

·                      إعلان الشدة على الكفار والمنافقين.

·                      فضح الكفار والمنافقين والدعوة إلى جهادهم وقتالهم دفاعًا عن الدين وأهله.

·                      إبقاء باب التوبة مفتوحًا للجميع.

مناسبتها لما قبلها:

هناك شبه بين سورة براءة وسورة الأنفال قبلها، فهي كالمتممة لها في وضع أصول العلاقات الدولية الخارجية والداخلية، وأحكام السلم والحرب، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمنافقين، وأحكام المعاهدات والمواثيق، إلا أن في الأنفال بيان العهود والوفاء بها وتقديسها، وفي براءة نبذ العهود، وذكر في السورتين صدّ المشركين عن المسجد الحرام، والترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وتفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب وبيان أوضاع المنافقين.

وبالرغم من هذا الشبه الموضوعي في السورتين، وأنهما تدعيان القرينتين، وأنهما نزلتا في القتال، فإنهما في الأصح سورتان مستقلتان، فليست براءة جزءا من الأنفال،

ما اشتملت عليه السورة:

افتتحت السورة بالبراءة من المشركين، ومنحهم مدة أمان أربعة أشهر، ثم إعلان الحرب عليهم بسبب جرائمهم، ثم منعهم من دخول المسجد الحرام إلى الأبد.

ثم مجاهدة أهل الكتاب حتى يؤدوا الجزية أو يسلموا. وتضمنت السورة في قسمها الأول حتى نهاية الآية [41] الحث على الجهاد والنفير العام في سبيل الله بالأموال والأنفس. ثم تحدثت عن أوصاف المنافقين ومخاطرهم في القسم الثاني إلى آخر السورة، وتخلل ذلك الإشارة إلى تخلف الأعراب عن الجهاد، وعدم قبول تخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب عن المشاركة في الجهاد، وختمت السورة بمقارنات واضحة تميز بين المؤمنين والمنافقين، وجعل الجهاد فرض كفاية، وتخصيص فئة أخرى للتفقه في الدين.

فكان محور السورة يدور حول أمرين:

الأول- أحكام جهاد المشركين وأهل الكتاب.

الثاني- تمييز المؤمنين عن المنافقين بصدد غزوة تبوك.

أما أحكام الجهاد فقد مهد لها القرآن الكريم في هذه السورة بنبذ العهود والأمان بالنسبة للمشركين، وإنهاء المعاهدات التي كانت قائمة بين المسلمين وأهل الكتاب لأن كلا من المشركين والكتابيين نقضوا العهود، وتواطأت طوائف اليهود من بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع مع المشركين على محاربة المسلمين ومحاولة القضاء عليهم. وتحدثت حوالي عشرون آية عن أحقاد اليهود ودسائسهم ومؤامراتهم، وخبثهم وكيدهم، فلا عهد ولا أمان، ولا سلم ولا مصالحة بعد انتهاء أمد الأمان، ونقض العهود من غير المسلمين.

وأما الأمر الثاني فكان بسبب استنفار المسلمين لغزو الروم في غزوة تبوك، وقد أوضحت الآيات في القسم الأعظم من هذه السورة نفسيات المسلمين، وظهور عوارض التثاقل والتخلف والتثبيط، ومراوغة المنافقين، ودسائسهم الماكرة، واتخاذهم ما أطلق عليه (مسجد الضرار) الذي نزل بشأنه أربع آيات، وكرا للتآمر والتخريب، وتعريتهم بشكل فاضح، حتى سميت السورة (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين، ولم تدع لهم سترا إلا هتكته.

والخلاصة: كانت هذه السورة سورة الحسم الكامل لأوضاع غير المسلمين، وربما كانت أخطر سورة حشدت جيش الإيمان وأعدته للمعركة الفاصلة النهائية بين المسلمين وغيرهم، سواء في داخل الدولة بتصفية جذور النفاق، والقضاء على مكر اليهود، أو في خارج الدولة بالتصدي لغطرسة الروم في غزوة تبوك التي أرهبتهم، وجمّدت كل تحركاتهم المشبوهة للقضاء على الإسلام والمسلمين.

وكان لهذه التصفية المقدّر والمخطط لها من قبل الله تعالى على الصعيد الداخلي والخارجي الأثر الأكبر في استقرار الدولة الإسلامية، والحفاظ على كيانها الدولي وإظهار هيبتها ومنعة وجودها، بعد انتقال مؤسسها وقائدها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.


10- سورة يونس

سبب التسمية: قوم يونس عليه السلام مثال واضح لقوم اختاروا الحق فأجرى الله عليهم قدره بالنجاة في الدنيا والآخرة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الله سبحانه وتعالى لا يصدر عنه إلا الحق والعدل والحكمة (وما يستلزمه ذلك من إرسال الرسل واختيارهم والحساب في الآخرة على مقتضى ما جاءوا به من عقائد وشرائع) ومن ثم فلا عبث ولا صدفة ولا ظلم ولا جبر بل الإنسان هو الذي يختار مصيره.

* يتم ذلك من خلال :

·                      بيان حقيقة الألوهية والعبودية والعلاقة بينهما.

·                      بيان فطرية التوحيد في الكون وفي النفس البشرية (وما يستلزمه من الرسالة والبعث والحساب والجزاء).

·                      الآيات الكونية والنفسية والواقعية والتاريخية تنفي العبث والصدفة وتؤكد أن الإنسان هو الذي يختار مصيره وأنه ليس مجبرًا عليه. [آية (13)- (17)- (27)- (33)- (44)- (52)- (54)- (98)- وغيرها).

موضوعها:

تتميز بالكلام عن الأهداف الكبرى لرسالة القرآن وهي إثبات التوحيد لله وهدم الشرك، وإثبات النبوة والبعث والمعاد، والدعوة للإيمان بالرسالات السماوية وخاتمتها القرآن العظيم، وهي موضوعات السور المكية عادة.

 

مناسبتها لما قبلها:

ختمت سورة التوبة السابقة بذكر صفات الرسول صلى الله عليه وسلّم، وبدئت هذه السورة بتبديد الشكوك والأوهام نحو إنزال الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلّم، للتبشير والإنذار، وكانت أغلبية آيات السورة المتقدمة في أحوال المنافقين وموقفهم من القرآن، وهذه في أحوال الكفار والمشركين وقولهم في القرآن. فالاتصال بالسورة المتقدمة واضح، فقد ذكرت أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلّم التي تستدعي الإيمان به، ثم ذكر هنا الكتاب الذي أنزل، والنبي الذي أرسل، وأن شأن الضالين التكذيب بالكتب الإلهية.

ويلاحظ أنه لا يشترط وجود تناسب واضح بين السور ولا بين الآيات في ضمن السورة الواحدة، فقد تتعدد الأغراض والانتقال من العقيدة إلى العبادة إلى الأخلاق والأمثال والقصص وأحكام السلوك والمعاملات، وذلك أسلوب خاص بالقرآن لاجتذاب الأنفس حين التلاوة والبعد عن السأم والملل، وقد أصبح هذا الأسلوب هو المرغوب فيه شعبيا كما يظهر في الإقبال على الروايات وأساليب العرض القصصي والتمثيليات، لشد انتباه المشاهدين والقارئين والسامعين، من خلال المفاجآت والاستطرادات وتحليل بعض القضايا الجانبية.

فقد يكون هناك تناسب بين السور، كسور الطواسين وحواميم وسورتي المرسلات والنبأ، وقد يوجد فاصل بينهما كسورتي الهمزة واللهب مع أن موضوعهما واحد.

 

ما اشتملت عليه السورة:

سورة يونس تتحدث عن الرسالات الإلهية، والألوهية وصفات الإله، والنبوة وقصص بعض الأنبياء، وموقف المشركين من القرآن، والبعث والمعاد.

1- بدأت السورة بتقرير سنة الله في خلقه بإرسال رسول لكل أمة، وختم الرسل بالنبي صلى الله عليه وسلّم، مما لا يستدعي عجب المشركين من بعثته: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [2] .

2- ثم تحدثت عن إثبات وجود الإله من طريق آثاره في الكون: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. الآيات. ثم التذكير بمصير الخلائق إليه بالبعث والجزاء: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً.. وانقسام البشر إلى مؤمنين وكفار وجزاء كل منهم. وإنذار الجاحدين بإهلاك الأمم الظالمة:

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ...

3- ثم أوضحت عقائد المشركين وذكرت خمس شبهات لمنكري النبوة والرسالة وناقشتهم نقاشا منطقيا مقنعا، وأثبتت أن القرآن كلام الله ومعجزة النبي الخالدة على مر الزمان: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وأقامت الدليل على كونه من عند الله بتحدي المشركين وهم أمراء البيان وأساطين الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بسورة من مثله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... وذكرت موقف المشركين من القرآن: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ....

4- ثم ذكرت آثار القدرة الإلهية الباهرة التي تدل على عظمة الله وضرورة الإيمان به، لأنه مصدر الحياة والرزق والنعم: قُلْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَقُلْ: أَفَلا تَتَّقُونَ؟!.

5- ثم تناولت بإيجاز للعبرة والعظة وتقرير صدق القرآن قصص بعض الأنبياء، كقصة نوح عليه السّلام في تذكير قومه، وقصة موسى عليه السّلام مع فرعون، واستعانة فرعون بالسحرة لإبطال دعوة موسى، وشأن موسى مع قومه، ودعائه على فرعون، ونجاة بني إسرائيل، وغرق فرعون في البحر، وقصة يونس عليه السّلام مع قومه، فصار المذكور في هذه السورة ثلاث قصص.

6- ختمت السورة بما أشارت إليه في الآية [57] : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهو اتباع رسالة القرآن وشريعة الله، لما فيها من خير وصلاح للإنسان: قُلْ: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ، وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.


11- سورة هود

سبب التسمية: محور السورة وهدفها يتجلى بمنتهى الوضوح والقوة في قصة هود عليه السلام.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الدعوة إلى الحق يجب أن تستمر دون يأس (فاستقم كما أُمرت) ودون تجاوز (ولا تطغوا) ودون تميع (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) بل يجب الالتزام بالحق ومفاصلة أهل الباطل مفاصلة حاسمة وكاملة والاستعانة على ذلك بالصلاة (وأقم الصلاة) والصبر (واصبر) حتى يتحقق وعد الله بنصر المؤمنين وهلاك الكافرين [الآيات (112) – (113) – (114)- (115) آيات محورية في هذا المعنى].

* يتم ذلك من خلال: استعراض لحركة الدعوة في التاريخ البشري كله وعرض لمواقف الرسل الكرام عليهم السلام مع أقوامهم إلى أن يأتي أمر الله.

مناسبتها لما قبلها:

وقد نزلت بعد سورة يونس، وهي منفقة معها في معناها وموضوعها وافتتاحها ب الر واختتامها بوصف الإسلام والقرآن والنبي الذي جاء بالحق من الله، والدعوة إلى الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفصيلها ما أجمل في سورة يونس من أمور الاعتقاد من إثبات الوحي والتوحيد والبعث والمعاد والثواب والعقاب والحساب، وإعجاز القرآن وإحكام آياته، ومحاجّة المشركين في ذلك وتحديهم بالقرآن، وذكر قصص بعض الأنبياء كنوح وإبراهيم وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام.

وتمتاز هذه السورة بما فيها من القوارع والزواجر التي اشتملت عليها قصص هؤلاء الأنبياء، والدعوة الشديدة إلى الاستقامة، مبتدأة بالنبي صلى الله عليه وسلّم، وسئل النبي صلى الله عليه وسلّم عما شيبة من سورة هود، فقال: قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة كسورة يونس أصول الدين العامة وهي التوحيد، والرسالة، والبعث والجزاء، وتوضيح هذه العناصر إجمالا فيما يأتي:

 1- إثبات كون القرآن من عند الله، من طريق إحكام آياته وإتقانها بنظمها نظما رصينا محكما لا نقص فيه ولا خلل، كالبناء المحكم، ثم تفصيلها في الحال دون تراخ، ببيان دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص والتفرقة بين الحق والباطل، ومن طريق إعجاز القرآن وتحديه العرب بأن يأتوا بعشر سورة مثله: أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود 11/ 13] وبعد أن عجزوا عن محاكاته والإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، أعلن الله تعالى إفلاسهم وعجزهم فقال: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود 11/ 14] .

2- توحيد الله: وهو نوعان:

أ- توحيد الألوهية: وهو عبادة الله وحده وعدم عبادة أحد سواه، كما قال تعالى في مطلع هذه السورة: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ.. فعبادة كل من سواه كفر وضلال.

ب- توحيد الربوبية: أي الاعتقاد بأن الله وحده هو الخالق المدبر لهذا الكون، والمتصرف فيه على مقتضى حكمته ونظام سنته. وكان عرب الجاهلية يؤمنون بأن الله هو الرب الخالق: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. [العنكبوت 29/ 61] ولكنهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة. وورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت توحيد الربوبية، مثل المذكور في هذه السورة: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..

[] والخلق: التقدير المحكم الذي تكون فيه الأشياء على مقادير متناسبة، ثم أريد به الإيجاد التقديري.

3- إثبات البعث والجزاء: للإيمان بهما وللترغيب والترهيب، كما في قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [4] وقوله: وَلَئِنْ قُلْتَ: إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [7] .

4- اختبار البشر لمعرفة إحسان أعمالهم: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [7] .

5- الموازنة بين طبع المؤمن والكافر في أحوال الشدة والرخاء، فالمؤمن صابر وقت الشدة، شاكر وقت الرخاء، والكافر فرح فخور حال النعمة، يئوس كفور حال المصيبة [الآيات 9- 11] .

6- استعجال البشر الخير والنفع، والعذاب الذي ينذر به الرسل: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ: ما يَحْبِسُهُ.. [8] وقال تعالى في سورة يونس المتقدمة: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [11] .

7- طبائع البشر مختلفة حتى في قبول الدين إلا من رحم ربك:

وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ.. [118- 119] أي أن لهذا الاختلاف فوائد علمية وعلمية، كما أن فيه مضارّ إذا أدى إلى التفرق في الدين والاختلاف في أصول الحياة والمصالح العامة.

8- إيراد قصص الأنبياء بالتفصيل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم على ما يتعرض له. من أذى قريش وصدودهم عن دعوته: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ.. [120] ، وفي كل قصة عبرة وعظة أيضا للمؤمنين. وقد ذكر الله قصة نوح أب البشر الثاني وأمره له بصناعة الفلك، لنجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق قومه بالطوفان الذي عم الأرض، ونوح أطول الأنبياء عمرا، وأكثرهم بلاء وصبرا [الآيات: 25- 49] وتبين من قصته أن أتباع الرسل عادة هم الفقراء، كما حكى تعالى عن قوم نوح: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [هود 11/ 27] .

ثم ذكر الله تعالى قصة هود الذي سميت السورة باسمه، ودعوته قومه «عاد» الأشداء العتاة المتجبرين إلى عبادة الله تعالى، فاعترفوا بقوتهم وقالوا:

مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية في بحر أسبوع:

سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة 69/ 7] وعبر عن ذلك بأنه عذاب غليظ، بسبب الكفر والجحود بالآيات الإلهية: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.. [الآيات: 50- 60] .

ثم ذكر سبحانه قصة صالح مع قومه ثمود [الآيات: 61- 68] . وأشار إلى قصة ضيوف إبراهيم من الملائكة [الآيتان: 69- 70] ثم قصة «لوط» [الآيات: 70- 83] ثم قصة شعيب [الآيات: 84- 95] ثم قصة موسى مع فرعون [الآيات: 96- 99] .

9- التعقيب المباشر على ما في تلك القصص من عبر وعظات، بإهلاك الظالمين، كما قال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الآيات: 100- 111] .

10- الأمر بالاستقامة في الدين [الآية: 112] وهو أمر ثقيل شديد على النفس، يتطلب جهاد النفس، والصبر على أداء الواجبات، وحمايتها من الموبقات المهلكات.

11- الطغيان سبيل الدمار، والركون إلى الظلم موجب عذاب النار:

وَلا تَطْغَوْا، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [الآية: 113] .

12- الأمر بإقامة الصلاة في أوقاتها ليلا ونهارا لأن الحسنات يذهبن السيئات [الآية: 111] والصبر على الطاعة، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [الآية: 115] .

13- محاربة الفساد في الأرض من أجل حفظ الأمة والأفراد من الهلاك:

فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ [الآية: 116] .

14- لا إهلاك ولا عذاب للأمم في حال الإصلاح [الآية: 117] .

15- تهديد المعرضين عن دعوة الحق بالعذاب، وجعل العاقبة للمتقين.

ويلاحظ أن التهديد والترغيب أمران متلازمان مفيدان في إصلاح الأفراد والجماعات، وبناء الأمة وتحقيق غلبتها على خصومها، لذا اقترنا غالبا في القرآن.

16- ختمت السورة بما بدئت به من الأمر بعبادة الله وحده والاتكال عليه، والتحذير من عقابه: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، ليتناسق البدء مع الختام.


12- سورة يوسف

سبب التسمية: المحن التي مرَّ بها يوسف عليه السلام نماذج للمحن التي يتعرض لها المؤمنون والدعاة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الوعد بالتمكين بعد الابتلاء المبين ، ففى السورة تسلية وتسرية وتلميح بالفرج للنبي صلّى الله عليه وسلم والدعاة من بعده حيث كانت كثير من الظروف تشبه ظروف يوسف عليه السلام من حيث الضيق والشدة.

* يتم ذلك من خلال:

استعراض لقصة يوسف عليه السلام والمحن التي مر بها وذلك لبيان:

·                      أن تدبير الله للأمور يختلف عن النظرة البشرية القاصرة وأن حقيقة الأمور وغاياتها ومقاصدها قد تكون خلاف ظاهر الأحداث.

·                      وأن على الدعاة دائمًا التمسك بالصبر والأمل وعدم اليأس في فترات الشدة؛ وأن عليهم التواضع والإخلاص لله في فترات الرخاء [الآيات (83)- (87) – (90) – (100) آيات محورية في هذا المعنى].

·                      وأن على الدعاة الاقتداء بنجاح يوسف عليه السلام بقدراته البشرية العادية التي سخرها في إطار من الإيمان والتصميم وقوة الإرادة للفوز في الدنيا والآخرة.

مناسبتها لما قبلها:

نزلت هذه السورة بعد سورة هود، وهي مناسبة لها، لما في كلّ من قصص الأنبياء، وإثبات الوحي على النبي صلى الله عليه وسلّم. وقد تكررت قصة كل نبي في أكثر من سورة في القرآن، بأسلوب مختلف، ولمقاصد وأهداف متنوعة، بقصد العظة والاعتبار، إلا قصة يوسف عليه السّلام، فلم تذكر في غير هذه السورة، وإنما ذكرت جميع فصولها بنحو متتابع شامل، للإشارة إلى ما في القرآن من إعجاز، سواء في القصة الكاملة أو في فصل منها، وسواء في حالة الإجمال أو حالة التفصيل والبيان. قال العلماء: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكرّرها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرّر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل  .

 

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة قصة يوسف عليه السّلام، بجميع فصولها المثيرة، المفرحة حينا والمحزنة حينا آخر، فبدأت ببيان منزلته عند أبيه يعقوب وصلته به، ثم علاقته بإخوته (مؤامرتهم عليه، وإلقاؤه في البئر، وبيعه لرئيس شرطة مصر، وشراؤهم الطعام منه في المرة الأولى ومنحهم إياه دون مقابل، ومنعهم شراء الطعام في المرة الثانية إن لم يأتوه بأخيهم (بنيامين) وإبقاء أخيه بنيامين لديه في حيلة مدروسة وسرقة مزعومة، حتى يأتوه بأخيهم لأبيهم، ثم تعريفه نفسه لإخوته) ، ومحنة يوسف وجماله الرائع، وقصة يوسف مع امرأة العزيز، وبراءته المطلقة، يوسف في غياهب السجون يدعو لدينه، بوادر الفرج وتعبير رؤيا الملك، توليته وزيرا للمالية والتجارة ورئاسة الحكم، إبصار يعقوب حين جاء البشير بقميص يوسف، لقاء يوسف في مصر مع أبويه وجميع أسرته.

ثم إيراد العبرة من هذه القصة، وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم، وتسليته، وبشائر الفرج بعد الضيق، والأنس بعد الوحشة، فإن يوسف عليه السّلام انتقل من السجن إلى القصر، وجعل عزيزا في أرض مصر، وكل من صبر على البلاء فلا بد من أن يأتيه الفرج والنصر، وتحذير المشركين من نزول العذاب بهم كما حدث لمن قبلهم، والدروس والأخلاق المستفادة من قصة يوسف عليه السّلام، وأهمها نصر الرسل بعد الاستيئاس.

العبر والعظات المستفادة من قصة يوسف:

يمكن استخلاص عبر كثيرة وعظات عديدة، وأخلاق وفضائل سامية من قصة يوسف عليه السّلام، منها:

- قد تؤدي النقمة إلى النعمة، فقد بدأت قصة يوسف بالأحزان والمفاجآت المدهشة، من الإلقاء به في البئر، ثم بيعه عبدا لرئيس شرطة مصر، ثم كانت محنته الشديدة مع النساء، فزجّ به في غياهب السجون، ثم آل الأمر به إلى أن يصبح حاكم مصر الفعلي.

2- قد توجد ضغائن وأحقاد بين الإخوة ربما تدفع إلى الموت أو الهلاك.

3- كانت نشأة يوسف في بيت النبوة نشأة صالحة، تربى فيها على الأخلاق الكريمة، والخصال الرفيعة، فشب على تلك الأوصاف الكاملة التي ورثها من آبائه وأجداده الأنبياء، وقد أفاده ذلك في مختلف الأحداث الكبرى التي مرا، وانتصر بها على المحن، وجاءه الفرج بعد الشدة، والعز والنصر بعد الذل والانكسار.

4- إن العفة والأمانة والاستقامة مصدر الخير كله، للرجال والنساء، على حدّ سواء، وإن الاستمساك بالدين والفضيلة مصدر الاحترام وحسن السمعة، وإن الحق وإن استتر زمنا لا بدّ من أن يظهر ولو بعد حين.

5- إن مثار الفتنة هو خلوة الرجل بالمرأة، لذا حرمها الإسلام، وحرم سفر المرأة لمسافة قصيرة بغير محرم، ولو بوسائط النقل السريعة الحديثة، لما يطرأ لها من عثرات ومضايقات ملحوظة ومشكلات تصاحب الأسفار، ثبت في الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» .

6- الإيمان بالمبدأ، وصلابة الاعتقاد سبيل لتخطي الصعاب، والترفع عن الدنايا، وذلك هو الذي جعل ليوسف نفسا كريمة، وروحا طاهرة، وعزيمة صماء لا تلين أمام الشهوات والمغريات.

7- الاعتصام بالله عند الشدة، واللجوء إليه عند الضيق، فلم يأبه يوسف عليه السّلام بتوعد امرأة العزيز له بالسجن، وإنما لجأ إلى الله قائلا: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.

8- المحنة لا تثني المؤمن عن واجبه في الدعوة إلى الله تعالى، فإن يوسف عليه السّلام بالرغم من كونه في السجن، انتهز فرصة تأويل رؤيا سجينين معه، فبادر إلى الدعوة إلى التوحيد ودين الله، لعل الموجودين معه يؤمنون بدعوته، وقد أسلم فعلا الملك، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال.

9- الفطنة لاستغلال الأحداث والاتصاف بالإباء والشمم، فلم يبادر يوسف عليه السّلام إلى الخروج من السجن، حتى تعلن براءته، وتظهر طهارته، وشرف نفسه، حتى لا يوصف بأنه مجرم، أودع السجون بجرمه.

10- إظهار فضيلة الصبر، فقد كان يوسف متدرعا بدرع الصبر على الأذى، لاجتياز العقبات والصعاب والمصائب التي تعرّض لها وهي ما ذكر، والصبر مفتاح الفرج، ونصف الإيمان، وطريق تحقيق النصر، وقد نصره الله كما نصر باقي الرسل بعد الاستيئاس. وتوّج نصره بالعفو عن إخوته وكرمه في العفو الذي أصبح مضرب الأمثال، حتى قال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ....

11- أسفرت قصة يوسف عن براءته المطلقة، كبراءة الذئب من دمه، فقد تضافرت شهادات عديدة على براءته، كما ذكر الرازي «1» :

أولها- شهادة رب العالمين: فقد شهد الله تعالى ببراءته عن الذنب بقوله:

كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ شهد تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات، بقوله: لِنَصْرِفَ.. واللام للتأكيد والمبالغة، وقوله: وَالْفَحْشاءَ وقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا وقوله:

الْمُخْلَصِينَ.

وثانيها- شهادة الشيطان ببراءته بقوله: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص 38/ 82] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين، للآية السابقة.

وثالثها- شهادة يوسف عليه السّلام بقوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وقوله: رَبِّ، السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.

ورابعها- شهادة امرأة العزيز: فإنها اعترفت ببراءته وطهارته، فقالت للنسوة: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ وقالت: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.

وخامسها- الشهود من أهل العزيز: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، فَكَذَبَتْ، وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ.. الآية.

وسادسها- شهادة النسوة اللائي قطّعن أيديهن بقولهن: ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.

كل تلك الشهادات قاطعة ببراءة يوسف عليه السّلام، فمن أراد أن يتهمه بالهمّ على السوء- علما بأن الهمّ أمر نفسي لا عقاب عليه- فهو من دعاة السوء، وأهل الجهالة والغباوة، وأدنى من الشيطان الذي شهد كما أوضحنا بطهارة يوسف.

12- أرشدت قصة يوسف إلى أنه لا دافع لقضاء الله تعالى، ولا مانع من قدر الله تعالى، وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ومكرمة، لم يمنعه عنه أحد ولو اجتمع العالم عليه.

13- دلت القصة على أن الحسد سبب للخذلان والخسران.

14- الصبر مفتاح الفرج، فإن يعقوب عليه السّلام لما صبر فاز بمقصوده، وكذلك يوسف عليه السّلام لما صبر فاز كما تقدم بيانه.


13- سورة الرعد

سبب التسمية: ظاهر الرعد خوف ورعب وباطنه تسبيح وخير فلا تنخدعوا بالظواهر وانظروا إلى حقائق الأشياء.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الحق قوي وراسخ وإن لم يظهر أمام الأعين أحيانًا والباطل ضعيف ومهزوم وإن كان ظاهرًا منتفشًا أحيانًا ولكنه في الحقيقة هش ولا قيمة له فإياكم والانخداع بالباطل والركض وراء أوهامه الزائلة.

* يتم ذلك من خلال:

استعراض لمظاهر الحق والقدرة والتدبير في مجالي الكون المحيط والنفس البشرية خاصة الأمر ونقيضه ليعي الناس (الحق) ويتمسكوا به ولا ينخدعوا بنقيضه (الباطل) بل يلفظوه.

مناسبتها لما قبلها:

هناك تناسب بين سورة الرّعد وسورة يوسف في الموضوع والمقاصد ووصف القرآن، أما الموضوع فكلاهما تضمّنتا الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم، وكيف نجّى الله المؤمنين المتّقين وأهلك الكافرين، وأما المقاصد فكلّ من السّورتين لإثبات توحيد الإله ووجوده، ففي سورة يوسف: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. وفي سورة الرّعد: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها.. [2- 4] . قُلْ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ: اللَّهُ [16] ، وفيهما من الأدلّة على وجود الصّانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه ووحدانيته الشيء الكثير، ففي سورة يوسف: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها، وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. وفي سورة الرّعد آيات دالّة على قدرة الله تعالى وألوهيّته مثل الآيات [2- 4] ، والآيات [8- 11] ، والآيات [12- 16] ، والآيتان [30 و33] .

وأما وصف القرآن فختمت به سورة يوسف: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

وبدئت سورة الرّعد بقوله سبحانه: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ، وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ.

 

ما اشتملت عليه السّورة:

تحدثت سورة الرّعد عن مقاصد السّور المدنية التّي تشبه مقاصد السّور المكيّة، وهي التّوحيد وإثبات الرّسالة النّبوية، والبعث والجزاء، والرّد على شبهات المشركين. وأهم ما اشتملت عليه هو ما يأتي:

1- بدئت السّورة بإقامة الأدلّة على وجود الله تعالى ووحدانيته، من خلق السّموات والأرض، والشّمس والقمر، والليل والنّهار، والجبال والأنهار، والزّروع والثّمار المختلفة الطّعوم والرّوائح والألوان، وأن الله تعالى منفرد بالخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والنّفع والضّر.

2- إثبات البعث والجزاء في عالم القيامة، وتقرير إيقاع العذاب بالكفار في الدّنيا.

3- الإخبار عن وجود ملائكة تحفظ الإنسان وتحرسه بأمر الله تعالى.

4- إيراد الأمثال للحقّ والباطل، ولمن يعبد الله وحده ولمن يعبد الأصنام، بالسّيل والزّبد الذي لا فائدة فيه، وبالمعدن المذاب، فيبقي النّقي الصّافي ويطرح الخبث الذي يطفو.

5- تشبيه حال المتّقين أهل السّعادة الصّابرين المقيمي الصّلاة بالبصير، حال العصاة الذين ينقضون العهد والميثاق، ويفسدون في الأرض بالأعمى.

6- البشارة بجنان عدن للمتّقين، والإنذار بالنّار لناقضي العهد المفسدين في الأرض.

7- بيان مهمّة الرّسول وهي الدّعوة إلى عبادة الله وحده، وعدم الشّرك به، وتحذيره من مجاملة المشركين في دعوتهم.

8- الرّسل بشر كغيرهم من النّاس، لهم أزواج وذريّة، وليست المعجزات رهن مشيئتهم، وإنما هي بإذن الله تعالى، ومهمّتهم مقصورة على التّبليغ، أما الجزاء فإلى الله تعالى.

9- إثبات ظاهرة التّغير في الدّنيا، مع ثبوت الأصل العام لمقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.

10- الاعلام بأن الأرض ليست كاملة التّكوير، وإنما هي بيضاوية ناقصة في أحد جوانبها: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها.

11- إحباط مكر الكافرين بأنبيائهم في كلّ زمان.

12- ختمت السّورة بشهادة الله لرسوله صلّى الله عليه وسلّم بالنّبوة والرّسالة، وكذا شهادة المؤمنين من أهل الكتاب بوجود أمارات النّبي صلّى الله عليه وسلّم في كتبهم. وكان في السّورة بيان مدى فرح هؤلاء بما ينزل من القرآن مصدّقا لما عرفوه من الكتب الإلهية.


14- سورة إبراهيم

سبب التسمية: نموذج لمن عاش في نعمة الإيمان (إبراهيم صلّى الله عليه وسلم ) واستشعر هذه النعمة وأدى حق شكرها فزاده الله من فضله.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: أعظم نعمة في الحياة هي نعمة الإيمان وأعظم نقمة هي نقمة الكفر ومقارنة بين أهل الإيمان (النور والشجرة الطيبة) وأهل الكفر (الظلمات والشجرة الخبيثة) في الدنيا والآخرة [آية (1)- آية (5)- آية (24)- آية (25) – آية (26)- آية (27) آيات محورية في هذا المعنى].

* يتم ذلك من خلال:

·                      مقارنة بين أمة الإيمان (الرسل وأتباعهم) وأمة الكفر (المكذبين لهم) ومنهج المواجهة بينهما.

·                      بيان نعمة الله على البشر وزيادتها بالشكر ومواجهة أكثر الناس لها بالكفر.

·                      مآل أهل الإيمان وأهل الكفر في الدنيا والآخرة.

مناسبتها لما قبلها:

هذه السّورة امتداد لما ذكر في سورة الرّعد، وتوضيح لما أجمل فيها، فكلّ منهما تحدّث عن القرآن، ففي سورة الرّعد ذكر تعالى أنه أنزل القرآن حكما عربيا [الآية 37] ، وهنا ذكر حكمة ذلك والغاية من تنزيل القرآن، وهي إخراج الناس من الظّلمات إلى النّور بإذن الله [الآية: 1] .

وكلّ منهما ذكر فيه تفويض إنزال الآيات الكونية إلى الله وبإذنه، فقال تعالى في سورة الرّعد: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [38] ، وهنا ذكر ذلك على لسان الرسل: ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [11] . وفي كليهما ذكرت الآيات الكونية من رفع السّماء بغير عمد ومدّ الأرض وتسخير الشّمس والقمر، وجعل الرّواسي في الأرض، وخلق الثّمرات المختلفة الطّعوم والألوان.

وتعرّضت السّورتان لإثبات البعث، وضرب الأمثال للحقّ والباطل، والكلام على مكر الكفار وكيدهم وعاقبته، والأمر بالتّوكّل على الله تعالى.

 

ما اشتملت عليه هذه السّورة:

اشتملت سورة إبراهيم على ما يأتي:

1- إثبات أصول العقيدة من الإيمان بالله وبالرّسل وبالبعث والجزاء، وإقرار التّوحيد، والتّعريف بالإله الحقّ خالق السّموات والأرض، وبيان الهدف من إنزال القرآن الكريم، وهو إخراج النّاس من الظّلمات إلى النّور، واتّحاد مهمّة الرّسل ودعوتهم في أصول الاعتقاد والفضائل وعبادة الله والإنقاذ من الضّلال.

2- الوعد والوعيد: ذمّ الكافرين ووعيدهم على كفرهم وتهديدهم بالعذاب الشّديد، ووعد المؤمنين على أعمالهم الطّيّبة بالجنان [الآية 2، والآية 23، والآيات 28- 31] .

3- الحديث عن إرسال الرّسل بلغات أقوامهم، لتسهيل البيان والتّفاهم [الآية 4] .

4- تسلية الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ببيان ما حدث للرّسل السّابقين مع أقوامهم: قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، والتّذكير بعقابهم، كما في الآيات [9- 12] ، والآيات [13- 18] .

5- ابتدأ من بين قصص بعض الأنبياء المتقدّمين عليهم السّلام بمحاورة موسى لقومه ودعوته إيّاهم لعبادة الله تعالى [الآيات 5- 8] .

6- دعوات إبراهيم عليه السّلام بعد بناء البيت الحرام لأهل مكة بالأمان والرّزق وتعلّق القلوب بالبيت الحرام، وتجنيبه وذريّته عبادة الأصنام، وشكره ربّه على ما وهبه من الأولاد بعد الكبر، وتوفيقه وذريّته لإقامة الصّلاة، وطلبه المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين [الآيات 35- 41] .

7- بيان مشهد من مشاهد الحوار بين أهل النّار في عالم الآخرة [الآيات 19- 23] .

8- ضرب الأمثال لكلمة الحقّ والإيمان وكلمة الباطل والضّلال بالشّجرة الطّيّبة والشّجرة الخبيثة [الآيات 24- 27] .

9- التّذكير بأهوال القيامة وتهديد الظالمين وبيان ألوان عذابهم [الآيات:

42- 52] .

10- بيان الحكمة من تأخير العذاب ليوم القيامة، وهو ما ختمت به السّورة [الآيتان: 51- 52] .


15- سورة الحجر

سبب التسمية: لا حفظ إلا بحفظ الله فأصحاب الحجر ظنوا أنهم محفوظون بعيدًا عن الله فأهلكهم الله صباحًا (وقت مظنة الأمن) ولم تغن عنهم حصونهم لذلك فهي سورة الحفظ.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: تثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه وكل الدعاة وهم في أشد حالات المعاناة من سخرية أعدائهم وهجومهم واستهزائهم بهم فالله حافظ دينه فلا تضعفوا واستمروا ولا تنبهروا بقوة الأعداء فأنتم محفوظون بحفظ الله.

* يتم ذلك من خلال:

بيان حفظ الله لأهل الحق والمصير المظلم للمكذبين وبيان العلل الحقيقية للمكذبين بالرغم من وضوح آيات الحق ودلائله في الكون والتاريخ والرسالات التي آخرها رسالة القرآن الكريم.

 

مناسبتها لما قبلها:

هناك تناسب بين هذه السورة وسورة إبراهيم في البدء والختام والمضمون، أما البداية: فكلتا السورتين افتتحتا بوصف الكتاب المبين، وأما المضمون: ففي كليهما وصف السموات والأرض، وإيراد جزء من قصة إبراهيم عليه السلام وبعض قصص الرسل السابقين، تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عما تعرض له من أذى قومه بتذكيره بما تعرض له الأنبياء من قبله، ونصرة الله لهم، مع نقاش الكفار والمشركين.

وأما الخاتمة: ففي سورة إبراهيم وصف تعالى أحوال الكفار يوم القيامة بقوله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ثم قال هنا في هذه السورة:

رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين والموحدين قد أخرجوا منها، تمنوا أن لو كانوا في الدنيا مسلمين. هذا مع اختتام آخر سورة إبراهيم بوصف الكتاب: هذا بَلاغٌ.. وافتتاح هذه به تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ وهذا تشابه في الأطراف بداية ونهاية  .

 

ما اشتملت عليه السورة:

تتفق هذه السورة مع بيان أهداف التنزيل المكي وهي إثبات الوحدانية والنبوة والبعث والجزاء، والتذكير بمصارع الطغاة ومكذبي رسل الله الكرام، لذا ابتدأت السورة بالإنذار والتهديد، والتهويل والتوبيخ: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

وتضمنت السورة ما يأتي:

1- مناقشة الكفار والمشركين الذين كذبوا بالرسل وبما أتوا به من آيات، بدءا من أبي البشر الثاني: نوح عليه السلام إلى خاتم النبيين: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [10- 11] .

2- إيراد الأدلة والبراهين على وجود الله تعالى من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان، ومشاهد الرياح اللواقح، والحياة والموت، والحشر والنشر:

وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ.. [16] وَالْأَرْضَ مَدَدْناها.. [19] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [26] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ.. [22] وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ [23] وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [25] وبيان حكمة خلق الموجودات: وهي عبادة الله وإقامة العدل وإرساء دعائم النظام في الحياة.  3- إثبات صدق الوحي على النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ.. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [8- 9] .

4- الإشارة لنظرية ظلمة السماء: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [14- 15] .

5- قصة آدم وإبليس المعبّرة عن الطاعة والرفض، بامتثال الملائكة أمر الله بالسجود لآدم وتعظيمه، وأمر إبليس بالسجود له وعصيانه الأمر: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [29- 31] .

6- وصف حال أهل الشقاوة والنار، وأهل السعادة والتقوى والجنة [42- 48] .

7- تسلية الرسول صلّى الله عليه وسلّم منعا لليأس والقنوط بتذكيره بقصة لوط وشعيب وصالح عليهم السلام مع أقوامهم الذين دمرهم الله [قصة آل لوط: 58- 77] [أصحاب الأيكة: قوم شعيب: 78- 79] [أصحاب الحجر: ثمود: 80- 84] .

8- بيان ما أنعم الله به على نبيه من إنزال القرآن [87] وإهلاك أعدائه المستهزئين [95] وأمره بعدم الافتتان بتمتيع الآخرين بالدنيا، وأمره بالتواضع للمؤمنين [88] والجهر بالدعوة [94] والصبر والتسبيح والعبادة حتى الموت عند مضايقته باستهزاء المشركين [97- 99] .

والخلاصة: تضمنت السورة دلائل التوحيد، وأحوال القيامة، وصفة الأشقياء والسعداء، وبعض قصص الأنبياء، وأفضال الله على نبيه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.


16- سورة النحل

سبب التسمية: النحل أطاع الله فخرج منه عسل فإذا أنتم أطعتم الله خرج كل خير عميم فالعسل شفاء البدن والقرآن شفاء الروح. (ملاحظة) موضعان فقط في القرآن للفظ شفاء: القرآن والعسل.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عرض لنعم الله في كافة المجالات فإياكم أن تستخدموا نعم الله في معصية الله بل الواجب أن تؤدوا حق الشكر لله على هذه النعم.

* يتم ذلك من خلال:

 استعراض لآيات الله في الكون وآلائه ونعمه والتي تستجيش العقل والضمير أمام عظمة الخالق ونعمه الغامرة في مجال هذا الكون الفسيح الشامل [آية (18) آية محورية في هذا المعنى].

رتباطها بالسورة التي قبلها:

إن آخر سورة الحجر شديد الارتباط بأول هذه السورة، فإن قوله تعالى في آخر السورة السابقة: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يدل على إثبات الحشر يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، وكذلك قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يدل على ذكر الموت، وكل من هاتين الآيتين ظاهر المناسبة لقوله هنا في أول السورة: أَتى أَمْرُ اللَّهِ إلا أنه في الحجر أتى بقوله: يَأْتِيَكَ بلفظ المضارع، وهنا أَتى بلفظ الماضي لأن المراد بالماضي هنا: أنه بمنزلة الآتي الواقع، وإن كان منتظرا، لقرب وقوعه وتحقق مجيئه. وكذلك ترتبط هذه السورة بسورة إبراهيم لأنه تعالى ذكر هناك فتنة الميت، وما يحصل عندها من الثبات أو الإضلال، وذكر هنا الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [28، 32] وما يحصل عقب ذلك من النعيم أو العذاب. وذكر أيضا النعيم في سورة إبراهيم، وقال بعده: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [34] وكررت الآية نفسها هنا [18] وذكر هنا أنواع النّعم المختلفة.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة الكلام على أصول العقيدة وهي الألوهية والوحدانية، والبعث والحشر والنشور، فبدأت بإثبات الحشر والبعث واقتراب الساعة ودنوها، معبرا تعالى بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع قطعا، مثل قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء 21/ 1] وقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر 54/ 1] وكل ذلك يدل على أن إخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء لأنه آت لا محالة.

ثم أثبتت الوحي الذي كان ينكره المشركون كما أنكروا البعث، وأنهم كانوا يستعجلون الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن يأتيهم العذاب الذي هددهم به.

ثم تحدثت السورة عن أدلة القدرة الإلهية في هذا الكون الدالة على وحدانية الله من خلق السموات والأرض، وما فيهما من كواكب ونجوم، وجبال وبحار، وسهول ووديان، ومياه وأنهار، ونباتات وحيوانات، وأسماك ولآلئ بحرية وبواخر تجري في البحر، ورياح لواقح ومسيرة للفلك، ودعت إلى التأمل في منافع المطر والأنعام وثمرات النخيل والأعناب، ومهمة النحل، وخلق الإنسان ثم إماتته، والمفاضلة بين الناس في الرزق، وطيران الطيور، وتهيئة المساكن، وغير ذلك.

وأوضحت السورة نعم الله تعالى الكثيرة المتتابعة، وذكّرت الناس بنتيجة الكفر بها، وعدم القيام بشكرها، وإعداد أبواب جهنم للكفار خالدين فيها، وإعداد جنات عدن للمتقين الذين أحسنوا العمل في الدنيا. وأبانت فضل الله سبحانه بإرسال الرسل في كل الأمم، وحصرت مهمتهم الموحدة بالأمر بعبادة الله واجتناب الطاغوت.

وأبانت السورة مهمة خطيرة للأنبياء في عالم القيامة وهي الشهادة على الأمم بإبلاغهم الدعوة الحقة إلى دين الله، وعدم الإذن للكافرين في الكلام، ورفض قبول أعذارهم.

ثم ذكر تعالى أجمع آية في القرآن وهي قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.. [90] وأعقبها بالأمر بالوفاء بالعهود والوعود، وتحريم نقضها، وتعظيم شروطها وبنودها، وعدم اتخاذ الأيمان الداخلة في العهود والمواثيق وسيلة للخداع والمكر.

ثم أمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن، والتصريح بانعدام سلطانه وتأثيره على المؤمنين المتقين المتوكلين على ربهم، وبيان أن سلطانه على المشركين.

وأوضح سبحانه أن هذا القرآن نزل به روح القدس على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، فهو كلام الله، لا كلام بشر عربي أو أعجمي.

وفي السورة ضرب الأمثال لإثبات التوحيد ودحض الشرك والأنداد من دون الله والكفر بأنعم الله، ورفع الحرج عمن نطق بالكفر كرها، وقلبه مطمئن بالإيمان، وإعطاء كل نفس حق الدفاع عن نفسها يوم القيامة، وجزاء كل إنسان بما عمل.

وفي أواخر السورة عقب الحديث عن الأنعام بيان ما حرمه الله منها، وزجر العلماء عن الإفتاء بالتحريم أو بالتحليل دون دليل، ومقارنة ذلك بما حرمه تعالى على اليهود بسبب ظلمهم.

ثم ختمت السورة بمدح إبراهيم بسبب ثباته على التوحيد الخالص، وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم باتباع ملته، ثم أمره بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقصره العقاب على المثل دون تجاوز ذلك، والأمر بالصبر على المصائب والأحزان، والاعتماد على عون الله للمتقين المحسنين.


17- سورة الإسراء

سبب التسمية: إشارة إلى الحادثة التي انتقل فيها الكتاب من بني إسرائيل إلى أمة النبي صلّى الله عليه وسلم التي أصبحت مسئولة عن قيادة البشرية بهذا الكتاب الخاتم (القرآن الكريم) (ملاحظة) هي أكثر سورة يذكر فيها القرآن وأهميته ودوره.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: انتقال الكتاب ومسئوليته من أمة إلى أمة حتى استقر في أمة النبي صلّى الله عليه وسلم فلا أمة أخرى بعدها بل قيامة وحساب فعلى هذه الأمة استشعار قيمة القرآن وقيمة المسؤولية من قراءته وحفظه وتنفيذه والدعوة إليه.

* يتم ذلك من خلال:

 عرض لتاريخ الكتاب وكيف استقرت أمانة حمل مسؤوليته إلى أمة النبي صلّى الله عليه وسلم وبيان توافق القرآن مع الفطرة والعقل ومكارم الأخلاق وبيان احتوائه على كل مقومات حياة الخير والصلاح ثم بيان مصير كل من يتحمل هذه الأمانة والمسؤولية ومن يتخلى عنها في الدنيا والآخرة.

مناسبتها لما قبلها:

يظهر وجه ارتباطها بسورة النحل من عدة نواح:

1- إنه تعالى بعد أن قال في آخر سورة النحل: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ

فسّر في هذه السورة شريعة أهل السبت وشأنهم، وذكر جميع ما شرعه لهم في التوراة،

فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل» .

2- بعد أن أمر الله نبيه صلّى الله عليه وسلم بالصبر على أذى المشركين في ختام سورة النحل بنسبته إلى الكذب والسحر والشعر، سلّاه هنا، وأبان شرفه وسمو منزلته عند ربه بالإسراء، وافتتح السورة بذكره تشريفا له، وتعظيما للمسجد الأقصى الذي أشير إلى قصة تخريبه.

3- في السورتين بيان نعم الله الكثيرة على الإنسان، حتى سميت سورة النحل «سورة النعم» وفصلت هنا أنواع النعم العامة والخاصة، كما في الآيات [9- 12] و [70] .

4- في سورة النحل أبان تعالى أن القرآن العظيم من عنده، لا من عند بشر، وفي هذه السورة ذكر الهدف الجوهري من ذلك القرآن.

5- في سورة النحل ذكر تعالى قواعد الاستفادة من المخلوقات الأرضية، وفي هذه السورة ذكر قواعد الحياة الاجتماعية من بر الأبوين، وإيتاء ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقوقهم من غير تقتير ولا إسراف، وتحريم القتل والزنى وأكل مال اليتيم، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط، وإبطال التقليد من غير علم.

 

ما اشتملت عليه السورة:

1- تضمنت السورة الإخبار عن حدث عظيم ومعجزة لخاتم الأنبياء والمرسلين وهي معجزة الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل، والتي هي دليل باهر على قدرة الله عز وجل، وتكريم إلهي لهذا النبي صلّى الله عليه وسلم.

2- وأخبرت عن قصة بني إسرائيل في حالي الصلاح والفساد، بإعزازهم حال الاستقامة وإمدادهم بالأموال والبنين، وتشردهم في الأرض مرتين بسبب عصيانهم وإفسادهم، وتخريب مسجدهم. ثم عودهم إلى الإفساد باستفزازهم النبي صلّى الله عليه وسلم، وإرادتهم إخراجه من المدينة: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها [76] .

3- وأبانت بعض الأدلة الكونية على قدرة الله وعظمته ووحدانيته، مثل آية وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ.. [12] .

4- وضعت هذه السورة أصول الحياة الاجتماعية القائمة على التحلي بالأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة، وذلك في الآيات: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ... [23- 39] .

5- نددت السورة بنسبة المشركين البنات إلى الله زاعمين أن البنات من الملائكة: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً، إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً [40] ثم أنكرت عليهم وجود آلهة مع الله [41- 44] ثم فندت مزاعمهم بإنكار البعث والنشور [49- 52] [98- 99] وحذرت النبي صلّى الله عليه وسلم من موافقته المشركين في بعض معتقداتهم [73- 76] .

6- أوضحت السورة سبب عدم إنزال الأدلة الحسية الدالة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلم [الآية 59] ، ومدى تعنت المشركين في إنزال آيات اقترحوها غير القرآن من تفجير الأنهار، وجعل مكة حدائق وبساتين، وإسقاط قطع من السماء، والإتيان بوفود الملائكة، وإيجاد بيت من ذهب، والصعود في السماء [الآيات 89- 97] .

7- أنبأت السورة عن قدسية مهمة القرآن وسمو غاياته: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [9] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [82] وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله [88] مما يدل على إعجازه.                                                                                                                                                                 8- أعلنت السورة مبدأ تكريم الإنسان بأمر الملائكة بالسجود له وامتناع إبليس [61- 65] وتكريم بني آدم ورزقهم من الطيبات [70] .

9- عددت أنواعا جليلة من نعم الله على عباده: [12- 17] ثم لوم الإنسان على عدم الشكر: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ.. [83] ومن أخص النعم: هبة الروح والحياة [85] .

10- عقدت مقارنة بين من أراد العاجلة ومن أراد الباقية [18- 21] .

11- ذكرت أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة والتهجد في الليل [78- 79] ودخوله المدينة وخروجه من مكة [80] .

12- أشارت إلى جزء من قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل [101- 104] .

13- أبانت حكمة نزول القرآن منجمّا (مفرقا بحسب الوقائع والحوادث والمناسبات) [105- 106] .

14- ختمت السورة بتنزيه الله عن الشريك والولد، والناصر والمعين، واتصاف الله بالأسماء الحسنى التي أرشدنا إلى الدعاء بها [110- 111] .

والخلاصة: إن السورة اهتمت بترسيخ أصول العقيدة والدين كسائر السور المكية، من إثبات التوحيد، والرسالة والبعث، وإبراز شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلم، وتأييده بالمعجزات الكافية للدلالة على صدقه، وتفنيد شبهات كثيرة للمشركين.


18- سورة الكهف

سبب التسمية: الالتزام بمنهج الله في النجاة من الفتن حوّل الكهف الضيق المظلم المخيف إلى رحمة ونور وسعة وطمأنينة. (ملاحظة) فتنة الدجال لا تخرج عن هذه الفتن الأربع ولذلك أخبر النبي صلّى الله عليه وسلم أن من حفظ أو قرأ العشر الأوائل أو الأواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الفتن الأساسية التي يتعرض لها المؤمنون وكيفية التخلص منها.

1- الفتنة بسبب الدين وبيان العصمة منها وهي الصحبة الصالحة وتذكر الآخرة: [آية (9)- آية (31)].

2- الفتنة بسبب المال والجاه وبيان العصمة منها وهي التدبر لحقيقة الدنيا وتذكر الآخرة: [آية (32)- آية (59)].

3- الفتنة بسبب العلم وبيان العصمة منها وهي التواضع لله عالم الغيب والشهادة: [آية (60)- آية (82)].

4- الفتنة بسبب السلطة وبيان العصمة منها وهي الإخلاص في العمل لله العزيز الجبار: [آية (83) – آية (98)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة وضع هذه السورة بعد سورة الإسراء من نواح: هي افتتاح الإسراء بالتسبيح، وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد، نحو: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الحجر 15/ 98] وفي الحديث: «سبحان الله وبحمده» . كما أن الإسراء اختتمت بالتحميد أيضا، فتشابهت الأطراف أيضا.

ولما أمر اليهود المشركين أن يسألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، أجاب تعالى في آخر سورة بني إسرائيل عن السؤال الأول، وقد أفرد فيها لعدم الجواب عن الروح، ثم أجاب تعالى في سورة الكهف عن السؤالين الآخرين، فناسب اتصالهما ببعضهما. ولما ذكر تعالى في الإسراء: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [85] ناسب ذكر قصة موسى مع العبد الصالح الخضر، كالدليل على ما تقدم. وقد ورد في الحديث: أنه لما نزل: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قال اليهود: قد أوتينا التوراة فيها علم كل شيء، فنزل: قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ ... [109] .

ولما قال تعالى في الإسراء: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً [104] أعقبه في سورة الكهف بالتفصيل والبيان بقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي، جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا إلى قوله: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً [98- 100] «1» .

والخلاصة: أنه تعالى لما قال في آخر الإسراء: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وذكر المؤمنين به أهل العلم، وأنه يزيدهم خشوعا، وأنه تعالى أمر بالحمد له وأنه لم يتخذ ولدا، أمره تعالى بحمده على إنزال هذا الكتاب السالم من العوج، القيم على كل الكتب، المنذر من اتخذ ولدا، المبشر المؤمنين بالأجر الحسن.

ثم استطرد إلى حديث كفار قريش، والتفت من الخطاب في قوله:

وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً إلى الغيبة في قوله: عَلى عَبْدِهِ لما في عبده من الإضافة المقتضية تشريفه.

ما اشتملت عليه السورة:

استهلت السورة ببيان وصف القرآن بأنه قيم مستقيم لا اختلاف فيه ولا تناقض في لفظه ومعناه، وأنه جاء للتبشير والإنذار.

ثم لفتت النظر إلى ما في الأرض من زينة وجمال وعجائب تدل دلالة واضحة على قدرة الله تعالى. وتحدثت السورة عن ثلاث قصص من روائع قصص القرآن وهي قصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين. أما قصة أصحاب الكهف [9- 26] فهي مثل عال، ورمز سام للتضحية بالوطن والأهل والأقارب والأصدقاء والأموال في سبيل العقيدة، فقد فرّ هؤلاء الشباب الفتية المؤمنون بدينهم من بطش الملك الوثني، واحتموا في غار في الجبل، فأنامهم الله ثلاث مائة وتسع سنين قمرية، ثم بعثهم ليقيم دليلا حسيا للناس على قدرته على البعث.

واتبع الله تعالى تلك القصة بأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتواضع ومجالسة الفقراء المؤمنين وعدم الفرار منهم إلى مجالسة الأغنياء لدعوتهم إلى الدين: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.. [28] .

ثم هدد الله تعالى الكفار بعد إظهار الحق، وذكر ما أعده لهم من العذاب الشديد في الآخرة: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.. [29] وقارن ذلك بما أعده سبحانه من جنات عدن للمؤمنين الصالحين [30- 31] .

وأما قصة موسى مع الخضر في الآيات [60- 78] فكانت مثلا للعلماء في التواضع أثناء طلب العلم، وأنه قد يكون عند العبد الصالح من العلوم في غير أصول الدين وفروعه ما ليس عند الأنبياء، بدليل قصة خرق السفينة، وحادثة قتل الغلام، وبناء الجدار.

وأما قصة ذي القرنين في الآيات [83- 99] فهي عبرة للحكام والسلاطين، إذ أن هذا الملك تمكن من السيطرة على العالم، ومشرق الأرض ومغربها، وبنائه السد العظيم بسبب ما اتصف به من التقوى والعدل والصلاح.

وتخللت هذه القصص أمثلة ثلاثة بارزة رائعة مستمدة من الواقع، لإظهار أن الحق لا يقترن بالسلطة والغنى، وإنما يرتبط بالإيمان، وأول هذه الأمثلة:

قصة أصحاب الجنتين [32- 44] للمقارنة بين الغني المغتر بماله، والفقير المعتز بإيمانه، لبيان حال فقراء المؤمنين وحال أغنياء المشركين.

وثانيها: مثل الحياة الدنيا [45- 46] لإنذار الناس بفنائها وزوالها. وأردف ذلك بإيراد بعض مشاهد القيامة الرهيبة من تسيير الجبال، وحشر الناس في صعيد واحد، ومفاجأة الناس بضائف أعمالهم [47- 49] .

وثالثها: قصة إبليس وإبائه السجود لآدم [50- 53] للموازنة بين التكبر والغرور، وما أدى إليه من طرد وحرمان وتحذير الناس من شر الشيطان، وبين العبودية لله والتواضع، وما حقق من رضوان الله تعالى.

وأردف ذلك بيان عناية القرآن بضرب الأمثال للناس للعظة والذكرى، وإيضاح مهام الرسل للتبشير والإنذار، والتحذير من الإعراض عن آيات الله [54- 57] .

وأن سياسة التشريع اقتران الرحمة بالعدل، فليست الرحمة فوق العدل ولا العدل فوق الرحمة: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [58- 59] .

وختمت السورة بموضوعات ثلاثة: أولها- إعلان تبديد أعمال الكفار وضياع ثمرتها في الآخرة [100- 106] وثانيها- تبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات بالنعيم الأبدي الأخروي [107- 108] وثالثها- أن علم الله تعالى لا يحده حد ولا نهاية له [109- 110] .


 

19- سورة مريم

سبب التسمية: مثال للأم الصالحة التي ربت ابنها على تحمل أمانة هذا الدين وورثته هذه الأمانة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: توجيه للآباء والأمهات إلى الاهتمام بتوريث أبنائهم أمانة هذا الدين فهو يحتاج إلى آباء صالحين وأمهات صالحات يربون أولادهم على أن يرثوا أمانة حمل مسؤولية هذا الدين والمحافظة عليه فيأخذونه بقوة وينشرونه في الآفاق.

* يتم ذلك من خلال:

عرض قصص الصالحين والصالحات الذين حرصوا على تربية أبنائهم على حمل أمانة الدين وذلك في أسلوب رقيق وظل غالب من الرحمة والرضى والاتصال.

مناسبتها لما قبلها:

اشتملت السورتان على قصص عجيبة، فسورة الكهف اشتملت على قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة، بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من المثيرات، وقصة ذي القرنين.

وسورة مريم فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا عليه السلام حال كبر الوالد وعقم الوالدة أي بين شيخ فان وعجوز عاقر، وقصة ولادة عيسى عليه السلام من غير أب.

 

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع السورة كسائر السور المكية هو إثبات وجود الله ووحدانيته، وإثبات البعث والجزاء من خلال إيراد قصص جماعة من الأنبياء، على النحو التالي:

1- افتتحت السورة بقصة ولادة يحيى بن زكريا عليهما السلام، من أب شيخ كبير وأم عاقر لا تلد، ولكن بقدرة الله القادر على كل شيء، خلافا للمعتاد، وإجابة لدعاء الوالد الصالح، وأعقبه الخبر بإيتاء يحيي النبوة في حال الصبا، الآيات [1- 15] .

2- أردف ذلك قصة ولادة عيسى من مريم العذراء، من غير أب، لتكون دليلا آخر على القدرة الربانية. وقد أثار ذلك موجة من النقد واللوم والتعنيف، خفف منها كلام عيسى وهو طفل في المهد، تبرئة لأمه، ووصف نفسه بصفات النبوة والكمال.

واقترن المخاض بحدثين غريبين: هما نداء عيسى أمه حين الولادة بألا تحزن، فقد جعل الله عندها نهرا، وأمرها بهز النخل أخذا بالأسباب لإسقاط الرطب، الآيات [16- 36] .

وأحدثت هذه الولادة اختلافا بين النصارى في شأن عيسى، الآيات [37- 40] .

3- انتقلت الآيات بعدئذ إلى بيان جانب من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام، ومناقشته أباه في عبادة الأصنام، وإكرام الله له بهبته- وهو كبير، وامرأته سارّة عاقر- ولدا هو إسحاق ومن بعده ابنه يعقوب وجعلهما نبيين، كما حدث فعلا من ولادة إسماعيل قبل ذلك، وإبراهيم شيخ كبير بعد دخوله على زوجته هاجر، الآيات [41- 50] .

4- ثم تحدثت السورة عن قصة موسى ومناجاته ربه في الطور، وجعل أخيه هارون نبيا، الآيات [51- 53] .

5- ثم أشارت إلى قصص إسماعيل الموصوف بصدق الوعد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإدريس الصدّيق النبي، وما أنعم الله به على أولئك الأنبياء من ذرية آدم لإثبات وحدة الرسالة بدعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك الآيات [54- 58] . وما سبق كله يشمل حوالي ثلثي السورة.

6- قورن الخلف بالسلف، وبان الفرق بأن الخلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، وجدد الوعد بجنات عدن لمن تاب وعمل صالحا [59- 63] .

7- ناسب ذلك الكلام عن الوحي، وأن جبريل لا ينزل بالوحي إلا بإذن ربه، الآيات [64- 65] .

8- ناقش الله المشركين الذين أنكروا البعث، وأخبر بحشر الكافرين مع الشياطين، وإحضارهم جثيا حول جهنم، وبأن جميع الخلق ترد على النار [66- 72] .

9- أبان الله تعالى موقف المشركين حين سماع القرآن من المؤمنين بأنهم خير منهم مجلسا ومجتمعا. وهددهم بأنه أهلك كثيرا من الأمم السابقة بسبب عتوهم واستكبارهم، وأنه يمدّ للظالمين ويمهلهم، ويزيد الهداية للمهتدين، وأن معبودات المشركين ستكون أعداء لهم [73- 84] وذلك كله لتنزيه الله عن الولد والشريك.

10- التمييز بين حشر وفد المتقين إلى الجنان، وسوق المجرمين إلى النيران [85- 87] .

11- التنديد بمن ادعى الولد لله، والرضا عن المؤمنين الصالحين، وأن القرآن لتبشير المتقين وإنذار الكافرين المعاندين [88- 98] .


20- سورة طه

* محور السورة وموضوعها الأساسي: منهج الله منهج للسعادة لا منهج شقاء بالرغم من الصعوبات بل الشقاء في ترك منهج الله في الدنيا والآخرة فلا تخف من التدين بمنهج الله ولا تتوهم التعب والشدة والضيق والحرمان فكل صعوبة على الطريق ترافقها رحمة واسعة وسعادة غامرة ورضى عميق.

* يتم ذلك من خلال: عرض لقصة المواجهة بين موسى عليه السلام وفرعون يتبين من خلالها وبالرغم من صعوبتها من هو السعيد ومن هو الشقي في الحقيقة.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه هي:

أولا- أن طه نزلت بعد سورة مريم، كما روي عن ابن عباس.

ثانيا- أنه ذكر في سورة مريم قصص عدد من الأنبياء والمرسلين (عشرة) مثل زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم، وموسى الذي ذكرت قصته موجزة مجملة، فذكرت في هذه السورة موضحة مفصلة، كما وضحت قصة آدم عليه السلام الذي لم يذكر في سورة مريم إلا مجرد اسمه فقط.

ثالثا- أنه ذكر في آخر سورة مريم تيسير القرآن باللسان العربي، لسان محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم للتبشير والإنذار، وابتدئ ذكر هذه السورة بتأكيد هذا المعنى .

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كموضوعات سائر السور المكية وهو إثبات أصول الدين من التوحيد والنبوة والبعث. وكانت بداية السورة ذات إيحاء وتأثير عجيب، من خلال الحديث عن سلطان الله وعظمته وقدرته وشمول علمه، وقد أدرك هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تلاوتها في بداية إسلامه، كما هو معروف في قصة إسلامه.

وتضمنت السورة ما يأتي:

1- القرآن الكريم تذكرة لمن يخشى رب الأرض والسموات العلى، وتثبيت لشخصية النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في قيامه بواجب الدعوة والتبليغ، والإنذار والتبشير، وعدم الالتفات لمكائد المشركين [الآيات: 1- 8] .

2- البيان الجلي لقصة موسى وتكليم الله له، وإلقائه صغيرا في اليم في صندوق، وإرساله مع أخيه هارون إلى فرعون الطاغية الجبار، وجداله بالحسنى لإثبات ربوبية الله وحده، ومبارزته السحرة، وتأييد الله له وانتصاره المؤزر، وإيمان السحرة بدعوته، ومعجزة انفلاق البحر وعبور بني إسرائيل فيه، وإهلاك فرعون وجنوده، وكفران بني إسرائيل بنعم الله الكثيرة عليهم، وحديث السامري وإضلاله بني إسرائيل باتخاذ العجل إلها لهم، وغضب موسى من أخيه هارون، الآيات [9- 98] .

3- الإشارة لفائدة القصص القرآني، وتوضيح جزاء من أعرض عن القرآن [99- 101] .

4- بيان حالة الحشر الرهيبة، وإبادة الجبال، وأوصاف المجرمين يوم القيامة، والحساب العادل [102- 112] .

5- عربية القرآن ووعيده وعصمة رسوله من نسيانه [113- 114] .

6- إيراد قصة آدم عليه السلام مع إبليس في الجنة [115- 122] .

7- تأكيد بيان الجزاء في الدنيا والآخرة لمن أعرض عن القرآن، بالعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة عن الحجة المنقذة من العذاب [124- 127] .

8- العظة والاعتبار بهلاك الأمم السابقة وتأخير عذاب المشركين إلى يوم القيامة [128- 129] .

9- توجيهات ربانية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمته في الصبر على الأذى، وتنزيه الله تعالى في الليل والنهار، وعدم الافتتان بزهرة الحياة الدنيا لدى الآخرين، وأمر الأهل بإقامة الصلاة ومتابعة التنفيذ [130- 132] .

10- طلب المشركين إنزال آيات مادية من الله، وإعذارهم بعد إرسال الرسول وإنزال القرآن، ثم وعيدهم بالعذاب المنتظر يوم القيامة [133- 135]


21- سورة الأنبياء

سبب التسمية: وجوب اتخاذ الأنبياء عليهم السلام قدوة فطريقهم واحد ومنهجهم واحد سواءً في عبوديتهم لله عز وجل أو في منهج دعوتهم لأقوامهم.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عرض لدور الأنبياء عليهم السلام في تذكرة البشرية الغافلة عن الحق وإيقاظ القلوب اللاهية إلى جانب عبوديتهم عليهم السلام الخالصة لله فعليك أيها المؤمن الاقتداء بهم عليهم السلام في الدورين (عبودية خالصة لله + دعوة للغافلين) حتى تكون من عباد الله الصالحين الذين يرثون الخير في الدنيا والآخرة.

* يتم ذلك من خلال :

·                      عرض للحقائق الكبرى عن التوحيد والبعث والرسالة والتي جاء بها الأنبياء عليهم السلام.

·                      وبيان أنهم عليهم السلام القدوة في جانبي العبودية والدعوة.

·                      وبيان انقسام الناس دائمًا إلى:

(1) مؤمنين أتقياء.                                (2) وكافرين فجار.         

(3) وغافلين وهم الهدف العريض للدعوة.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من ناحيتين:

الأولى:

الإشارة إلى قرب الأجل المسمى للعذاب، ودنو الأمل المنتظر، فقال تعالى في آخر سورة طه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ثم قال: قُلْ: كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا وقال تعالى في مطلع هذه السورة:

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ.

    والثانية:

التحذير من الاغترار بالدنيا، والعمل للآخرة، فقال تعالى في آخر سورة طه: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا..

فإن قرب الساعة يقتض الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا لدنوها من الزوال والفناء، وختمت سورة الأنبياء بمثل ما بدئت به السورة المتقدمة، فأبان الله تعالى أنه بالرغم من قرب الساعة والحساب، فإن الناس غافلون عنها، ولاهون عن القرآن والاستماع إليه.

مشتملاتها:

موضوع السورة بيان أصول العقيدة الإسلامية ومبادئها وهي التوحيد، والرسالة النبوية، والبعث والجزاء، وقد بدأت بوصف أهوال القيامة، ثم ذكرت قصص جملة من الأنبياء الكرام عليهم السلام، كما تقدم.

كانت البداية مرهبة مرعبة، منذرة محذّرة بقرب قيام الساعة، والناس لاهون غافلون عنها وعن خطورة الحساب والعقاب، معرضون عن سماع القرآن، مفتونون بلذائذ الحياة الدنيا. ثم أوضحت السبب في إنكار المشركين في مكة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم وهو أنه بشر مثلهم، وعجزه عن الإتيان بآيات فذة ومعجزات باهرة مادية، كما أتى بها الأنبياء السابقون مثل موسى وعيسى، فرد القرآن عليهم بأن الأنبياء جميعا كانوا بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ثم أنذرهم بالإهلاك، كما أهلك بعض الأمم المتقدمة لتكذيبهم رسلهم، ولفت أنظارهم إلى عظمة خلق السموات والأرض، وإلى أن الملائكة طائعون لله، منقادون لأمره، ينفّذون ما أمروا به من التعذيب بسرعة لا تعرف التردد والانتظار، ونعى على من ادعى أنهم بنات الله تعالى.

ثم ناقشهم القرآن في اتخاذهم آلهة من دون الله، وطالبهم بالدليل على ادعائهم، وأقام البرهان على وحدانية الله إذ لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لفسدتا، ووصف النشأة الأولى للسموات والأرض، وأنهما كانتا رتقا ففصلتا، وأبان أن الجبال أوتاد للأرض حتى لا تميد بأهلها، وأن الله تعالى خالق الليل والنهار والشمس والقمر، ثم تكون النهاية الموت والفناء لكل شيء، حتى للملائكة والأنبياء، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وأوضح أن استعجال الكافرين العذاب غباء وطلب في غير محله فإن العذاب قريب، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنها تأتيهم بغتة فتبهتهم، وأن موازين الحساب دقيقة وفي أتم عدل، فلا يبخس أحد شيئا من حقه، ولا يظلم إنسان مثقال حبة من خردل.

وتحقيقا لهاتيك الغايات وتأكيدا عليها، جاءت الأمثال الواقعية تنذر وتذكّر، من خلال إيراد قصص بعض الأنبياء كموسى وهارون، وإبراهيم ولوط، وإسحاق ويعقوب، ونوح، وداود وسليمان، وأيوب وإسماعيل، وإدريس وذي الكفل، ويونس وزكريا ويحيى، وعيسى عليهم السلام.

وأثبت القرآن عقب ذلك وحدة مهام الأنبياء وهي الدعوة إلى عبادة الله، وتطمين المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن، وأن الأمم المعذبة في الدنيا سترجع حتما إلى الله في الدار الآخرة لعذاب آخر. ومن علائم الساعة انفتاح سد يأجوج ومأجوج.

وفي القيامة عذاب شديد، وأهوال شديدة يلقاها الكفار، وأنهم مع أصنامهم حطب جهنم، وفيها تتبدل الأرض غير الأرض وتطوى السموات كطي الكتب، ويحظى الصالحون بالنعيم الأبدي، ويرث الأرض من هو أصلح لعمارتها.

وختمت السورة ببيان كون النبي صلّى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأنه أوحي إليه بأن الإله واحد لا شريك له، وأنه يجب الانقياد لحكمه، وأنه ينذر الناس بعذاب قريب وأن مجيء الساعة واقع محتم، وأن الإمهال به وتأخير العقوبة امتحان واختبار، وأن الله يحكم بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبين أعدائه المشركين، وأنه المستعان على افتراءاتهم واتهاماتهم .


22- سورة الحج

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الحج شعيرة تبني أمة مجاهدة عميقة الإيمان بالعبودية لله سبحانه وتعالى وبالبعث والحساب وبالوحدة بين الأمة لا فرق بين الأجناس والأعراق.

*يتم ذلك من خلال: استعراض لكل هذه المعاني وربطها بهذه الشعيرة الجامعة:

·                      الحج يذكر الناس بيوم القيامة: النزول من عرفة = شمس – حر وعرق- عطش- زحام وبشر- إرهاق- دعاء.

·                      الحج يذكر بالبعث والنشور والخروج من القبور: المزدلفة = ملايين نائمون كالجثث- هبة مفاجئة عند آذان الفجر للصلاة ورمي الجمرات في ملابس تشبه الأكفان.

·                      الحج يذكر بالجهاد: الارتحال من مكان لمكان في ملبس خشن- تنازل عن كثير من العادات- مساواة كاملة = معسكر تدريبـي لملايين المسلمين على الجهاد.

·                      الحج يذكر بالعبودية والخشوع لله = يوم عرفة = البكاء واللجوء لله والدعاء يردده الكون كله مع الحجيج.

·                     الحج يذكر بالوحدة بين الأمة والمساواة الكاملة بين المسلمين لا فرق بين جنس أو عرق أو لون أو مستوى اجتماعي أو اقتصادي.

صلتها بما قبلها:

هناك تناسب وارتباط بين بداية هذه السورة، وخاتمة السورة السابقة، فقد ختم الله سورة الأنبياء ببيان اقتراب الساعة ووصف أهوالها في قوله:

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا وافتتح هذه السورة بقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ.

وفي السورة المتقدمة بيان قصص أكثر من عشرة من الأنبياء تدور على ما قاموا به من إثبات توحيد الله، ونبذ الشرك، والإيمان بالبعث، وفي هذه السورة استدلال بخلق الإنسان بأطواره المتعددة وبإبداع السموات والأرض على قدرة الله على إحياء البشر للبعث، وعلى وجوده تعالى ووحدانيته، ثم تنبيه الأفكار على الالتفات لأحوال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، والاتعاظ بها بسبب تكذيبهم الرسل.

     مشتملاتها:

بالرغم من أن هذه السورة مدنية تضمنت الكلام عن فرضية الحج ومناسكه، وعن مشروعية القتال ومقومات النصر، فإنها تحدثت عن أمور مشابهة لموضوعات السور المكية من الإيمان بالله عزّ وجلّ وتوحيده، والبعث والاستدلال عليه، والجزاء على الأعمال.

افتتحت السورة بما يهز المشاعر، وينشر الرعب والخوف من أهوال الساعة، وشدائد يوم القيامة.

ثم انتقلت إلى بيان أدلة البعث، وإتيان القيامة، وبيان بعض مشاهدها من جعل الأبرار في دار النعيم، وزجّ الكفار في نار الجحيم، وإعلان خسارة المنافقين المضطربين الذين لا يعرف لهم قرار ولا اتجاه. ثم أبانت حرمة المسجد الحرام، وفرضية الحج ومنافعه، وحرماته وشعائره، ومناسكه وذبائحه، وأردفت ذلك بالحديث المقنع عن أسباب فرضية القتال، ومقومات النصر على الأعداء، مع تسلية الرسول صلّى الله عليه وسلم عما ناله من أذى قومه، وتكذيبهم له، والتعريف بحال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، وجعل العاقبة للمتقين، وتحديد مهمة النبي صلّى الله عليه وسلم وهي الإنذار مكذبي القرآن بالنار، وتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة والنعيم، وإظهار مدى فضل الله على المهاجرين وإثابتهم.

واقتضت الحكمة بعدئذ الكلام عن أدلة القدرة الإلهية من خلق الليل والنهار، والسماء والأرض، والإحياء والإماتة، والعلم الشامل لجميع مكنونات الكون، وتفرد الله تعالى بالحساب والفصل والحكم بين الناس. ثم بيان مدى تبرم الكفار بآيات الله، وإظهار الغضب على وجوههم، وتحديهم بأن معبوداتهم من الأصنام وغيرها لا تستطيع خلق ذبابة، فضلا عن خلق الإنسان، وأن منشأ شركهم إقفار قلوبهم من تقدير الله حق قدره، علما بأن الله يرسل رسلا من الملائكة ومن البشر لتبليغ الرسالة الإلهية على أتم وجه.

ثم عاد الكلام إلى بيان أحكام التشريع من أمر المؤمنين بفرائض جوهرية ثلاث: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيل الله حق الجهاد، وأردف ذلك بالتذكير بسماحة الإسلام، وأن الدين يسر لا عسر، ثم أمرهم بالاعتصام بدين الله والقرآن والإسلام، وبيان أن الرسول شهيد على أمته يوم القيامة، وأن أمته تشهد على الأمم المتقدمة بتبليغ أنبيائهم لهم دعوة الله وتشريعه، وتلك مزية سامية لهذه الأمة.


23- سورة المؤمنون

سبب التسمية: [سورة (المؤمنون) وسورة (المعارج)] تعرضان الصفات العبادية للدعاة .

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عرض لصفات المؤمنين حتى يعرض الإنسان نفسه عليها ويعرف مقامه منها مع عرض لمصير المخالفين لهذه الصفات.

* يتم ذلك من خلال :

·                      عرض لحقيقة الإيمان ودلائله في الأنفس والآفاق.

·                      وعرض لصفات المؤمنين وعاقبتهم والكافرين وعاقبتهم .

مناسبة السورة لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بسورة الحج من نواح هي:

1- ختمت سورة الحج بجملة من الأوامر الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، منها قوله تعالى: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهو مجمل فصّل في فاتحة هذه السورة، فذكر تعالى خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الآيات العشر.

2- ذكر في أول سورة الحج قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ، فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ الآية لإثبات البعث والنشور، ثم زاد هنا بيانا ضافيا في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ

الآيات. فما أجمل أو أوجز هناك، فصل وأطنب هنا.

3- في كل من السورتين أدلة على وجود الخالق ووحدانيته.

4- في السورتين أيضا ذكرت قصص بعض الأنبياء المتقدمين للعبرة والعظة، في كل زمن وعصر ولكل فرد وجيل.

 

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت السورة الكلام عن أصول الدين من وجود الخالق وتوحيده وإثبات الرسالة والبعث.

وابتدأت بالإشادة بخصال المؤمنين المصدقين بالله ورسوله التي استحقوا بها ميراث الفردوس الأعلى في الجنان.

ثم أبانت الأدلة على وجود الله تعالى والقدرة الإلهية والوحدانية من خلق الإنسان مرورا بأطواره المتعددة، وخلق السموات البديعة، وإنزال الماء منها لإنبات الجنات أو البساتين التي تزهو بالنخيل والأعناب، والزيتون والرمان، والفواكه الكثيرة، وإيجاد الأنعام ذات المنافع العديدة للإنسان، وتسخير السفن لحمل الركاب والبضائع.

ثم أوردت قصص بعض الأنبياء والمرسلين كنوح وهود وموسى وهارون وعيسى وأمه مريم، لتكون نماذج للعبرة والعظة عبر الأجيال، وتسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى المشركين من قريش، مع توبيخهم ووعيدهم على استكبارهم عن الحق، ووصفهم النبي صلّى الله عليه وسلم بالجنون وغيره، وعدم إيمانهم برسالته، وإخبارهم بما يلقونه من العذاب والنكال يوم القيامة، وإقناعهم بالأدلة والبراهين على حدوث البعث والنشور.

وفي خلال ذلك أوضحت بعض الآيات يسر التكليف وسماحته وعدم المطالبة إلا بما فيه الوسع والقدرة، والتذكير بما أنعم الله به على الإنسان من نعم الحواس والمشاعر، والإنكار الشديد على نسبة الولد والشريك لله تعالى.

ثم طمأنت الآيات النبي صلّى الله عليه وسلم عن نجاته من القوم الظالمين، ووضعت له أسلوب الدعوة إلى الله تعالى، وعرفته طريق الاعتصام بالله من همزات الشياطين.

وعرضت السورة في خاتمتها لموقف الحساب الرهيب وأهواله وشدائده، وما فيه من معايير النجاة والخسران، من ثقل الموازين وخفتها، وقسمة الناس إلى فريقين: سعداء وأشقياء، وعدم إفادة الأنساب في شيء، وتمني الكفار العودة لدار الدنيا ليعملوا صالحا، وتذكيرهم بسخريتهم وضحكهم من المؤمنين، وسؤالهم عن مدة لبثهم في الدنيا، وتوبيخهم على إنكار البعث، وإعلان تفرد الإله الملك القاهر بالحساب ومحاورته أهل النار، وبيان خسارة من عبد مع الله إلها آخر، ونجاة أهل الإيمان والعمل الصالح، وإفاضة رحمة الله عليهم ومغفرته لهم.


24- سورة النور

تسميتها:

 تطبيق ما جاء في السورة من ضوابط وآداب ينور المجتمع والبيوت والقلوب وإلا فظلمات بعضها فوق بعض فالنور كاشف مبين كشف حقيقة الإفك وطالب بالشهود كبينة شرعية. (ملاحظة) كلمة آيات مبينات ذكرت في السورة عدة مرات.سميت سورة النور لتنويرها طريق الحياة الاجتماعية للناس، ببيان الآداب والفضائل، وتشريع الأحكام والقواعد، ولتضمنها الآية المشرقة وهي قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [35] أي منورهما، فبنوره أضاءت السموات والأرض، وبنوره اهتدى الحيارى والضالون إلى طريقهم.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تدور حول محور التربية الأخلاقية ابتداءً من الوجدان وانتهاءً بالحدود فهي سورة الآداب الاجتماعية وكيفية المحافظة عليها خارج وداخل جدران البيوت فهي سورة لحماية الأعراض والنساء من خلال وضع ضوابط للبيوت والمجتمع.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لسورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ من وجهين:

الأول- أنه تعالى لما قال في مطلع سورة المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ذكر هنا أحكام من لم يحفظ فرجه من الزناة، وما اتصل بذلك من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض البصر الذي هو داعية الزنى، والاستئذان الذي جعل من أجل النظر، وأمر بالتزويج حفظا للفروج، وأمر من عجز عن مؤن الزواج بالاستعفاف وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنى.

الثاني- بعد أن ذكر الله تعالى في سورة المؤمنين المبدأ العام في مسألة الخلق، وهو أنه لم يخلق الخلق عبثا، بل للتكليف بالأمر والنهي، ذكر هنا طائفة من الأوامر والنواهي في أشياء تعد مزلقة للعصيان والانحراف والضلال.

     مشتملاتها:

اشتملت هذه السورة على أحكام مهمة تتعلق بالأسرة، من أجل بنائها على أرسخ الدعائم، وصونها من المخاطر والعواصف، والتركيز على تماسكها وتنظيمها، وحمايتها من الانهيار والدمار.

فكان مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والسّتر.

لقد بدأت ببيان حد الزنى، وحد قذف المحصنات، وحكم اللعان عند الاتهام بالفاحشة أو لنفي نسب الولد، من أجل تطهير المجتمع من الانحلال والفساد واختلاط الأنساب، وبعدا عن هدم حرمة الأعراض، وصون الأمة من التردي في حمأة الإباحية والفوضى.

ثم ذكرت قصة الإفك المبنية على سوء الظن والتسرع بالاتهام لتبرئة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومحاربة شيوع الفاحشة، وترديد الإشاعات المغرضة التي تهدم صرح الأمة، وتقوّض بنيتها التي ينبغي أن تقوم على الثقة والمحبة، والابتعاد عن وساوس الشيطان.

ثم تحدثت السورة عن باقة من الآداب الاجتماعية في الحياة الخاصة والعامة، وهي الاستئذان عند دخول البيوت، وغض الأبصار، وحفظ الفروج، وإبداء النساء زينتهن لغير المحارم مما يدل على تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم، وتزويج الأيامى (غير المتزوجين) من الرجال والنساء، والاستعفاف لمن لم يجد مؤن الزواج، من أجل تحقيق الاستقامة على شريعة الله، وصون الأسرة المسلمة، ورعاية حال الشباب والفتيات، والبعد عن الفتنة.

ثم أبانت مزية تشريع الأحكام وأنه نور وهدى، وفضل آيات القرآن، ومزية بيوت الله وهي المساجد، وعدم جدوى أعمال الكفار وتشبيهها بالسراب الخادع أو ظلمات البحار.

وأعقب ذلك تنبيه الناس إلى أدلة وجود الله ووحدانيته في صفحة الكون الأعلى والأسفل من تقليب الليل والنهار وإنزال المطر وخلق السموات والأرض، وخضوع جميع الكائنات الحية لله عز وجل، وطيران الطيور، وخلق الدواب ذات الأنواع العجيبة.

ثم انتقل إلى وصف مواقف المنافقين والمؤمنين الصادقين من حكم الله والرسول بإعراض الأولين وإطاعة الآخرين، ووعده تعالى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض.

ثم عادت الآيات لبيان حكم استئذان الموالي والأطفال في البيوت في أوقات ثلاثة، وحكم رفع الحرج عن ذوي الأعذار في الجهاد، وعن الأقارب والأصدقاء في الأكل من بيوت أقاربهم بلا إذن، واستئذان المؤمنين الرسول صلّى الله عليه وسلم عند الانصراف، وتفويضه بالإذن لمن شاء، وتعظيم مجلسه ومناداته بأدب جم وحياء وتبجيل يليق به وبرسالته.


25- سورة الفرقان

سبب التسمية: السورة فرقان بين الحق والباطل. (ملاحظة) قاعدة قرآنية: الآيات الكونية في كل سورة تأتي متناسبة مع جو السورة ومقصدها فمثلاً آيات سورة (يس) تتكلم عن الشمس والقمر لأنها تتحدث عن النهاية بالموت ثم البعث بينما الآيات الكونية هنا كلها تناسب جو الرحمة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عرض لسوء عاقبة من يكذب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلم فالحق واضح أبلج وآياته ودلائله وبراهينه شاهدة على جحود المكذبين وإتباعهم لأهوائهم الضالة فالسورة فرقان بين الحق والباطل.

* يتم ذلك من خلال:

 إيناس وتسرية وتسلية للنبي صلّى الله عليه وسلم عما يعانيه من إيذاء شديد وجحود من الكفار وطمأنة له صلّى الله عليه وسلم وللمؤمنين ببيان سوء عاقبة المكذبين وعرض لألوان التكذيب.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة سورة الفرقان لسورة النور من وجوه: أهمها: أن سورة النور ختمت بأن الله تعالى مالك جميع ما في السموات والأرض، وبدئت سورة الفرقان بتعظيم الله الذي له ملك السموات والأرض من غير ولد ولا شريك في الملك.

وأوجب الله تعالى في أواخر سورة النور إطاعة أمر النبي صلّى الله عليه وسلم، وأبان مطلع الفرقان وصف دستور الطاعة، وهو هذا القرآن العظيم الذي يرشد العالم لأقوم طريق.

وتضمنت سورة النور القول في الإلهيات، وأبانت ثلاثة أنواع من دلائل التوحيد: أحوال السماء والأرض، والآثار العلوية من إنزال المطر وكيفية تكون الثلج والبرد، وأحوال الحيوانات، وذكر في الفرقان جملة من المخلوقات الدالة على توحيد الله، كمدّ الظل، والليل والنهار، والرياح والماء، والأنعام،والأناسي، ومرج البحرين، وخلق الإنسان والنسب والصهر، وخلق السموات والأرض في ستة أيام، والاستواء على العرش، وبروج السماء، والسراج والقمر ونحو ذلك مما هو تفصيل لقوله سبحانه: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال في النور: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [43] ، وقال في الفرقان:

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً [48] وقال في النور: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [45] وقال في الفرقان: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [54] .

وفي كلتا السورتين وصف أعمال الكافرين والمنافقين يوم القيامة وأنها تكون مهدرة باطلة، فقال في النور: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [39] وقال في الفرقان: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [23] .

وشمل آخر سورة النور الكلام على فصل القضاء: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [64] وافتتحت سورة الفرقان بالثناء على الله عزّ وجلّ مالك الملك، وصاحب السلطان المطلق.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كسائر السور المكية اهتمت بأصول العقيدة من التوحيد والنبوة وأحوال القيامة.

فبدأت بإثبات الوحدانية لله عزّ وجلّ، وصدق القرآن، وصحة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم، ووقوع البعث والجزاء يوم القيامة لا محالة، وفندت أضداد هذه العقائد، ونعت على المشركين عبادة الأصنام والأوثان ونسبة الولد لله عزّ وجلّ، وتكذيبهم بالبعث والقيامة، وهددتهم بما سيلقون من ألوان العذاب والنكال في نار جهنم، ومفاجأتهم بما في جنان الخلد من أصناف النعيم المقيم. ثم أبانت شؤم مصير بعض المشركين كعقبة بن أبي معيط الذي عرف الحق ثم ارتدّ عنه، فسمّاه القرآن بالظالم: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ متأثرا بصديقه الذي سمي بالشيطان وهو أبيّ بن خلف.

ثم ذكرت قصص بعض الأنبياء السابقين وتكذيب أقوامهم لهم، وما حلّ بهم من نكال ودمار وهلاك بسبب تكذيبهم رسل الله، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرّس، وقوم لوط، وأمثالهم من الكافرين الطغاة.

وأوردت السورة أدلة على قدرة الله ووحدانيته، مما في الكون البديع من عجائب صنعه، وما في الأرض من آثار خلقه في الإنسان، والبحر، وخلق السموات والأرض في ستة أيام، وإنزال الأمطار وإرسال الرياح مبشرات بالمطر، وجعل البروج في السماء، وتعاقب الليل والنهار.

ثم ختمت السورة ببيان صفات عباد الرحمن المخلصين الموقنين، وما يتحلون به من أخلاق سامية وآداب رضية، تجعلهم يستحقون بها إكرام الله تعالى وثوابه الجزيل في جنات النعيم.


26- سورة الشعراء

سبب التسمية: إشارة إلى (الإعلام) وأنه سلاح ذو حدين إما للهداية وإما للإضلال فإياكم (خاصة الإعلاميين) أن تستخدموه في معصية الله بل وجهوه لطاعة الله بأحسن طرق التأثير في الناس مقتدين بالأنبياء عليهم السلام في طريقتهم العالية المؤثرة الذكية الراقية.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: المطلوب من الدعاة هو توصيل رسالة الله عز وجل (التوحيد والبعث والنبوة) والأخذ بيد الناس وتحذيرهم عاقبة الكفر والتكذيب بأحسن وسيلة ممكنة في الزمان والمكان والبحث عن أفضل الطرق تأثيرًا والأخذ بها (مثلاً عصا موسى عليه السلام- الشعراء (الإعلام)... الخ).

* يتم ذلك من خلال:

عرض قصص الأنبياء السابقين عليهم السلام والتركيز في هذه القصص هنا على فن إدارة الحوار بينهم عليهم السلام وبين أقوامهم فالسورة نزلت في وقت الجهر بالدعوة توجيهًا وتدريبًا للصحابة رضى الله عنهم والدعاة من بعدهم على كيفية الحوار مع قومهم دون نسيان التوكل على الله سبحانه وتعالى صاحب الأمر من قبل ومن بعد.

مناسبتها لما قبلها:

تتضح مناسبة هذه السورة لسورة الفرقان في الموضوع والبداية والنهاية.

أما الموضوع: ففيها تفصيل لما أجمل في الفرقان من قصص الأنبياء بحسب ترتيبها المذكور في تلك السورة، فبدأ بقصة موسى، وهذا سر لطيف يجمع بين السورتين. وكان في الفرقان إشارة إلى قرون بين ذلك كثيرة، ففصلت هنا قصة إبراهيم، وقوم شعيب، وقوم لوط.

وأما البداية: فقد بدئت كلتا السورتين بتمجيد القرآن العظيم: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ.. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ.

وأما النهاية: فإن خاتمة كلتا السورتين متشابهة، فقد ختمت الفرقان بوعيد المكذبين، ووصف المؤمنين بأنهم يقولون: سَلاماً للجاهلين، وأنهم يمرون مر الكرام باللغو، وختمت الشعراء بتهديد الظالمين المكذبين، والرضا عن الشعراء المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويذكرون الله كثيرا، وينتصرون ممن ظلمهم.

 

مشتملاتها:

تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية الكلام عن أصول الاعتقاد والإيمان من إثبات «التوحيد، والرسالة النبوية، والبعث» لذا كانت آياتها قصارا للزجر والردع وشدة التأثير.

وابتدأت الكلام عن القرآن الكريم وبيان هدفه في الهداية، وتبشير المؤمنين الصالحين بالجنة، وإنذار الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة بسوء العذاب، وإثبات إنزال القرآن وحيا على النبي صلّى الله عليه وسلم، وتسليته عن إعراض قومه عن الإيمان برسالته، والاستدلال بخلق النباتات على وجود الله وتوحيده.

ثم أوردت قصص الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم لعظة المكذبين، مبتدئة بقصة موسى ومعجزاته، ومحاورته مع فرعون الجبار وقومه في شأن توحيد الله، وتأييده بالآيات البيّنات، وإيمان السحرة برب موسى وهارون، ثم تلتها قصة إبراهيم الخليل مع أبيه وقومه عبدة الأوثان، وإبطاله عبادتها، وإثباته وحدانية الله عز وجل.

ثم جاء بعدها قصص «نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب» عليهم السلام وما فيها من حملاتهم العنيفة ضد الوثنية، والفساد الخلقي والاجتماعي، وبيان عاقبة التكذيب للرسل، ونهاية الجبابرة العتاة بأنواع رهيبة من العذاب.

وأعقب ذلك جعل الخاتمة كبدء السورة بإثبات كون القرآن العظيم وحيا وتنزيلا من رب العالمين لا من كلام الشياطين، وأن محمدا صلّى الله عليه وسلم رسول من الله لتبليغ رسالته إلى عشيرته والأمم جميعا، ليس بكاهن ولا شاعر، وأنه من سلالة الموحدين، وبراءته من أفعال المشركين، والرد على افترائهم وزعمهم أن القرآن من تنزل الشياطين التي تتنزل على كل أفّاكّ أثيم، وإعلامهم بأن الغاوين الضالين هم أتباع الشعراء، وليسوا المؤمنين الصلحاء المجاهدين.


27- سورة النمل

سبب التسمية: التذكير بهذه الأمة من الحشرات التي امتلكت كل مقومات الحضارة فتعلموا من هذه الحشرة الصغيرة المتفوقة وإياكم أن تعيشوا عبثًا وإياكم أن تتركوا غير المسلمين يتفوقون عليكم حضاريًا.

* محور السور وموضوعها الأساسي: الأمر بأخذ عناصر التفوق الحضاري وبيان وجوب امتلاك العلم والإدارة والتقنية والقوة المادية والعسكرية وتوظيفها لنصرة الإسلام فليس التدين عبادات وشعائر فقط بل أيضًا السيطرة على عناصر التفوق الحضاري.

* يتم ذلك من خلال :

* عرض عناصر التفوق الحضاري:

1- هدف سامي [آية (19)]. 2- أمة تشعر بانتمائها للرسالة [الهدهد].

3- العلم [آية (15)].                   4- التقنية [آية (44)].

5- قوة عسكرية [آية (37)].

*بيان أن صاحب الحق هو صاحب رسالة قبل أي شيء فبالرغم من امتلاكه قوة عسكرية فائقة وعلم وإدارة وتقنية وثقافة إلا أنه حريص على نشر رسالته وتوريث مقومات وخصائص حضارته [كاستيعاب تعدد اللغات والأعراق والجنسيات- وكالإدارة الحازمة والنظام- وكالتدريب وتنوع الإمكانيات- وكتربية الأفراد على استشعار أهمية الرسالة وتحمل المسئولية شأنهم كشأن القائد الذي يلتزم بمشاورتهم- وكغزارة جمع المعلومات وفرزها وتدقيقها..الخ].

* بيان أن الناس تنبهر بالعلم والتقنية والتفوق الحضاري: فمثلاً السبأيون أسلموا مع سليمان عليه السلام بينما لم يسلم المصريون مع موسى عليه السلام.

* التحذير من الغرور الذي قد يصاحب التفوق الحضاري [كما يحدث مع الغرب الآن] عن طريق التذكير بصفات الله سبحانه وتعالى والآيات الكونية الكثيرة التي تذكر الإنسان بحقيقة حجمه في هذا الكون والعوالم الغيبية الكثيرة التي تحيط به.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه:

1- أنها كالتتمة لها في بيان بقية قصص الأنبياء، وهي قصة داود وسليمان عليهما السلام.

2- أن فيها تفصيلا لما أجمل في سورة الشعراء من القصص النبوي، وهي قصة موسى في الآيات [7- 14] وقصة صالح في الآيات [45- 53] ولوط في الآيات [54- 58] .

3- نزلت هذه السور الثلاث (الشعراء، والنمل، والقصص) متتالية على هذا الترتيب، وذلك كاف في ترتيبها في المصحف على هذا النحو. روي عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب نزول السور: أن الشعراء، ثم طس، ثم القصص. كما يوجد تشابه بينها في البداية والافتتاح (طسم، الشعراء، طس، النمل، طسم، القصص) ولعل التشابه بين الأولى والثالثة، والاختلاف الجزئي في الثانية دليل على تأكيد المقصود بهذه الحروف المقطعة وهو تحدي العرب بالقرآن الذي تكوّن من حروف لغتهم المتركبة في جمل، بزيادة أحيانا ونقص أحيانا من تلك الحروف.

4- كذلك وجد التشابه الموضوعي بينهما في وصف القرآن وتنزيله من عند الله لأنه قال في بداية الشعراء: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ وقال هنا:

تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ وقال في أواخر الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وقال هنا: تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ أي الذي هو تنزيل رب العالمين.

5- تلتقي السورتان في بيان وحدة القصد من القصص القرآني، وهو تسلية الرسول صلّى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه، وإعراضهم عنه.

مشتملاتها:

هذه السورة المكية تتفق مع أغراض السور المكية في بيان أصول العقيدة:

وهي التوحيد، والنبوة، والبعث، وإثبات كون القرآن الكريم منزلا من عند الله العزيز الحكيم.

وإسهاما في توضيح تلك الأغراض أبانت السورة معجزة النبي محمد صلّى الله عليه وسلم الخالدة، وهي تنزيل القرآن المجيد هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين، ثم سردت وقائع مثيرة من قصص الأنبياء: موسى، وداود، وسليمان، وصالح، ولوط، عليهم السلام، تبين مدى ما تعرّض له موسى وصالح ولوط من أذى أقوامهم، وتكذيبهم برسالاتهم، وإنزال العقاب الأليم بهم، وتنبّه إلى ما أنعم الله به على داود وسليمان من النعم العظمى، بهبة النبوة والملك والسلطان، وتسخير الجن والإنس والطير، وإذعان الملكة بلقيس لدعوة سليمان.

وفي هذا حكمة بالغة لأصحاب السلطة هي اتخاذ السلطان والنفوذ سبيلا للدعوة إلى الله جل جلاله.

وتلا ذلك بيان الأدلة والبراهين على وجود الله وتوحيده من خلق الكون:

سمائه وأرضه، بره وبحره، وإلهام الإنسان الإفادة من كنوز الأرض، والهداية في ظلمات البر والبحر، وإمداده بالأرزاق الوفيرة، ومفاجأته بأهوال يوم القيامة ومغيبات الأحداث، وسعة علم الله، وتعاقب الليل والنهار.

وأنكرت السورة بعدئذ على المشركين تكذيبهم بالبعث والحشر والنشور، وألزمت بني إسرائيل بالاحتكام إلى القرآن في خلافاتهم وخصوماتهم، وتحدثت عن أشراط الساعة، كخروج دابة الأرض، وحشر فوج من كل أمة، وتسيير الجبال، ثم ذكّرت بالنفخ في الصور لجمع الناس ومجيئهم داخرين صاغرين لله تعالى.

وختمت السورة بتصنيف الناس إلى سعداء أبرار، وأشقياء فجار، وجزاء كلّ بما يستحق خيرا أو شرا، وإعلام المشركين بوجوب عبادة الله وحده، والتخلي عن عبادة الأصنام والأوثان، والالتزام بمنهج القرآن ودستوره في الحياة لأنه نور وهداية، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها، وتعريفهم بآيات الله العظمى في وقت لا ينفعهم فيه شيء غير الإيمان بالله وحده، وتعرضهم للجزاء الحتمي عن جميع أعمالهم.

والخلاصة: أن ما ذكر في هذه السورة يدعو إلى المبادرة إلى الإيمان بالله تعالى ربا وإلها لا شريك له، والتصديق بالبعث طريقا لإنصاف الخلائق، واتخاذ القرآن نبراسا ودستورا للحياة الإنسانية.


28- سورة القصص

تسميتها:

سميت سورة (القصص) لما فيها من البيان العجيب لقصة موسى عليه السلام من حين ولادته إلى حين رسالته، التي يتضح فيها أحداث جسام، برز فيها لطف الله بالمؤمنين وخذلانه الكافرين. ثم ذكر فيها قصة قارون من قوم موسى المشابهة للقصة الأولى في تقويض أركان الطغيان، طغيان السلطة عند فرعون، وطغيان المال عند قارون.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الثقة بوعد الله وأنه متحقق لا محالة لكل من حقق العبودية والطاعة لله واثقًا بتحقق وعده في النهاية مؤمنًا أنه سبحانه صاحب القوة الوحيدة في الكون وأن من كانت معه هذه القوة فلا خوف عليه ومن كانت عليه فلا أمن له.

* يتحقق ذلك من خلال :

* عرض لقصة موسى عليه السلام وبيان أن وعد الله كما تحقق لموسى عليه السلام سيتحقق للنبي صلّى الله عليه وسلم (السورة نزلت مع الهجرة من مكة) ولقد تحقق الوعد للنبي صلّى الله عليه وسلم خلال نفس الفترة الزمنية التي تحقق فيها لموسى عليه السلام [10 سنوات] فعاد النبي صلّى الله عليه وسلم فاتحًا مكة منتصرًا وسادت أمته وجه الأرض (بالرغم من صعوبة الموقف في البداية وطول الوقت).

* بيان أهمية دور المرأة في نصرة الإسلام من خلال أمهات يرضعن أولادهن من البداية الإيمان والانقياد لأمر الله [أم موسى عليه السلام] وأخوات صالحات [أخت موسى عليه السلام] وزوجات قانتات [أمهات المؤمنين رضي الله عنهن] وبنات مؤمنات [فاطمة رضي الله عنها].

* تطمين للنبي صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين بذكر بعض الوعود ثم تحققها ولو بعد حين:

- الوعد بآية (7) يتحقق بآية (13) وآية (30).

- الوعد بآية (35) يتحقق بآية (40).

- وبشرى للنبي صلّى الله عليه وسلم بآية (85).

سبب التسمية: وجوب (تقصي) = (تتبع) أحداث القصص إلى النهاية لنرى أنه لابد في النهاية من تحقق وعد الله وليس التوقف عند حلقة واحدة فقط من القصة.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لسورتي النمل والشعراء في أنها تفصيل لما أوجز فيهما من قصة موسى عليه السلام، مبتدئا ببيان استعلاء فرعون وظلمه، وذبحه أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم، خوفا عليه من الذبح، ثم انتشال فرعون له وتربيته في قصره عنده إلى سن الشباب، حيث حدثت حادثة قتله القبطي، التي استوجبت فراره من مصر إلى مدين، وزواجه بابنة شعيب عليه السلام، ثم مناجاته ربه وبعثه إياه رسولا، وما تبع ذلك.

كذلك فصلت هذه السورة موقف القرآن من توبيخ المشركين على إنكارهم يوم القيامة، من خلال الإخبار بإهلاك الكثيرين من أهل القرى بسبب ظلمهم، والتساؤل عن شركاء الله يوم القيامة وما يدور بينهم وبين عبدتهم من نقاش انتهى بتبرئهم من عبادتهم، وإيراد الأدلة المتضافرة لإثبات قدرة الله على الخلق والإيجاد والبعث والإعدام.

كما أن هناك ربطا من وجه آخر بين سورتي النمل والقصص، فقد أوجز هنا ما فصّل في السورة المتقدمة من إهلاك قوم صالح وقوم لوط، ومن بيان مصير من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة.

 

ما اشتملت عليه السورة:

تلتقي هذه السورة مع ما سبقها من سورتي الشعراء والنمل في بيان أصول العقيدة: التوحيد والرسالة والبعث في ثنايا قصص الأنبياء، وإيضاح الأدلة المثبتة لهذه الأصول في قضايا الكون وعجائبه البديعة ونظمه الفريدة.

وكان الطابع الغالب على هذه السورة تبيان قصة موسى مع فرعون التي تمثل الصراع بين طغيان القوي وضعف الضعيف، لكن الأول على الباطل والثاني على الحق، وأعوان الباطل هم جند الشيطان وأعوان الحق هم جند الرحمن.

كان فرعون معتمدا على سلطانه وقوته وثروته، فطغى وبغى، واستعبد شعب بني إسرائيل، وزاد في غلوه أنه ذبح الأبناء، واستحيا النساء، وادعى الربوبية ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص 28/ 38] وأفسد في الأرض.

واستوجب ذبح الأطفال إلقاء موسى في اليم، والتقاط آل فرعون له، ثم رده إلى أمه، ثم تربيته في قصر فرعون، إلى أن بلغ أشده وصار رشيدا قويا، فقتل قبطيا قتلا خطأ، فهرب من مصر إلى أرض مدين، فتزوج بابنة شعيب عليه السلام، ومكث راعيا ماشيته عشر سنين، ثم عاد إلى مصر، فناجى ربه في الطور، وأيده الله بمعجزات أهمها معجزة العصا واليد، فبلغ رسالة ربه، لكن كذبه فرعون وقومه علوا واستكبارا، فأغرقهم الله في البحر. وذلك شبيه بإنكار قريش نبوة الرسول محمد صلّى الله عليه وسلم مع ما جاءهم به من الحق، فوصفوه بالسحر المفترى، وتنكروا للإيمان برسالته بأعذار واهية، فأنذرهم القرآن بعذاب مماثل لقوم فرعون، وأبان لهم أن الله لا يعذب قوما إلا بعد إرسال رسول إليهم، وأن الرسول باختيار الله تعالى لا بحسب أهواء المشركين، وأن آلهتهم المزعومة ستتبرأ من عبادتهم يوم القيامة، وأن الله هو الإله الواحد الذي لا شريك له، وأنه القادر على بعث الأموات، كما قدر على بدء الخلق، وإيجاد تعاقب الليل والنهار. وسيشهد الأنبياء على أممهم بتبليغ رسالات ربهم، وقد آمن جماعة من أهل الكتاب، وسيعطون أجرهم مرتين، وأن الهداية بيد الله تعالى، لا بيد رسوله، فلن يتمكن من هداية من أحب.

وأعقب ذلك بقصة مشابهة هي قصة قارون من قوم موسى واعتماده على طغيان الثروة والمال كاعتماد فرعون على طغيان السلطة والحكم، فكان مصيره أشأم من مصير فرعون وهو الخسف به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين.

وكل من خبر القصتين برهان قاطع على صحة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم لأنه لم يكن حاضرا معهم، ولم يتعلم ذلك من معلم.

وختمت القصتان بإعلان مبادئ:

أولها- أن ثواب الآخرة يكون للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا.

وثانيها- أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو طريق السعادة الموجب لمضاعفة الحسنات ومقابلة السيئات بجزاء واحد، وتحقيق النصر لرسول الله صلّى الله عليه وسلم على أعدائه، وعودته إلى مكة فاتحا بعد تهجيره منها.

وثالثها- بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل، وانفراد الله تعالى بالبقاء والدوام، والحكم والحساب، ورجوع البشر كافة إليه: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ونحوها: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن 55/ 25- 26] .


29- سورة العنكبوت

سبب التسمية: الفتن في كثرتها وتعقيدها وتداخلها تشبه خيوط العنكبوت ولكنها في حقيقتها هشة وضعيفة وبيت العنكبوت منهار اجتماعيًا (الأنثى تقتل الذكر والأبناء يقتلون الأم) فكذلك الدنيا إذا لجأت فيها لغير الله عز وجل فأنت تلجأ إلى وهم وحياة واهية منهارة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الفتن سنة كونية والحياة لا تخلو من الفتن والابتلاء والاختبار فإن ذلك من تكاليف الإيمان التي تكشف عن معدنه في النفوس وتخرج الحقيقة إلى عالم الواقع وتقطع الاحتجاج يوم القيامة.

* يتم ذلك من خلال:

عرض لقصص الأنبياء عليهم السلام التي تدور كلها حول ابتلاء كل نبي عليه السلام بقومه وصبره عليهم وجهاده في مواجهتهم.

موضوعها:

موضوع السورة كسائر السور المكية تقرير أصول العقيدة وهي الوحدانية، والرسالة، والبعث والجزاء، وتثبيت الإيمان في القلوب في جميع الأحوال، وبخاصة وقت الابتلاء والمحنة، فافتتحت بالإخبار عن فتنة الإنسان، وختمت بالحديث عن هداية المجاهدين نفوسهم إلى أقوم السبل ونصرة الله لهم.

 

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في بيان أمثلة واقعية من الصراع بين الحق والباطل، وبين الضعف والقهر، وبين أثر الصمود والصبر على الإيمان وأثر الانسلاخ منه، ففي سورة القصص ذكر الله تعالى استعلاء فرعون وجبروته، وتفريقه الناس شيعا، واستضعافه بني إسرائيل بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، ونجاة موسى عليه السلام مع قومه، ونصره على الطغاة وإغراقهم، كما ذكر الله قصة قارون الباغية وعقابه بالخسف.

وفي هذه السورة ذكر الله قصة المسلمين في مكة الذين فتنهم المشركون عن دينهم، وعذبوهم على الإيمان بنحو أقل من تعذيب فرعون بني إسرائيل، حثا لهم على قوة التحمل والصبر، وتسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، ثم ذكر نجاة نوح عليه السلام في سفينته مع جند الإيمان، وإغراق قومه الذين كذبوه.

كما أن بين السورتين تشابها في الإشارة إلى موضوع الهجرة، ففي خاتمة القصص الإشارة إلى هجرة النبي صلّى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ وفي خاتمة هذه السورة الإشارة إلى هجرة المؤمنين: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ

[56] .

وكذلك يوجد ارتباط بين السورتين في تحديد الغاية والغرض، ففي سورة القصص بيان العاقبة المحمودة للمتقين المتواضعين: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

[83] وفي هذه السورة تقرير العاقبة الحسنة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [58] .

ثم إنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وأعقبه بما يبطل قول منكري الحشر: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ رد في مطلع هذه السورة على منكري الحشر القائلين: لا فائدة في التكاليف إذ لا مرجع بعد الهلاك والزوال، ومضمون الرد أن للتكليف فائدة وهي أن يثيب الله الشكور ويعذب الكفور.

مشتملات السورة:

اشتملت هذه السورة على ما يأتي:

1- إعلان اختبار المؤمنين على الشدائد والمحن في الدنيا، وبيان فائدة جهاد النفس، ومعرفة مدى صلابة الإيمان وقت الشدة، فالمؤمن هو المجاهد الصابر الذي لا يلين أمام الأحداث الجسام، ويظل ثابت العهد كالطود الشامخ دون أن يتزحزح عن إيمانه وعقيدته، وأما مهتز الإيمان أو المنافق، فيظهر الإيمان أحيانا، ولكنه لا يتحمل الأذى في سبيل الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ ... وحينئذ يعلم الله المؤمنين علم انكشاف وإظهار كما يعلم المنافقين، لكنه سبحانه عالم بذلك سلفا.

2- الحديث عن محنة الأنبياء التي هي أشد وأصعب من محنة المؤمنين، فقد قص الله على رسوله وعلى المؤمنين قصة نوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وهود، وصالح، وموسى، وهارون، ليعلموا أن الله نصرهم، وأهلك أقوامهم:

فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا.. الآية [40] .

3- محاجة المشركين بضرب الأمثال لهم تقريعا وتوبيخا، ومحاجة أهل الكتاب بالحسنى واللين والحكمة.

4- إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم بمعجزة إنزال القرآن عليه علما بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتفنيد بعض شبهات المشركين في نبوته، واستعجالهم العذاب المحقق نزوله بهم.

5- الإذن للمؤمنين بالهجرة من ديارهم فرارا بدينهم من الفتن، وترغيبهم بالصبر، وإبعاد خوف الموت عن نفوسهم فإن الموت محقق في كل مكان وزمان،وتبشيرهم بالعاقبة الحسنة إذا عملوا الصالحات، وزهدوا في الدنيا لأن الدار الآخرة هي دار الحياة الباقية الحقة.

6- اعتراف المشركين بأن الله هو خالق السموات والأرض وأنه هو الرازق، وأنه كاشف الضر والمنجي من المخاطر، وذلك يتضمن الحديث عن الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية في هذا الكون الفسيح.

7- الامتنان على أهل مكة بإقامتهم في الحرم الآمن، مع خوف من حولهم، ثم كفرهم بهذه النعمة وغيرها بالإشراك بالله، وتكذيب رسوله، وهو غاية الظلم.

8-     بيان جزاء المؤمنين الذين صبروا أمام المحن والشدائد، وجاهدوا في سبيل الله بالنفس والمال، واجتازوا المحنة بأمان وسلام.


30- سورة الروم

سبب التسمية: لفت نظر الجميع إلى آية مادية واقعة وهي وعد الله سبحانه وتعالى أن الروم سينتصرون خلال (9) سنوات وقد حدث هذا فعلاً.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: آيات الله ظاهرة واضحة في الكون فكيف لا تؤمنون وهذه الآيات تملأ الآفاق واضحة للعيان كاشفة عن الارتباطات الوثيقة بين أحوال الناس والحياة في الماضي والحاضر والمستقبل وسنن الكون ونواميس الحياة.

* يتم ذلك من خلال:

استعراض لآيات الله المبثوثة في الكون والتي تدل على هذا الحق الذي جاء به هذا الرسول الصادق صلى الله علية وسلم والذي يطرد مع فطرة الكون والناس.

 (ملاحظة) آية أخرى: أن الانتصار وقع عند البحر الميت أدنى بقاع الأرض بالعلم الحديث [آية (3)]. آية أخرى: علم الاقتصاد الحديث يثبت أن إلغاء الفائدة هو أفضل طريق للتنمية الاقتصادية [آية (39)].

(ملاحظة) أكثر سورة فيها (ومن آياته..) هي سورة الروم.

موضوعها:

هو موضوع سائر السور المكية التي تبحث في أصول العقيدة الإسلامية وهي التوحيد وصفات الله تعالى، والإيمان بالرسالة النبوية، وبالبعث والجزاء في الآخرة.

 

مناسبتها لما قبلها:

تتشابه سورة الروم وسورة العنكبوت التي قبلها في المطلع، فإن كلا منهما افتتح ب الم غير مقرون بذكر التنزيل والكتاب والقرآن، على خلاف القاعدة الخاصة في المفتتح بالحروف المقطعة، فإنها كلها قرنت بذلك إلا هاتين السورتين وسورة القلم. وقد ذكر في أول هذه السورة ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت هذه الحروف الهجائية لتنبيه السامع والإقبال بقلبه وعقله وروحه على الاستماع. وهناك تشابه آخر بين السورتين من وجوه ثلاثة:

الأول- إن السورة السابقة بدئت بالجهاد وختمت به: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وبدئت هذه السورة بوعد المؤمنين بالغلبة والنصر، وهم يجاهدون في سبيل الله تعالى.

الثاني- إن الاستدلال في هذه السورة على أصول الاعتقاد وأهمها التوحيد جاء مفصلا للمجمل في السورة السابقة مثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [19] فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [20] .

الثالث- ترتب على التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب في السورة المتقدمة أن أبغض المشركون أهل الكتاب، وتركوا مراجعتهم في الأمور، وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور، وسبب البغضاء أن المشركين في جدالهم نسبوا إلى عدم العقل: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [63] وطلب مجادلة أهل الكتاب بالحسنى وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [46] وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله، كما قال تعالى: وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ [46] .

فلما غلب أهل الكتاب حين قاتلهم الفرس المجوس، فرح المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى أوائل سورة الروم لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق، وإنما قد يريد الله تعالى مزيد ثواب في المحب، فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار للمعادي تعجيل العذاب الأدنى، دون العذاب الأكبر يوم القيامة.

 

مشتملات السورة:

افتتحت السورة بإثبات النبوة بالإخبار بالغيب، وهو انتصار الروم على الفرس في حرب تقع بينهما في غضون بضع سنوات (من 3- 9 سنوات) ووقع الخبر كما أخبر القرآن، وتلك معجزة القرآن تثبت صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتتضمن البشارة بنصر جند الرحمن على حزب الشيطان. ثم ذكرت أدلة الوحدانية وعظمة القدرة الإلهية بالتأمل في صفحة الكون والنظر في خلق السموات والأرض، والاعتبار بمأساة المكذبين الغابرين وعاقبتهم السيئة، وأردف بعدها أدلة البعث، والأمر بعبادة الله وحده، وذلك مقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها.

ونوقش فيها المشركون وضربت لهم الأمثال في أن الشركاء ضعفاء عاجزون لا يملكون لأنفسهم يوم القيامة نفعا، ولا يتمكنون دفع الضر عن أحد، ولا يستطيعون خلق شيء وإيجاده ولا إمداد أحد بالرزق. وكشف القرآن حقيقة حال المشركين كما ذكر في السورة المتقدمة وهي لجوءهم إلى الله وقت الضر، وإشراكهم به وقت الرخاء، وأميط اللثام عن طبيعة الإنسان وهي الفرح بالنعمة، والقنوط حين الشدة إلا من آمن وعمل صالحا.

ونهى الله تعالى عن اتباع المشركين وغيرهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ثم أمر تعالى بالتصدق على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، واجتناب أكل الربا، وتنمية المال بوجوه الحلال وتطهيره بالزكاة.

ثم قارنت السورة بين مصير المؤمنين في روضات الجنان فضلا من الله تعالى، ومصير الكافرين في نيران الجحيم جزاء أعمالهم وكفرهم، وحينئذ تظهر فائدة الإيمان والخير، وظلام الكفر والشر.

وأعقب ذلك إيراد بعض الأدلة الكونية الناطقة بقدرة الله والدالة على وحدانيته من إرسال الرياح مبشرات بالرحمة، وتسيير السفن في البحار، وتمكين المسافرين من التجارة وابتغاء فضل الله في أقطار الأرض، والدلائل الملحوظة في الأنفس من خلق ثم رزق، ثم إماتة، ثم إحياء.

وختمت السورة بتسلية الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن إعراض قومه عن الإيمان برسالته بأنهم أغلقوا منافذ الهداية، وعطلوا طاقات الفكر والعقل عن النظر في وسائل الوصول إلى الإيمان بالله، فهم صمّ عمي لا يسمعون ولا يبصرون، وأنهم مهما رأوا من الآيات، وشاهدوا من البراهين والمعجزات، لن يؤمنوا بسبب العناد، والتشبث بمواقع الكفر، والحفاظ على مراكز الزعامة والنفوذ بين العرب.

وهذا يقتضي الصبر على أذى المشركين حتى يأتي النصر، ومتابعة القيام بواجب تبليغ الرسالة، فإنه قد يهتدي بعضهم أو غيرهم، وسيكون النصر في جانب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والخذلان لمن كذب به، ولن يؤثر في مسيرة دعوته كفر الذين لا يوقنون بالبعث بعد الممات.


31- سورة لقمان

تسميتها:

سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة (لقمان الحكيم) الذي أدرك جوهر الحكمة، بمعرفة وحدانية الله وعبادته، والأمر بفضائل الأخلاق والآداب، والنهي عن القبائح والمنكرات.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: تربية الأبناء على العقيدة الصحيحة (التوحيد والبعث والنبوة) من خلال مخاطبة الفطرة البشرية بآيات الله في الأنفس والآفاق.

* يتم ذلك من خلال:

نصيحة لقمان لابنه والتي تبين :

·   توجيه للآباء لتربية الأبناء على: التوحيد ونبذ الشرك (من خلال التجول في الكون مع آيات الله)- بر الوالدين- أهمية العبادة – حقيقة الدنيا وتقلبها- الذوق والأدب في المعاملة – التخطيط للحياة مع تحديد الهدف- الإيجابية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصبر على النتائج.

·   توجيه للآباء لأدب التربية عند توجيههم لأبنائهم: الحنان والود والمصاحبة بالمعروف.

موضوعها:

تضمنت الكلام عن موضوعات السور المكية وهي إثبات أصول العقيدة من الإيمان بالله ووحدانيته، وتصديق النبوة، والإقرار بالبعث واليوم الآخر.

وسبب نزولها أن قريشا سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قصة لقمان مع ابنه وعن بره والديه، فنزلت.

صلتها بما قبلها أو مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بسورة الروم قبلها من وجوه:

1- قال تعالى في آخر السورة السابقة: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ إشارة إلى كون القرآن معجزة، وقال في مطلع هذه السورة:

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ.

 2- كذلك قال سبحانه في آخر السورة المتقدمة: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ إشارة إلى أن المشركين يكفرون بالآيات، وقال في هذه السورة: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً [7] .

3- وصف الله تعالى قدرته على بدء الخلق والبعث في كلتا السورتين، فقال في السورة السالفة: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [27] وقال هنا: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [28] .

4- أثبت الله تعالى في كلتا السورتين إيمان المؤمنين بالبعث، فقال في السورة السابقة: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [56] وهذا عين إيقانهم بالآخرة المذكور في مطلع هذه السورة: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.

5- حكى الله تعالى في السورتين ما عليه حال المشركين من القلق والاضطراب، إذ يضرعون إلى الله في وقت الشدة، ويكفرون به وقت الرخاء، فقال في السورة المتقدمة: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...

[33] وقال في هذه السورة: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... [32] .

6- ذكر في سورة الروم: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [15] وقد فسر بالسماع، وفي لقمان: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [6] وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي.

7- قابل تعالى بين السورتين، فذكر في سورة الروم مدى اعتزاز المشركين بأموالهم ورفضهم إشراك غيرهم فيها، وذكر هنا قصة لقمان الحكيم العبد الصالح الذي أوصى ابنه بالتواضع وترك التكبر، كما ذكر في الأولى محاربة الروم والفرس في معركتين عظيمتين، وذكر في السورة الثانية في قصة لقمان الأمر بالصبر والمسالمة وترك المحاربة.

 

مشتملات السورة:

اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية: فبدأت ببيان معجزة النبي الخالدة وهي القرآن دستور الهداية الربانية، وموقف الناس منه، ففريق المؤمنين يصدّقون بكل ما جاء فيه، فيظفرون بالجنان، وفريق الكافرين الساخرين الهازئين الذي يعرضون عما فيه من الآيات، ويضلون عن سبيل الله جهلا وسفها، فيتلقون العذاب الأليم.

ثم تحدثت عن أدلة الوحدانية والقدرة الباهرة لله ربّ العالمين من خلق العالم والكون، وتلا ذلك بيان قصة لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة لابنه، تعليما للناس وإرشادا لهم، وعلى رأسها نبذ الشرك، وبر الوالدين، ورقابة الله على كل صغيرة وكبيرة، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواضع واجتناب الكبر، ومشي الهوينى، وإخفاض الصوت.

وأردف ذلك توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك مع مشاهدتهم أدلة التوحيد، والنعي عليهم في تقليدهم الآباء، وجحودهم نعم الله الكثيرة التي لا حصر لها، وإعلامهم أن طريق النجاة هو إسلام النفس لله والإحسان بالعمل الصالح، وبيان تناقضهم حين يقرّون بأن الله هو خالق كل شيء ثم يعبدون معه غيره، مع أن الله هو مالك السموات والأرض والمنعم بجلائل النعم، وعلمه محيط بكل شيء، وأن خلق جميع البشر وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها، فهو المدبر والمصرف الذي لا يعجزه شيء، وأنهم يتضرعون إليه وقت الشدة ويشركون به وقت الرخاء.

ثم أضافت السورة أدلة أخرى على القدرة الإلهية من إيلاج الليل في النهار وبالعكس، وتسخير الشمس والقمر، وتسيير السفن في البحار وغير ذلك. وختمت السورة ببيان الأمر بالتقوى والخوف من عذاب يوم القيامة الذي لا بد من إتيانه، ولا أمل فيه بنصرة أحد، وعدم الاغترار بمتاع الدنيا وزخارفها، والتنبيه على مفاتيح الغيب الخمسة التي اختص الله بعلمها، وأن الله محيط علمه بالكائنات جميعها، خبير بكل ما يجري فيها.


32- سورة السجدة

سبب التسمية: آية (15) من السورة التي تبلور مقصد السورة.

(ملاحظة) قراءة السورة فجر كل جمعة سنة تجديدًا للخضوع لله سبحانه وتعالى وتذكرًا له.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الخضوع لله عز وجل اختيارًا في الحياة الدنيا فالسورة تنبه كل إنسان: اسجد لله في الدنيا بإرادتك واختيارك وإياك وطريق المستكبرين والزم طريق الخاضعين لله.

* يتم ذلك من خلال:

 جولات مع آيات الله وأدلة وبراهين التوحيد والبعث والنبوة في الكون والنفس والتاريخ ترغيبًا في الخضوع للحق وترهيبًا من الاستكبار عليه.

        مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة لقمان من ناحية اشتمال كل منهما على أدلة التوحيد وهو الأصل الأول للعقيدة، وبعد أن ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة الأصل الثاني وهو الحشر أو المعاد، وختم تلك السورة بهذين الأصلين، بدأ هذه السورة ببيان الأصل الثالث وهو الرسالة أو النبوة، فقال تعالى:

الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ ... كذلك تعد بعض آيات هذه السورة شرحا وتفصيلا للسورة السالفة، فقوله تعالى هنا: ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [5] توضيح لقوله تعالى في بيان مفاتح الغيب هناك: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [34] .

وقوله سبحانه هنا: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [27] تفصيل لقوله هناك: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [34] .

وقوله هنا: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [7] شرح لقوله هناك:

وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [34] .

وقوله هنا: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [5] شرح لقوله هناك: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [34] .

وقوله هنا: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ إلى قوله: قُلْ: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [10- 11] إيضاح لقوله:

وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [34] .

 

  موضوعها:

موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية وهو إثبات أصول الاعتقاد: «الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والرسل والبعث والجزاء» ومحور الكلام إثبات (البعث) بعد الموت الذي أنكره المشركون والماديون، واتخذوه سببا لتكذيب النبي صلّى الله عليه وسلّم.

 

  مشتملاتها:

افتتحت السورة بتقرير كون القرآن العظيم بلا أدنى شك هو كتاب الله المنزل على رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وإثبات رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإبطال مزاعم المشركين بأن الرسول افترى هذا القرآن، وبيان أنه لم يأتهم رسول مثله قبله.

ثم أوردت السورة أدلة وحدانية الله وقدرته من تدبيره الكون، وخلقه الإنسان ورعايته له في أطواره التي يمر بها، ثم بعثه الخلق مرة أخرى ليوم مقداره ألف سنة مما تعدّون، بأسلوب يرد على إنكار المشركين البعث والنشور، لظنهم بسبب عجزهم أن التفتت إلى ذرّات مبعثرة مشتتة يحيل بعدئذ تجمعها وإعادتها إلى خلق جديد.

ثم وصفت السورة حال المجرمين الكافرين وحال المؤمنين الطائعين لله، فالأولون تلبسهم الذلة والمهانة، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا، ويذوقون العذاب الأليم. والمؤمنون لا تفارقهم في الدنيا الطاعة في الليل والنهار، ويدعون ربهم خوفا وطمعا، وينفقون أموالهم في مرضاة الله، ولهم في الآخرة جزاء عملهم الثواب الجزيل، والفضل العظيم الذي تقرّ به أعينهم، وجنات المأوى والاستقرار والخلود.

وعقّبت السورة على حال هذين الفريقين باستبعاد التسوية بينهما إذ لا يعقل مكافأة العصاة كمكافأة الطائعين.

ثم ختمت السورة بتقرير ما بدأت به، فذكرت الرسالة، وأبانت الهدف من إنزال التوراة على موسى عليه السلام، وهو هداية بني إسرائيل، تنبيها على وجه الشبه بين رسالة محمد ورسالة موسى عليهما الصلاة والسلام.

ثم ذكرت التوحيد والقدرة وأقامت البرهان عليهما بإهلاك الأمم الظالمة في الماضي، وأخيرا أكدت حدوث الحشر الذي استبعد الكفار حصوله.

فصار مطلع السورة ومضمونها وخاتمتها إثبات أصول العقيدة وهي كما ذكرت: التوحيد، والرسالة، والبعث.


33- سورة الأحزاب

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هو الاستسلام لله بالطاعة والخضوع والتفويض (الإسلام) فالله يأمرنا بأوامر والحكمة منها أو بأوامر دون إظهار الحكمة منها (للاستسلام) فالمؤمن مستسلم لله حتى في المواقف الصعبة لأن عزته في التسليم لله لا لغيره وفي الرجوع للحق بلا عناد حتى إن لم يفهم الحكمة من الأمر وفي الإصرار على الدعوة حتى إن ضعف الآخرون (ولذلك فالآية 36 آية محورية تدور حولها كل معاني السورة).

(ملاحظة) بعض المواقف الصعبة التي تختبر عنصر الاستسلام لله عز وجل: الآيات (5، 11، 29، 37، 59).

(ملاحظة) الاستسلام لله هو سبب بقاء واستمرار الحضارات بينما التمرد على منهج الله يؤدي إلى انهيار الحضارات ولذلك تأتي سورة (سبأ) عقب سورة (الأحزاب) مباشرة.

(ملاحظة) سورة (فاطر) تعقيب على سورتي (الأحزاب وسبأ).

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بسورة السجدة التي قبلها في وجوه التشابه بين مطلع هذه وخاتمة تلك، فإن السورة السابقة ختمت بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره صلّى الله عليه وسلّم بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، والتوكل عليه.

 

موضوعها:

موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المدنية، التي تهتم بالجانب التشريعي للأمة، ولا سيما تنظيم الأسرة النبوية، وإبطال بعض عادات الجاهلية كالتبني والظهار واعتقاد وجود قلبين للإنسان، وعدم إيجاب العدّة على المطلقة قبل الدخول، وفرض الحجاب على نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم ونساء المؤمنين، وبيان خطورة أمانة التكليف.

 

   مشتملاتها:

اشتملت هذه السورة على بعض الآداب الاجتماعية، والأحكام التشريعية وأخبار في السيرة عن غزوتي الأحزاب وبني قريظة وعن المنافقين.

أما الآداب الاجتماعية: فأهمها آداب الدعوة إلى الولائم، والحجاب وعدم التبرج، وتعظيم النبي صلّى الله عليه وسلّم في بيته ومع الناس، والقول السديد.

وأما الأحكام الشرعية فكثيرة: منها الأمر بتقوى الله وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، ووجوب اتباع الوحي، وحكم الظهار، وإبطال عادة التبني وعادة التوريث بالحلف أو الهجرة، وجعل الرحم والقرابة أساس الميراث، وتعداد المحارم وعدد زوجات النبي صلّى الله عليه وسلّم، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفرض الحجاب الشرعي وتطهير المجتمع من مظاهر التبرج الجاهلية، وعدم إلزام المطلقة قبل الدخول بالعدة، وتخيير نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الفراق والبقاء معه، وتخصيص زوجاته بمضاعفة الأجر والثواب عند الطاعة، ومضاعفة العذاب عند المعصية، وتحريم إيذاء الله والرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وخطورة أمانة التكليف، وعقاب المسيء وإثابة المحسن.

وأما أخبار السيرة: ففي السورة بيان توضيحي عن (غزوة الأحزاب) أو (غزوة الخندق) وغزوة بني قريظة، ونقضهم العهد مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكشف فضائح المنافقين والتحذير من مكائدهم، وتهديدهم مع المرجفين في المدينة على جرائمهم بالطرد والتعذيب، وتذكير المؤمنين بنعم الله العظمى التي أنعم بها عليهم في وقعة الخندق بعد اشتداد الخطب عليهم، ورد كيد أعدائهم بالملائكة والريح، حتى صار ذلك معجزة خارقة للعادة، وبيان قصة زيد بن حارثة مولى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وزينب بنت جحش زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم.


34- سورة سبأ

سبب التسمية: التمرد على منهج الله يؤدي إلى انهيار الحضارة.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عدم الاستسلام لله وطاعته وشكره على نعمه يؤدي إلى الضعف والانهيار الحضاري في الدنيا والضلال والعذاب في الآخرة.

* يتم ذلك من خلال عرض نموذجين متناقضين لحضارتين:حضارة مؤمنة مستسلمة لمنهج الله سبحانه وتعالى (داود وسليمان عليهما السلام) وحضارة ضالة عاصية رافضة للاستسلام لمنهج الله (سبأ).

     (ملاحظة) الاستسلام لمنهج الله هو سبب بقاء واستمرار الحضارة ولذلك تأتي سورة (الأحزاب) قبل سورة (سبأ) مباشرة.

(ملاحظة) سورة (فاطر) تعقيب على سورتي (الأحزاب وسبأ).

تسميتها:

سميت سورة سبأ للتذكير فيها بقصة سبأ، وهم ملوك اليمن، في قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ: جَنَّتانِ.. [15- 16] فقد أنعم الله عليهم بالحدائق الغناء والأراضي الخصبة، فلما كفروا النعمة، أبادهم بسيل العرم.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: الأول- أن هذه السورة افتتحت ببيان صفات الملك التام والقدرة الشاملة التي تناسب ختام السورة السابقة في تطبيق العذاب وتقديم الثواب: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ، وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ....

الثاني- كان آخر الأحزاب: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ومطلع سبأ في فاصلة الآية الثانية: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.

الثالث- في سورة الأحزاب سأل الكفار عن الساعة استهزاء، وفي هذه السورة حكى القرآن عنهم إنكارها صراحة.

مشتملاتها:

تضمنت سورة سبأ المكية محور ما تدور عليه بقية السور المكية في إثبات العقيدة: من توحيد الله، والنبوة، والبعث.

فابتدأت بحمد الله تعالى والثناء عليه لأنه خالق السموات والأرض، ومرسل الملائكة رسلا بمهام عديدة إلى البشر.

ثم أعقب ذلك الحديث عن إنكار المشركين البعث بعد الموت، وإثباته بالقسم العظيم بالله تعالى من النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم على وقوع المعاد: قُلْ: بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ. وذكرت اتهامهم الباطل للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه مفتر أو مجنون، ثم أكدت ثبوت قدرة الله تعالى بخسف الأرض وإسقاط السماء.

وتلاها تعداد النعم التي أنعم الله بها على داود وسليمان، وأهل سبأ كتسخير الطير والجبال للتسبيح مع داود، وتسخير الريح لسليمان عليهما السلام، وجعل الحدائق والثمار الطيبة لملوك اليمن أهل سبأ.

ثم تحدثت السورة عن أدلة وجود الله ووحدانيته، وتفنيد مزاعم المشركين في عبادة الأوثان، وإظهار صورة من الجدل العنيف بين الأتباع الكفرة والمتبوعين المخذولين يوم القيامة، وإلقاء كل من الفريقين التبعة على الآخر.

وأبانت عموم الرسالة الإسلامية- المحمدية لجميع الناس، وهددت بالحساب العسير والجزاء الأليم يوم القيامة، وأن المترفين في كل زمان هم أعداء الرسل لاغترارهم بأموالهم وأولادهم، وأن الله راض عنهم فلا يعذبهم، وأن الله سيسأل الملائكة يوم الحشر، هل طلبوا من المشركين عبادتهم؟.

تم حكت السورة إنكار المشركين للقرآن وأنه في زعمهم مفترى ليس بوحي، ووعظتهم بما عوقب به من قبلهم، وطالبتهم بالتأمل والتفكر في أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم ليس بمفتر ولا مجنون، وإنما هو نذير بين يدي عذاب شديد، وأنه لا يطلب أجرا على دعوته، بل أجره على ربه. وختمت السورة بدعوة المشركين إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، قبل أن يأتي يوم القيامة، فيطلبون العودة إلى دار الدنيا للإيمان بالقرآن وبالرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، والإتيان بصالح الأعمال، ولكن يحال بينهم وبين ما يشتهون، لفوات الأوان.


35- سورة فاطر

* محور السورة وموضوعها الأساسي: تعقيب على سورتي (الأحزاب وسبأ) يؤكد أن الاستسلام لله سبحانه وتعالى ليس فقط طريقًا إلى الجنة في الآخرة ولكنه أيضًا سبب للعزة في الدنيا [آية (10) وآية (15) آيتان محوريتان لمعنى السورة].

* يتم ذلك من خلال: استعراض الآيات الكونية والتاريخية التي تؤكد أن العزة إنما تكون فقط في جناب الله وأن الخسران في البعد عنه سبحانه وتعالى.

تسميتها:

تسمى سورة «فاطر» لافتتاحها بهذا الوصف لله عز وجل الدال على الخلق والإبداع والإيجاد للكون العظيم، والمنبئ عن عظمة الخالق وقدرته الباهرة. كما تسمى أيضا سورة «الملائكة» لأنها أفادت في مطلعها أيضا أن الله سبحانه جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغهم رسالاته وأوامره.

مناسبتها لما قبلها:

قال السيوطي: مناسبة وضعها بعد سبأ: تآخيهما في الافتتاح بالحمد، مع تناسبهما في المقدار.

وتظهر صلتها أيضا بما قبلها في أنه لما أبان تعالى في ختام سورة سبأ هلاك الكفار وتعذيبهم أشد العذاب، فقال: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ اقتضى أن يذكر ما يلزم المؤمنين من الحمد والشكر لله تعالى على ما اتصف به من قدرة الخلق والإبداع، وإرسال الملائكة رسلا إلى الأنبياء لتبليغ الرسالة والوحي.

مشتملاتها:

موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية في العقيدة من الدعوة إلى توحيد الله، وإقامة البراهين على وجوده، وهدم قواعد الشرك، والإلزام بمنهج الاستقامة على دين الله وأخلاق الإسلام.

وقد اشتملت هذه السورة في فاتحتها ومقدمتها على بيان الأدلة الدامغة على قدرة الله عز وجل بإبداع الكون، وجعل الملائكة رسلا بينه وبين أنبيائه لتبليغ الوحي. ثم ذكّرت الناس بنعم الله ليشكروها، وحذرت من وساوس الشيطان، وأبانت الفرق المتميز بين جزاء الكفار وجزاء المؤمنين الأبرار، وميّزت بين المؤمن والكافر بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور.

وأوضحت مظاهر القدرة الإلهية، وأقامت الأدلة والبراهين على البعث في سجل هذا الكون من إنزال الغيث، وإنبات الزرع والثمار، وخلق الإنسان في أطوار، وعزل البحر المالح عن البحر العذب، وتعاقب الليل والنهار، وإيلاج أحدهما في الآخر، وتسخير الشمس والقمر، واختلاف ظواهر الجبال والناس والدواب والأنعام، ومزية العلماء.

وأعلنت إرسال النبي صلّى الله عليه وسلّم بالحق بشيرا ونذيرا، كما أرسل نذير في كل أمة، وثبّتت قلبه بذكر قصص المكذبين السابقين للأنبياء.

وأشادت بمن يتلو كتاب الله، ويقيم الصلاة، وينفق من رزق الله سرا وعلانية، وأبانت أن القرآن مصدّق للكتب السماوية السابقة، وفاخرت بميراث الأمة الإسلامية لأشرف رسالة، وذكرت انقسام الأمة إزاءها إلى أنواع ثلاثة:

ظالم مقصّر، ومحسن مقتصد، وسابق بالخيرات، وحددت جزاء كل نوع في عالم الآخرة.

ثم ذكرت جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، ووصفت عاقبة كل منهم وما أعد له يوم القيامة. وختمت السورة بتقريع المشركين في عبادتهم الأوثان والأصنام، وأنذرتهم بعاقبة الذين من قبلهم الذين كانوا أشد منهم قوة، وقرنت هذا الإنذار برحمة الله العامة للناس جميعا حيث لم يعاجلهم العقوبة، وإنما يؤخرهم إلى أجل مسمى.


36- سورة يس

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هناك نوع آخر من الاستسلام لله سبحانه وتعالى وهو الاستسلام على طريق الدعوة فالمؤمن يتعبد لله بالدعوة التي أمرنا الله بها ويصر على ذلك سواءً اهتدى الناس أم لا فالسورة تثبيت وتشجيع للنبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم على الاستمرار في الدعوة لأنها نزلت قبل الهجرة والشعور السائد أن أهل مكة لا فائدة منهم فهل تستمر الدعوة؟

* يتم ذلك من خلال: التركيز على قضية الموت والحياة من خلال عرض نموذجين من الناس: ناس ما زال في قلوبهم حياة وناس مطموس على قلوبهم لا فائدة منهم ولكن لأن المؤمن لا يعلم حقيقة أمرهم فعليه أن يستمر في الدعوة

ملاحظة: السورة تُقرأ على المحتضر لأنها تكلم من لا يزال قلبه ينبض بالحياة لعله يرجع للحق قبل موته.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- بعد أن ذكر تعالى في سورة فاطر قوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [37] وقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ [42] والمراد به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد أعرضوا عنه وكذبوه، افتتح هذه السورة بالقسم على صحة رسالته، وأنه على صراط مستقيم، وأنه أرسل لينذر قوما ما أنذر آباؤهم.

2- هناك تشابه بين السورتين في إيراد بعض أدلة القدرة الإلهية الكونية، فقال تعالى في سورة فاطر: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [13] وقال في سورة يس: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [37- 38] .

3- وقال سبحانه في فاطر: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ [12] وقال في يس: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [41] .

  مشتملاتها:

تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية المفتتحة بأحرف هجائية الكلام عن أصول العقيدة من تعظيم القرآن الكريم، وبيان قدرة الله ووحدانيته، وتحديد مهام النبي صلّى الله عليه وسلّم بالبشارة والإنذار، وإثبات البعث بأدلة حسية مشاهدة من الخلق المبتدأ والإبداع الذي لم يسبق له مثيل.

وقد بدئت السورة بالقسم الإلهي بالقرآن الحكيم على أن محمدا رسول حقا من رب العالمين لينذر قومه العرب وغيرهم من الأمم، فانقسم الناس من رسالته فريقين: فريق معاند لا أمل في إيمانه، وفريق يرجى له الخير والهدى، وأعمال كل من الفريقين محفوظة، وآثارهم مدونة معلومة في العلم الأزلي القديم.

ثم ضرب المثل لهم بأهل قرية كذبوا رسلهم واحدا بعد الآخر، وكذبوا الناصح لهم وقتلوه، فدخل الجنة، ودخلوا هم النار. وأعقب ذلك تذكيرهم بتدمير الأمم المكذبة الغابرة.

وانتقل البيان إلى إثبات البعث والقدرة والوحدانية بإحياء الأرض الميتة، وبيان قدرة الله الباهرة في الكون من تعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب السيارة والثابتة، وتسيير السفن في البحار.

وإزاء ذلك هزم الجاحدون، وأنذروا بالعقاب السريع، وفوجئوا بنقمة الله في تصوير أهوال القيامة، وبعثهم من القبور بنفخة البعث والنشور، فأعلنوا  ندمهم، وصرحوا بأن البعث حق، ولكن لم يجدوا أمامهم إلا نار جهنم، وكانوا قد وبخوا على اتباع وساوس الشيطان، وأعلموا أن الله قادر على مسخهم في الدنيا.

وأما المؤمنون فيتمتعون بنعيم الجنان، ويحسون بأنهم في أمن وسلام من رب رحيم.

ثم نفى الله تعالى كون رسوله شاعرا، وأعلم الكافرين أنه منذر بالقرآن المبين أحياء القلوب، وذكّر الناس قاطبة بضرورة شكر المنعم على ما أنعم عليهم من تذليل الأنعام، والانتفاع بها في الطعام والشراب واللباس.

وندد الله تعالى باتخاذ المشركين آلهة من الأصنام أملا في نصرتها لهم يوم القيامة، مع أنها عاجزة عن أي نفع، وهم مع ذلك جنودها الطائعون.

وختمت السورة بالرد القاطع على منكري البعث بما يشاهدونه من ابتداء الخلق، وتدرج الإنسان في أطوار النمو، وإنبات الشجر الأخضر ثم جعله يابسا، وخلق السموات والأرض، وإعلان القرار النهائي الحتمي الناجم عن كل ذلك، وهو قدرة الله الباهرة على إيجاد الأشياء بأسرع مما يتصور الإنسان، وأنه الخالق المالك لكل شيء في السموات والأرض.

والخلاصة: أن السورة كلها إيقاظ شديد للمشاعر والوجدان، وتحريك قوي للأحاسيس، وفتح نفّاذ للقلوب، لكي تبادر إلى الإقرار بالخالق وتوحيده، والإيمان بالبعث والجزاء.


37- سورة الصافات

سبب التسمية: اصطفاف الملائكة بين يدي الله استسلامًا وطاعة وخضوعًا وانتظارًا للأمر لتنفيذه.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: معظم الأوامر الشرعية لها حكمة ظاهرة ولكن الإسلام معناه التسليم لأمر الله حتى وإن لم تظهر لنا حكمة فاستسلم لأمر الله عز وجل وإن لم تفهم الحكمة.

* يتم ذلك من خلال: استعراض لمواقف الناس في الدنيا والآخرة لبيان أن من يستسلم لله طوعًا في الدنيا فهو من الفائزين في الآخرة وأن من لا يستسلم لله في الدنيا لأمر الله الشرعي فهو مستسلم قطعًا لأمر الله القدري في الدنيا ولعذاب الله في الآخرة.

ملاحظة: الآيات الكونية المذكورة هنا تتناسب مع موضوع السورة وجوها العام (الموت والنهاية) فكل مخلوق له نهاية حتى الشمس والقمر. وهذه قاعدة قرآنية وهي أن الآيات الكونية في كل سورة تأتي متناسقة مع موضوع السورة وجوها العام.

(ملاحظة) أي سورة تبدأ بوصف الملائكة فهي تتكلم عن الخضوع والتسليم لله باعتبار الملائكة مثل على ذلك.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث:

1- وجود الشبه بين أول هذه السورة وآخر يس السورة المتقدمة في بيان قدرته تعالى الشاملة لكل شيء في السموات والأرض، ومنه المعاد وإحياء الموتى، لأن الله تعالى كما في يس هو المنشئ السريع الإنجاز للأشياء، ولأنه كما في مطلع هذه السورة واحد لا شريك له، لأن سرعة الإنجاز لا تتهيأ إلا إذا كان الخالق الموجد واحدا.

2- هذه السورة بعد يس كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان في تفصيل أحوال القرون الماضية، المشار إليهم وإلى إهلاكهم في سورة يس المتقدمة في قوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [31] .

 3- توضح هذه السورة ما أجمل في السورة السابقة من أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين في الدنيا والآخرة.

    مشتملاتها:

موضوع هذه السورة كسائر السّور المكية في بيان أصول الاعتقاد: وهي التوحيد، والوحي والنبوة، وإثبات البعث والجزاء.

وقد تحدثت عن مغيبات ثلاثة: هي الملائكة، والجنّ، والبعث والجزاء في الآخرة، فابتدأت بالكلام عن الملائكة الصّافات قوائمها أو أجنحتها في السماء استعدادا لتنفيذ أمر الله، والزّاجرات السّحاب لتصريفه كيفما يشاء الله، والذين أقسم الله بهم للدلالة على التوحيد وخلق السموات والأرض، وتزيينها بالكواكب.

ثم أشارت إلى الجنّ ومطاردتهم بالشّهب الثاقبة المرصودة لهذا الغرض، للرّدّ على المشركين الجاهليين الذين زعموا وجود نسب وقرابة بين الله تعالى وبين الجنّ، وأبانت موقف المشركين من البعث وإنكاره وأحوالهم في الدنيا والآخرة، وردت عليهم ردّا قاطعا حاسما بأنهم محشورون في زجرة صيحة واحدة وهم داخرون أذلة صاغرون وأنهم لا يفتنون إلا ذوي العقول الضعيفة، وتوبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله، وتنزيه الله عن ذلك.

وأبانت هذه السورة أيضا سوء أحوال الكافرين في القيامة، وذكرتهم بالحوار الذي دار بينهم وبين المؤمنين في الدنيا، ثم حسمت الأمر ببيان مآل كل من الفريقين، حيث يخلد المؤمنون في الجنة التي وصف نعيمها، ويخلد الكافرون في النار التي وصف جحيمها، للعبرة والعظة وبيان العاقبة.

وناسب هذا الاستعراض التذكير الموجز بقصص بعض الأنبياء السابقين، وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس عليهم السلام. ولكنها فصّلت قصة إبراهيم في موقفين حاسمين: أولهما- تحطيمه الأوثان. وثانيهما- إقدامه على ذبح ابنه، ليتجلى للناس جميعا مدى (الإيمان والابتلاء والتضحية) فإنه بادر لتنفيذ أمر ربّه، ممتحنا صبره، مجتازا بالإيمان والصدق محنة الابتلاء، مضحيّا في سبيل رضوان الله بابنه الذي رزقه، فأكرمه الله بالفداء الذي جعل سنّة في الأضحية.

كذلك فصلت السورة قصة يونس عليه السلام العجيبة، وإنقاذه من بطن الحوت، لتوبته وكونه من الذاكرين الله، المصلّين له.

وختمت السورة بالإشارة إلى ما بدئت به من وصف الملائكة بأنهم الصّافون المسبّحون، وبيان نصرة الله لأنبيائه وأوليائه في الدنيا والآخرة، ومدح المرسلين وسلام الله عليهم، وتنزيه الله عن أوصاف المشركين، وثناؤه على نفسه وحمده لذاته بأنه رب العزة ورب العالمين.


38- سورة ص

* محور السورة وموضوعها الأساسي: من الاستسلام لله العودة للحق بسرعة عند الخصومة بلا عناد لأن المستكبر لا يعود للحق ويصر على خطئه عنادًا واستكبارًا ولكن المؤمن المستسلم لله إن رأى الحق في غير ما هو عليه يعود إليه حالاً.

* يتم ذلك من خلال :

عرض لثلاثة نماذج لأنبياء حدثت خصومة أمامهم فرجعوا إلى الحق بسرعة.

سبب التسمية: حرف (ص) أقوى حرف في لفظ (الخصومة).

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجهين:

الأول- أن الله تعالى حكى في آخر سورة الصافات التي قبلها قول الكفار:

لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ثم كفروا به، ثم افتتح هذه السورة بالقسم بالقرآن ذي الذكر، لتفصيل المجمل هناك.

الثاني- أن هذه السورة بعد الصافات، كطس- النمل بعد الشعراء، وكطه والأنبياء بعد مريم، وكيوسف بعد هود، في كونها متممة لها بذكر من بقي من الأنبياء ممن لم يذكر في تلك، مثل داود، وسليمان، وأيوب، وآدم، وأشار إلى بقية من ذكر.

       مشتملاتها:

موضوع هذه السورة كسائر السور المكية في بيان أصول العقيدة الإسلامية «التوحيد، والنبوة، والبعث» من خلال مناقشة المشركين في عقائدهم المناقضة لتلك الأصول، وإيراد قصص الأنبياء للعظة والعبرة، وبيان حال الكفار والمشركين يوم القيامة، ووصف عذاب أهل النار، ونعيم أهل الجنة.

ابتدأت السورة بالوصف الناقد لصفات المشركين من الكبرياء وإباء الحق والإعراض عنه، مع تذكيرهم بعاقبة الماضين الذين حادوا عن الحق، فهلكوا، مثل قوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة.

ومن أهم تلك الصفات ثلاث: إنكار الوحدانية، وإنكار نبوة محمد ص، وإنكار البعث والحساب.

ثم ذكرت قصة داود وسليمان وأيوب مفصلا، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل مجملا عليهم السلام.

وانتقل البيان إلى الغاية الكبرى وهي إثبات البعث والحساب ووصف نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار.

ثم توجهت السورة بقصة بدء الخلق- قصة آدم عليه السلام وسجود الملائكة له إلا إبليس، وطرده من الجنة، وصبّ اللعنة عليه إلى يوم القيامة، وتوعده وأتباعه بملء جهنم منهم.

وختمت السورة ببيان إخلاص النبي ص في تبليغ رسالته دون طلب أجر، مما يدل على نبوته، وأردفه بإعلان كون القرآن رسالة للثقلين: الإنس والجن، وأن المشركين بعد موتهم يعلمون حقيقة أمره.


39- سورة الزّمر

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هي سورة الإخلاص لله فالإخلاص هو سبيل القبول عند الله وسبيل قبول التوبة فمن شك في وجود رياء أو ضعف في الإخلاص فليقرأ سورة الزمر فالإخلاص لله في كل العبادات وكل الحركات والسكنات هو محور السورة

* يتم ذلك من خلال:

 جولات بالقلب البشري تهزه وتوقظه وتنقيه من الشبهات وتدفع به في طريق الإخلاص وتعيش به في ظلال الآخرة معظم الوقت.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة ص من وجهين:

الأول- إنه تعالى ختم سورة ص واصفا القرآن بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وابتدأ هذه السورة بقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل، فهما كالآية الواحدة، بينهما اتصال وتلاحم شديد.

الثاني- ذكر تعالى في آخر ص قصة خلق آدم عليه السلام، وذكر في القسم الأول من هذه السورة أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد، متصلا بخلق آدم المذكور في السورة المتقدمة.

   مشتملاتها:

موضوع هذه السورة الحديث عن التوحيد وأدلة وجود الله ووحدانيته، وعن الوحي والقرآن العظيم.

ابتدأت هذه السورة ببيان تنزيل القرآن الكريم من الله تعالى على رسوله ص، وأمر الرسول ص بإخلاص الدين لله، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، وتوضيح شبهة المشركين في اتّخاذ الأصنام آلهة شفعاء، وعبادتها وسيلة إلى الله تعالى، والنّعي عليهم في عبادة الأوثان.

وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على وحدانية الله، من خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وخلق الإنسان في أطوار مختلفة متعاقبة، ثم نددت بطبيعة المشرك وتناقضه حين يدعو الله حال الضر، وينساه حال الرخاء. ثم عادت لإيراد بعض هذه الأدلة كإنزال المطر وإنبات النبات.

ثم ذكرت مقارنة بين المؤمنين وبين الكافرين، حيث يسعد الأوائل في الدنيا والآخرة، ويشقى الآخرون فيهما، ويتمنون الفداء حين يرون العذاب.

وأشادت بعظمة القرآن الكريم حيث تقشعر من آياته جلود المؤمنين الخائفين، ثم تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله، على عكس المشركين الذين تنقبض قلوبهم عند سماع توحيد الله، كما أن القرآن يتضمن أمثالا للناس لعلهم يتذكرون.

ومن هذه الأمثال يتضح الفرق بين من يعبد إلها واحدا، وبين من يعبد آلهة متعددة لا تسمع ولا تجيب، كالعبد المملوك لسيد واحد، والمملوك لعدة شركاء متخاصمين فيه. ثم رد تعالى على المشركين الذين يتخذون الأصنام شفعاء من دون الله، ولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون. وأخبر الله تعالى عن موت النّبي ص وموت أصحابه، وأن الله هو المهيمن على الأرواح، فيتوفّى بعضها في أجلها، ويترك بعضها إلى أجل آخر.

ثم فتح باب الأمل أمام المسرفين، ووعدهم بمغفرة ذنوبهم إذا تابوا، وأوضح ما يرى على وجوه الذين كذبوا على الله أهل النار يوم القيامة من كآبة وحزن.

وأعقب ذلك ببيان أحوال القيامة، وحدوث نفختين: الأولى للإماتة، والثانية للإحياء من القبور، ثم يأتي الحساب والقضاء بالحق، وإيفاء كل نفس ما عملت.

وختمت السورة بتقسيم الناس يوم القيامة فريقين: فريق الكافرين الذين يساقون زمرا وجماعات إلى جهنم، ويشاهدون من أهوال المحشر، وفريق المؤمنين الذين يساقون إلى الجنان وتحييهم الملائكة، ويشاهدون في الجنة النعيم المقيم الذي يستدعي الحمد التام لله رب العالمين، ويرون الملائكة حافين حول العرش يسبحون بحمد ربهم.


40- سورة غافر

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هي سورة التفويض لله أثناء الدعوة لله وبيان أهمية الدعوة وأهمية تفويض الأمر كله لله لمواجهة المصاعب أثناء الدعوة لأن الدعوة إلى الله عز وجل هي أهم واجب للفرد المسلم وللأمة المسلمة كلها فالسورة تقول: ادعُ إلى الله ولا تخش في الله لومة لائم وتوكل على الله وفوض أمرك إليه ولا تخف وتذكر أن الدعوة يصاحبها مشاكل وصعوبات ففوض الأمر كله لله يحفظك الله والأمة كلها مطالبة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

* يتم ذلك من خلال:

 استعراض لقصص بعض الدعاة وبيان منهج الدعوة وأساليبها في إطار التفويض لله والتوكل عليه والصبر على تكاليف الدعوة ثقة في وعد الله الحق.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبه هذه السورة لما قبلها من ناحيتين:

الأولى- التشابه في الموضوع: فقد ذكر في كل من السورتين أحوال يوم القيامة وأحوال الكفار في يوم المحشر.

الثانية- الترابط بين خاتمة السورة السابقة ومطلع هذه السورة، فقد ذكر في نهاية سورة الزمر أحوال الكفار الأشقياء والمتقين السعداء، وافتتحت سورة غافر بأن الله غافر الذنب لحث الكافر على الإيمان وترك الكفر.

ومناسبة الحواميم السبع لسورة الزمر: تشابه الافتتاح بتنزيل الكتاب ورتبت الحواميم إثر بعضها، لاشتراكها بفاتحة حم وبذكر الْكِتابِ بعد حم وأنها مكية، بل ورد في حديث أنها نزلت جملة واحدة، وفيها شبه من ترتيب ذوات (الراء) الست. ذكر السيوطي عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب السور: أن الحواميم نزلت عقب الزمر، وأنها نزلت متتاليات كترتيبها في المصحف: المؤمن، ثم السجدة، ثم الشورى، ثم الزخرف، ثم الدخان، ثم الجاثية، ثم الأحقاف، ولم يتخللها نزول غيرها، وذلك مناسبة واضحة لوضعها هكذا.

ويقال لها أيضا: آل حم، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: آل حم ديباج القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن لكل شيء لبابا، ولباب القرآن آل حم، أو قال: الحواميم.

وقال النبي ص: «لكل شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم» .

وقال رسول الله ص لأصحابه في بعض الغزوات- فيما رواه أبو عبيد-: «إن بيّتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرون- أو لا تنصرون» .

وروى الحافظ أبو بكر البزار والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله ص: «من قرأ آية الكرسي، وأول حم المؤمن، عصم ذلك اليوم من كل سوء» .

 

   مشتملاتها:

سورة غافر والحواميم السبع مكية، فهي تعنى بأصول العقيدة كسائر السور المكية، لذا جاءت آياتها عنيفة شديدة التأثير لإثبات وحدانية الله وتنزيل القرآن والبعث، ووصف ملائكة العرش، وإنهاء الصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل أو فريق الهدى وفريق الضلال.

وقد ابتدأت بإعلان تنزيل الكتاب الكريم من الله المتصف بالصفات الحسنى، وهاجمت الكفار الذين يجادلون بالباطل، ثم وصفت مهام ملائكة العرش. وأخبرت عن طلب أهل النار الخروج منها لشدة العذاب، ورفض هذا الطلب، وأقامت الأدلة على وجود الله القادر، وخوّفت من أهوال القيامة، وأنذرت الكفار من شدائد ذلك اليوم.

ثم لفتت الأنظار لموضع العبرة من إهلاك الأمم الغابرة وهو كفرهم بالآيات البيّنات التي جاؤوا بها، وخصّت بالذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان وقارون، وما دار من حوار بين فرعون وقومه وبين رجل من آل فرعون يكتم إيمانه، وما فعله فرعون الطاغية من قتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، خشية انتشار الإيمان في قومه، وانتهاء القصة بهلاك فرعون بالغرق في البحر مع جنوده، ونجاة موسى وقومه جند الإيمان في ذلك العصر.

وتلك هي قصة الإيمان والطغيان.

وقد أردف ذلك بإعلان خذلان الكافرين، ونصر الرسل والمؤمنين نصرا مؤزرا في الدنيا والآخرة.

وختمت القصة بأمر النبي ص بالصبر على أذى قومه كما صبر موسى وغيره من أولي العزم.

ثم أوردت السورة الأدلة الكونية الدالة على وحدانية الله وقدرته، وضربت المثل للمؤمن بالبصير، وللكافر بالأعمى، فالمؤمن نيّر القلب والبصيرة بنور الله، والكافر مظلم النفس يعيش في ظلمة الكفر.

وأتبعت ذلك ببيان نعم الله على عباده من الأنعام والفلك وغيرها.

وختمت السورة بما يؤكد الغرض المهم منها: وهو الاعتبار بمصرع الظالمين المكذبين، وما يلقونه من أصناف العذاب، ومبادرتهم إلى الإيمان حين رؤية العذاب، ولكن لا ينفعهم ذلك، فإن سنّة الله الثابتة ألا يقبل إيمان اليأس أو حال رؤية البأس.


41- سورة فصّلت

* محور السورة وموضوعها الأساسي: كل الحواميم (فصلت إلى الأحقاف) تحمل نفس الموضوعات لكن لكل سورة طابعها الخاص وكلها وحدة واحدة تمثل مرحلة انتقالية بين الدعوة إلى الله (غافر) وقبل المواجهة والقتال في سبيل الله ونصرة الدين (محمد) لذلك نزلت بينهما(1) فهدف السورة: أنتم يا أمة محمد صلّى الله عليه وسلم مسئولون عن حمل أمانة القرآن فعليكم واجبات وهناك محاذير وخذوا العبرة من تاريخ بني إسرائيل.

* يتم ذلك من خلال :

         بيان قيمة وعظمة القرآن.

         بيان مسؤولية أمة محمد صلّى الله عليه وسلم في حمل أمانة الكتاب بعد تخلي أمة موسى عليه السلام عن الأمانة.

         بيان المسؤولية الأخلاقية على هذه الأمة مثل: الصبر والصفح والإمهال حتى يتم عرض الكتاب والدعوة به وإليه.

        بيان أهمية الوحدة والائتلاف وخطورة الفرقة التي تؤدي للضعف والتخلي عن أمانة حمل الكتاب.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبتها لما قبلها وهي سورة غافر من وجهين:

الأول- افتتاح كلتيهما بوصف الكتاب الكريم وهو القرآن العظيم.

الثاني- اشتراكهما في تهديد ووعيد وتقريع المشركين المجادلين في آيات الله في مكة وغيرها، ففي آخر السورة المتقدمة توعدهم بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [82] ، وفي القسم الأول من هذه السورة هددهم مرة أخرى بقوله:

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [13] . وهذا كله مناسب لآخر سورة المؤمن من عدم انتفاع مكذّبي الرّسل حين رؤية العذاب، كما أن قريشا لم ينتفعوا حينما حلّ بصناديدهم القتل والأسر والنهب والسّبي، واستؤصلوا مثلما حلّ بعاد وثمود من استئصال.

 

     مشتملاتها:

موضوع هذه السورة مثل موضوع باقي السّور المكية وهو إثبات أصول العقيدة: «الوحدانية، الرّسالة والوحي، البعث والجزاء» .

ابتدأت بوصف القرآن العظيم بأنه المنزّل من عند الله بلسان عربي مبين، والذي يبيّن أدلة قدرة الله وتوحيده، وكونه المبشّر المنذر، والذي يثبت صدق النّبي محمد ص فيما جاء به من عند ربّه.

وأبانت موقف المشركين وإعراضهم عن تدبّره، وقررت حقيقة الرسول ص وأنه بشر خصّه الله تعالى بالوحي المتضمن إعلان وحدانية الله عزّ وجلّ، وإيضاح جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات.

ثم أنكرت على المشركين الكفر، وأقامت الأدلة على وحدانية الله من خلق السموات والأرض، وأنذرتهم بإنزال عقاب مماثل لعقوبة الأمم الغابرة، كعاد وثمود الذين أهلكوا ودمرت ديارهم بسبب تكذيب رسل الله، ولكن بعد إنجاء المؤمنين المتّقين.

وحذّرت من حساب القيامة، وأخبرت بأن أعضاء الإنسان تشهد عند الحشر على أصحابها، وأن قرناء السوء زيّنوا لهم أعمالهم، وأنّهم هم صدّوا عن سبيل الله ودينه، وقالوا: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ وطلبوا إهانة من أضلوهم ليكونوا من الأسفلين.

وفي مواجهة أولئك أشاد تعالى بأهل الاستقامة وبشّرهم بالجنة والكرامة، ووصف من يلقّى الجنة وهم الصابرون على طاعة الله تعالى. ثم عاد الله تعالى إلى إيراد أدلة أخرى من إيجاد العالم العلوي والسفلي على وجود الله ووحدانيته وقدرته، وبيان إحكام القرآن وكونه كتاب هداية وشفاء ورحمة، وأن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها دون جور ولا ظلم.

وأعقب ذلك التعريف بعلم الله المحيط بكل شيء، والإشارة لعظيم قدرته، والكشف عن طبع الإنسان من التّكبر عند الرّخاء، والتّضرع عند الشدة والعناء.

وختمت السورة بوعد الله أن يطلع الناس في كل زمان على بعض أسرار الكون والتّعرف على آيات الله في الآفاق والأنفس الدالة على الوحدانية والقدرة الإلهية، ثم ذكرت أن المشركين يشكون في البعث والحشر، ولكن الله محيط بهم وبكل شيء، وذلك ردّ حاسم عليهم.


42- سورة الشورى

* محور السورة وموضوعها الأساسي: بما أنكم مسؤولون عن الكتاب فاحذروا الفرقة فالسورة تقول للمؤمنين عليكم بالشورى عند الاختلاف فهي ضمانة لعدم تمزق الأمة كما تمزقت الأمم السابقة.

* يتم ذلك من خلال:

تنبيه للجماعة المؤمنة أن دورها المعين لها كقيادة جديدة وأخيرة للبشرية يلزمها بعدم التفرق والاختلاف المذموم لكي يتمكنوا من إقامة الدين وحمل أمانة هذا الكتاب

ملاحظة: سورة الشورى هي أكثر سورة تكلمت عن الوحدة والفرقة إذ ذكر فيها كلمة الفرقة أربع مرات.

تسميّتها:

سميت (سورة الشورى) لوصف المؤمنين فيها بالتشاور في أمورهم:

وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [38] ولأن الشورى في الإسلام قاعدة النظام السياسي والاجتماعي بل والخاص في الحياة، لما لها من مكانة، وأهمية بالغة في تحقيق المصلحة والغاية الناجحة، ولأن الاستبداد يؤدي دائما إلى أوخم العواقب:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به على الدوام ورأي الفرد يشقيها «1»

 

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها فيما يلي:

1-     وصف الكتاب العزيز، وتأكيد نزول الوحي به على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإثبات الساعة (يوم القيامة) .

2- مناقشة عقائد الكفار وتهديدهم ووعيدهم، وإثبات وجود الله ووحدانيته وحكمته وقدرته بالأدلة الكونية المشاهدة، وبالمخلوقات الأرضية الصناعية وغيرها.

3- ترغيب المؤمنين بالاستقامة المؤدية إلى الجنة ونعيمها، وتحذير الكافرين من الانحراف أو الإعراض عن هداية الله المؤدي إلى النار وأهوالها.

4- تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم عما يلقاه من أذى قومه ومطاعنهم.

 

  ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر السور المكية مختص بالعقيدة القائمة على الإيمان بوحدانية الله، وصحة الرسالة النبوية، والتصديق بالبعث والجزاء، ومحورها الأساسي الكلام عن ظاهرة الوحي.

لذا ابتدأت بالحديث عن الوحي الذي أنزله الله على جميع الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى الناس.

ثم عرضت لما لله من هيبة وجلال تكاد السموات تتفطر منهما، وأن الملائكة تستغرق في تسبيحه وتمجيده، وأنه الرقيب على أعمال المشركين، ثم انتقلت إلى بيان كون القرآن عربيا، وأن الإيمان بالله اختياري لا قسري.

ثم أبانت أسباب الاختلاف في الأمة المسلمة وطريق علاجها بتحكيم كتاب الله، وأوضحت ضرورة اختلاف الشرائع الإلهية الموحى بها في الجزئيات حسبما يتفق مع مصلحة البشر، مع اتفاقها في الأصول الاعتقادية والإصلاحية والعبادات، ثم نددت بالمختلفين في الأديان وجعلت خلافهم بغيا وعدوانا وظلما، فالدين واحد في أصله، ورسالات الأنبياء تكمل بعضها بعضا، وبينها قدر مشترك هو الإسلام، أي الانقياد والخضوع لله عز وجل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ... الآية [13] .

ثم فنّدت حجة المنكرين لرسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد أن تبين صدقها وصحتها، وهددت باقتراب الساعة التي يستعجل بها المشركون ويشفق منها المؤمنون، وقرنت التفنيد والتهديد بتهويل العذاب الشديد المنتظر يوم القيامة، وبوصف نعيم الجنان وروضاتها لتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

وتحدثت عن مبدأين ضروريّي المعرفة لكل إنسان في الدنيا: وهما أن الرزق بيد الله ينزله بحسب المصلحة، وأن العامل للدنيا وحدها يحرم خير الآخرة، والعامل للآخرة يمنح خير الدنيا معها.

ثم أقامت الأدلة على وجود الله من خلق السموات والأرض وما فيهما والتصرف بهما والقدرة عليهما، وإجراء السفن في البحار، فكل ذلك أثر صنع الله.

وأعقبت ذلك بالإشادة بمن يعمل للآخرة، ويجتنب الفواحش، ويعفو عند المقدرة، ويستحب لربه، ويقيم الصلاة، ويستشير أهل الخبرة والمعرفة، وينتصر من أهل البغي والعدوان، ويؤثّر العفو والصفح والصلح، ويقتصر على الجزاء بالمثل، ويصبر في المحنة.

وأردفت ذلك ببيان أهوال النار وخسارة أهلها، وفقدانها النصر، وتمنيهم العودة إلى الدنيا حين رؤية العذاب، وهم أذلة صاغرون. وناسب هذا دعوة الناس جميعا إلى الاستجابة لدعوة الله والانقياد لحكمه وشرعه قبل المفاجأة بيوم القيامة الذي لا شك فيه ولا مرد له: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ... [47] .

والاستجابة تكون تلقائية اختيارية لا قهر فيها، وما على الرسول إلا البلاغ.

ثم ختمت السورة أولا بتأكيد كون ملك السموات والأرض لله، يهب الأولاد أو لا يهب بحسب المشيئة، وثانيا ببيان أقسام الوحي، وعظمة القرآن خاتم الكتب السماوية، والذي هو نور الله الهادي إلى صراط مستقيم، ليتناسق الختام مع مطلق السورة بالحديث عن هذا الكتاب العزيز: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [52] .


43- سورة الزخرف

 

* محور السورة وموضوعها الأساسي: أنتم أيها المؤمنون مسؤولون عن هذا الكتاب الأخير (القرآن) وعن إقامة الدين فإياكم والمظاهرة المادية التي ينبهر بها كثير من الناس فتضيع الرسالة.

* يتم ذلك من خلال: استعراض لأنواع المظاهر المادية الخادعة التي تؤدي إلى التكذيب وعدم الإيمان.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حم من وجهين:

الأول- تشابه مطلع هذه السورة مع مطلع وخاتمة السورة المتقدمة في وصف القرآن الكريم، وبيان مصدره: وهو الوحي الإلهي.

الثاني- التشابه في إيراد الأدلة القاطعة على وجود الله عز وجل ووحدانيته، ووصف أحوال الآخرة ومخاوفها وأهوال النار التي يتعرض لها الكفار، ومقارنته بنعيم الجنة وإعداده للمؤمنين المتقين.

مشتملاتها:

موضوع هذه السورة كسائر السور المكية يتعلق بغرس أصول العقيدة الإسلامية في النفوس، وهي: الإيمان بالله عز وجل وحده لا شريك له، والرسالة والنبوة والوحي، والبعث والجزاء.

بدأت السورة ببيان مصدر القرآن العظيم وهو الوحي الإلهي وتأكيد عربيته ومصداقيته، وجعله معجزة الإسلام والنبي صلّى الله عليه وسلّم الخالدة إلى يوم القيامة، وكونه أداة إنذار قريش وقبائل العرب الذين أسرفوا في متع الدنيا، وكذبوا رسولهم كتكذيب من سبقهم من الأمم.

ثم أبانت بنحو قاطع أدلة وجود الله عز وجل وقدرته ووحدانيته من خلق السموات، والأرض وتذليلها وتمهيدها وإيجاد طرقها، وإنزال الغيث النافع عليها، وخلق أصناف (أزواج) الأشياء والفلك (السفن) والأنعام لأهلها، واعتراف المشركين صراحة بأن الخالق هو الله عز وجل.

ولكنهم لوثوا ذلك الاعتراف بالوثنية والخرافة، فعبدوا الأصنام والأوثان، وزعموا أن الملائكة بنات الله، ولم يجدوا مسوغا لتدينهم الفاسد إلا تقليد الآباء والأجداد، فصححت لهم آي القرآن انحرافهم، ونعت جهلهم وسفههم بتلك العبادة الباطلة، والزعم الذي لا دليل عليه، وحذرتهم من إنزال مثل العقاب الذي أهلك به الله أمثالهم من الأمم الغابرة.

وأوردت قصص بعض الأنبياء من أولي العزم كإبراهيم الخليل وموسى وعيسى عليهم السلام ليعتبروا بها ويتعظوا بأحداثها ونتائجها. وأردفت قصة إبراهيم بتفنيد شبهة المشركين حول رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم، حيث اقترحوا إنزالها على أحد رجلين عظيمين من أهل الجاه والثراء في مكة والطائف، لا على يتيم فقير، فرد الله عليهم بأن ميزان الاصطفاء للنبوة هو مقومات أدبية خلقية إنسانية، لا مادية رخيصة، فالدنيا لا تساوي شيئا عند الله تعالى، وأنه خشية أن يكون الناس أمة واحدة على ملة الكفر، لمنحها بجميع زخارفها وأمتعتها الكفار، ومنعها المؤمنين. وحذرتهم عقب ذلك من الإعراض عن ذكر الله، ورغّبتهم في النعيم الأبدي في الآخرة، وامتنّت عليهم بأن القرآن شرف لنبي الله صلّى الله عليه وسلّم ولهم على السواء:

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [44] .

ثم ختمت السورة ببيان وصف نعيم الجنة الذي لا مثيل له، والمخصّص للمؤمنين بآيات الله المسلمين المنقادين لربهم، وإيضاح أهوال القيامة وشدائد الأشقياء أهل النار حيث يتقلّبون في عذاب جهنم، وإفلاسهم من شفاعة الأصنام والآلهة المزعومة، وإعلان اليأس من إيمان هؤلاء المشركين والإعراض عنهم، فسوف يعلمون ما يلقونه من العذاب.


44- سورة الدخان

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تتكلم عن المظاهر المادية من ناحية الجاه والسلطة كسبب للتكذيب.

* يتم ذلك من خلال: عرض نهاية فرعون من جهة أنها جاءت بسبب اغتراره بنعم الله عليه واعتماده على سلطانه.

تسميتها:

سمّيت (سورة الدّخان) لما فيها من تهديد المشركين في الماضي بالجدب والقحط الذي يجعل الجائع كأنه يرى في الفضاء دخانا من شدة الجوع، وتهديد الأجيال المقبلة بظهور الدّخان في السماء مدة أربعين يوما والذي يعدّ أمارة من أمارات السّاعة.

مناسبتها لما قبلها:

تتجلّى مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حاميم من وجوه ثلاثة:

1- افتتاح كلتا السّورتين بالقسم بالقرآن العظيم تنويها به، في قوله تعالى:

حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ.

2- تشابه خاتمة السّورة المتقدّمة ومطلع هذه السّورة، حيث ختمت سورة الزّخرف بالتّهديد والوعيد في قوله تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [83] فذكر يوما غير معيّن ولا موصوفا، ثم أبان وصفه في سورة الدّخان في القسم الأول منها حيث أنذر تعالى المشركين في قوله:

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [10] .

3- حكاية ما قاله النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لقومه وما قاله أخوه موسى عليه السّلام لقوم فرعون، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في السّورة المتقدّمة: يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [88] ، ثم قال اللَّه له: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ: سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [89] ، وحكى اللَّه عن موسى في هذه السّورة: فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [22] ، وقال موسى: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [20- 21] ، والتّشابه واضح في الموقفين.

 

ما اشتملت عليه السّورة:

موضوع سورة الدّخان المكيّة كسائر موضوعات السّور المكيّة وسور آل حاميم السّبع، وهو بيان أصول العقيدة الإسلاميّة: التوحيد، والنّبوة والرّسالة، والبعث.

بدئت السورة ببيان تاريخ بدء إنزال القرآن في ليلة القدر من رمضان، رحمة من اللَّه بعباده، وأن منزله هو مالك الكون كله والمخلوقات جميعها، وأنه هو الإله الحقّ الواحد الذي لا شريك له، غير أن المشركين في شكّ وارتياب من أمر القرآن.

ثم أعدتهم بالعذاب الشديد، وبالدّخان المخيف الذي ينذرهم بأسوأ العواقب، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا.

وأردفت ما سبق بعظتهم بقصة فرعون وقومه مع موسى عليه السّلام، حيث نجّى اللَّه المؤمنين، وأغرق الكافرين في البحر.

ثم وصفت مشركي مكة بأنهم قوم منكرون للبعث في قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى، وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ [35] ، وهدّدتهم بالإهلاك كما أهلك المجرمين الأشدّاء من قبلهم، مثل قوم تبّع الحميري، مع إيراد الدّليل على قدرة اللَّه عزّ وجلّ على كلّ شيء. ثمّ وصفت لهم أهوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والعقاب وطعام الزّقوم في نار جهنم وغير ذلك مما يرهب ويرعب، ويثير المخاوف الشّديدة في النّفوس.

وختمت السّورة بنعت وبيان مصير الأبرار ومصير الفجّار، لترغيب الفريق الأول وتبشيره بالعاقبة الحميدة، وترهيب الفريق الثاني وإنذاره بالنّكال والعذاب الشّديد.


45- سورة الجاثية

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هناك محظور آخر يمنع قبول المنهج أو حمله وهو (التكبر) والذي حقيقته أنه يعني منازعة الله عز وجل في صفة من صفاته وهي صفة (الكبرياء) ولذلك كانت عاقبة المستكبرين المذلة والهوان يوم القيامة [آية (28)].

* يتم ذلك من خلال:

استعراض أنواع من التكذيب للحق يدفع إليه الاستكبار ودعوة لهؤلاء المكذبين إلى الاعتبار بالآيات الكونية والنعم الربانية والبراهين العقلية وأحداث القيامة والبعث والحساب بناءً على التبعة الفردية.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:

1- ابتدأت هذه السورة بالكلام عن تنزيل القرآن من اللَّه تعالى، والذي هو مكمّل لما ختمت به السورة المتقدمة من جعل القرآن بلغة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ولغة قومه العرب، فهو عربي اللسان نصا وفحوى، ومعنى وأسلوبا، وفي ذلك حث على اتباعه والإيمان به.

2-     تشابه السورتين في الغايات الكبرى التي يستهدفها القرآن: وهي إثبات وحدانية اللَّه من خلال بيان أدلة القدرة الإلهية في خلق السموات والأرض، ومناقشة المشركين في عقائدهم الفاسدة، وضرب الأمثال من مصائر الأمم الغابرة التي أهلكها اللَّه لتكذيبهم الرسل.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية، وبخاصة آل حم السور السبعة، وهو تأصيل عقيدة الإسلام الأساسية وإثبات عناصرها وأركانها الثلاثة:

وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والاعتقاد بنزول القرآن من عند اللَّه، وبنبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم ورسالته، والتصديق باليوم الآخر والحساب والبعث والجزاء.

ابتدأت السورة ببيان مصدر القرآن الكريم وهو اللَّه تعالى، وإثبات وجود الخالق ووحدانيته بخلق السموات والأرض، وخلق البشر والدواب، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال المطر سبب الحياة، وتسخير الرياح.

ثم هددت وأوعدت كل من كذّب بآيات اللَّه، واستكبر عنها، واتخذها هزوا بعذاب جهنم.

وأخبرت عن نعم اللَّه العظمى وأولها كون القرآن هدى للناس، ثم تسخير البحر لجريان السفن فيه والاتجار بين الأقطار، وتسخير جميع ما في الكون لعباد اللَّه تعالى.

وأردفت ذلك بمبادئ خلقية واجتماعية إنسانية سلمية هي عفو المؤمنين وترفعهم عن زلات الكافرين، فالعمل الصالح أو الفاسد يعود أثره على صاحبه، وتذكير بني إسرائيل بما امتن اللَّه عليهم من نعم روحية ومادية هي التوراة، والحكمة والفقه وفصل الخصومات بين الناس، والنبوة، ورزق الطيبات، والتفضيل على العالمين في عصرهم، والإتيان بالبينات وهي الآيات والمعجزات، وأمر الرسول بعدم إطاعة المشركين واتباع أهوائهم، والتعجب من حالهم، وتجرؤهم على إنكار البعث، واتخاذهم الهوى إلها ومعبودا.

وفي مقابل ذلك بيان استقلال الشريعة الإسلامية وإثبات ذاتيتها، وأمر الرسول والمؤمنين باتباعها وحدها دون ما عداها، والاعتزاز والثقة بالله الذي يمدّ نبيه بالعون وأنه ولي المتقين، والتزام منهج اللَّه وهدايته ورحمته وهو القرآن العظيم، ومعرفة قانون اللَّه وعدله وحكمته في التفرقة بين المؤمنين الأبرار والمجرمين الأشرار، وبين المتبصرين بآيات اللَّه، ومن أغلق على نفسه منافذ الهداية، فحجب السمع والبصر والقلب عن نور اللَّه.

ثم رد اللَّه تعالى على المشركين منكري البعث بأن اللَّه هو المحيي والمميت وجامع الناس ليوم القيامة، فهو صاحب القدرة العجيبة ومالك السموات والأرض، والمتفرد بالسلطان الأعظم في الآخرة ذات الأهوال الرهيبة في العرض والحساب وشهادة صحف الأعمال على أصحابها.

وختمت السورة ببيان الجزاء الحق العادل، وقسمة الناس فريقين: فريق الجنة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفريق النار الذين كفروا بالله ورسوله، واقترفوا السيئات والمعاصي، وهزئوا بآيات اللَّه، واغتروا بالحياة الدنيا.

وذلك كله يستوجب الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله وحده الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم.


46- سورة الأحقاف

* محور السورة وموضوعها الأساسي: مانع آخر من موانع الإيمان هو (الإعراض) عن التفكر والتدبر وعن الاتعاظ والاعتبار بينما الآيات الكونية المخلوقة وآيات الكتاب المنزلة وآيات التاريخ وعبره خلال الرسالات السابقة كلها شاهدة على صحة هذه الرسالة الأخيرة وهذا الكتاب الأخير.

* يتم ذلك من خلال: جولات مع الفطرة البشرية السوية في الآفاق الكونية والنفسية والتاريخية لبيان أن قضية الإيمان والعقيدة هي قضية الوجود والمخلوقات كلها لا قضية البشر وحدهم.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة هي:

1- تطابق مطلع السورتين في: حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

2- تشابه موضوع السورتين وهو إثبات التوحيد والنبوة والوحي والبعث والمعاد.

3-     ختمت السورة السابقة بتوبيخ المشركين على الشرك، وبدئت هذه السورة بتوبيخهم على شركهم، ومطالبتهم بالدليل عليه، وبيان عظمة الإله الخالق المجيب من دعاه، على عكس تلك الأصنام التي لا تستجيب لدعاتها إلى يوم القيامة.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية وهو إثبات أصول العقيدة الإسلامية الثلاثة: وهي التوحيد، والرسالة والوحي، والبعث والجزاء.

بدأت السورة بالحديث عن تنزيل الكتاب وهو القرآن من اللَّه تعالى، وإنما كرر لأنه بمنزلة عنوان الكتب (الكتابة) ثم أقامت الأدلة على وجود الإله والتوحيد والحشر، وذمّت المشركين عبدة الأصنام، وردّت عليهم ردا دامغا مقنعا، وأجابت عن شبهاتهم حول الوحي والنبوة.

ثم ذكرت حال فريقين: فريق أهل الاستقامة الذين أقروا بتوحيد اللَّه واستقاموا على ملّته، وأطاعوا والديهم وأحسنوا إليهم، فكانوا أصحاب الجنة، وفريق الكافرين الخارجين عن هدي الفطرة، المنهمكين في شهوات الدنيا، المنكرين البعث والحساب، العاقين لوالديهم، بالتنكر للإيمان والمعاد، فكانوا أصحاب النار.

ثم ضربت المثل بقصة هود عليه السلام مع قومه «عاد» الطغاة الذين اغتروا بقوتهم، وأصروا على عبادة الأصنام، فأهلكهم اللَّه بريح عاتية، تدمّر كل شيء بأمر ربها، إرهابا لكفار قريش، وتحذيرا من استبدادهم وتكذيبهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإنذارا بعذاب مماثل جزاء استهزائهم.

كما ذكّرتهم بإهلاك القرى المجاورة، وبمبادرة الجن إلى الإيمان بما سمعوه من آيات القرآن، ودعوة قومهم إلى إجابة نبي اللَّه والإيمان برسالته، فإن من عاند وأعرض عن إجابة داعي اللَّه، فهو في ضلال مبين.

ثم ختمت السورة بالتأكيد على قدرة اللَّه على البعث، لأنه خالق السموات والأرض، وبأن تعذيب الكافرين بالنار حق كائن لا محالة، وبالتهديد بأهوال القيامة، وبأن العذاب أو الهلاك لا يكون إلا للقوم الفاسقين الخارجين عن حدود اللَّه وطاعته، فما على الرسول إلا الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وعدم استعجال العذاب.


47- سورة محمّد

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عمل أي إنسان يقاس بإتباعه لطريق محمد صلّى الله عليه وسلم فعمله مقبول أو بالحياد عنه فعمله محبط لأن أي طريق غير طريقه صلّى الله عليه وسلم مغلق مظلم فطاعته صلّى الله عليه وسلم هي مقياس قبول العمل أو حبوطه فمن لم يتبع طريقه صلّى الله عليه وسلم وسنته ومنهجه فعمله محبط.

* يتم ذلك من خلال: حض للمؤمنين على قتال الكافرين ووعد لهم بالنصر وبيان مقام الشهداء وتقرير أن أصعب اختبار لإتباع محمد صلّى الله عليه وسلم هو الجهاد الذي هو أعلى درجات الصدق والإخلاص في إتباعه صلّى الله عليه وسلم الجهاد بمعناه الواسع الذي أعلاه (القتال) في سبيل الله والذي تتحدث عنه السورة كثيرًا.

السور الثلاث المتتالية [محمد- الفتح- الحجرات] محورها هو النبي

تسميتها:

سميت سورة محمد، لبيان تنزيل القرآن فيها على محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [2] . ولم يذكر محمد باسمه في القرآن إلا أربع مرات، في سورة آل عمران: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [144] وفي سورة الأحزاب: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [40] وهنا في هذه السورة، وفي سورة الفتح: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [29] . وأما في غير هذه المواضع الأربعة فيذكر بصفة الرسول أو النبي.

وسميت أيضا سورة القتال، لبيان أحكام قتال الكفار فيها في أثناء المعارك وبعد انتهائها: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [4] .

مناسبتها لما قبلها:

هذه السورة يرتبط أولها ارتباطا قويا بآخر سورة الأحقاف: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ حتى إنه لو أسقطت البسملة بينهما، لكان الكلام متصلا مباشرة بما قبله اتصالا لا تنافر فيه، كالآية الواحدة.

ما اشتملت عليه السورة:

يمكن أن يوصف موضوع هذه السورة بأنه الجهاد في سبيل اللَّه، وبما أن السورة مدنية، فهي معنية بأحكام التشريع، لا سيما أحكام القتال والأسرى والغنائم ووصف الكافرين والمؤمنين وجزاء الفريقين في الدنيا والآخرة، وأحوال المنافقين والمرتدين ووعدهم ووعيدهم.

بدأت السورة مباشرة وبما يلفت النظر بالحديث عن الكفار أعداء اللَّه والرسول، وإظهار غضب اللَّه عليهم، وأردفت ذلك بوصف المؤمنين وبيان رضا اللَّه عليهم، لإظهار الفرق الواضح بين الفريقين: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ.

ثم أمرت المؤمنين بقتال الكافرين قتالا عنيفا لا هوادة فيه، لأنهم كفروا واتبعوا الباطل، وبشّرت المؤمنين بالنصر إن نصروا دين اللَّه وصبروا في مواجهة الأعداء، وأبانت خذلان الكافرين لكراهيتهم ما أنزل اللَّه، وفي هذا تعريف بجزاء المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.

ثم عنيت بضرب الأمثال لكفار مكة وأمثالهم بالطغاة السابقين وكيفية تدميرهم بسبب طغيانهم: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ...

ووصفت بعدئذ ألوان نعيم الجنة المعدة للمتقين للترغيب والإقبال على الإيمان والطاعة.

وانتقل البيان إلى وصف المنافقين والمرتدين ووعدهم وتهديدهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ.. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: نُزِّلَتْ سُورَةٌ إلى آخر السورة. وذكرت في ثنايا ذلك أن الكافرين الصادّين عن سبيل اللَّه والمعادين للرسول لن يضروا اللَّه شيئا وسيحبط أعمالهم، ولن يغفر اللَّه لهم، وذكّرت بوجوب طاعة اللَّه تعالى والرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم.

وختمت السورة بما يناسب موضوعها الأصلي وهو الجهاد في سبيل اللَّه، فدعت المؤمنين إلى تحقيق العزة والكرامة، وتجنب الضعف والوهن والمسالمة المهينة، وحذّرت من صلح الأعداء حال القوة، ووصفت حال الدنيا باللهو واللعب، ودعت إلى الإنفاق في سبيل اللَّه، فإن الدنيا فانية زائلة: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ.. إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ....


48- سورة الفتح

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تتحدث عن الفتوحات الربانية والأفضال والنعم التي تجلى بها الله سبحانه وتعالى على النبي صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين كرمًا وتفضلاً فهي أكثر سورة أثنى الله فيها على الصحابة رضى الله عنهم لعلمه سبحانه وتعالى ما في قلوبهم من صدق ووفاء وثبات وإخلاص وغيرة على دين الله وآداب روحية فأنزل عليهم رحمته بسبب صفاتهم هذه

ملاحظة: الآية الأخيرة في سورة (محمد) تتحدث عن أتباع النبي صلّى الله عليه وسلم والآية الأخيرة هنا في سورة (الفتح) تتحدث عن مواصفات أتباع النبي صلّى الله عليه وسلم الذين يتنزل عليهم الفتح (وهي صفات أمة محمد صلّى الله عليه وسلم) المذكورة في التوراة (وهي التفاني في العبادة) وهي صفة تنقص اليهود أهل المادية والمذكورة في الإنجيل (وهي القوة المادية) وهي صفة تنقص النصارى أهل الزهد في المادة فأمة محمد صلّى الله عليه وسلم تملك الجانبين.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه:

1- إن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها نزلت مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، بعد إبهامه في قوله تعالى في سورة الأحقاف: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [9] . وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ.. [4] ثم ذكر هنا بيان الثمرة اليانعة لتلك الكيفية وهو النصر والفتح.

2- في كلتا السورتين (محمد والفتح) بيان أوصاف المؤمنين والمشركين والمنافقين.

3- في سورة محمد أمر النبي بالاستغفار لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات [الآية 19] وافتتحت هذه السورة بذكر حصول المغفرة.

      ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كسابقتها مدنية، نزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن صلح الحديبية، بعد الانصراف من الحديبية. والسور المدنية كما هو معروف تحدثت عن المنافقين الذين ظهروا في المدينة، وعنيت بشؤون التشريع في الجهاد والعبادات والمعاملات.

بدأت السورة الكريمة ببشارة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالفتح الأعظم وانتشار الإسلام بعد فتح مكة الذي كان صلح الحديبية بين الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وبين المشركين سنة ست من الهجرة بداية طيبة له.

ثم أخبرت بوعد اللَّه المنجز لا محالة للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين، وأبانت مهام النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الشهادة على أمته وعلى الخلق يوم القيامة والتبشير والإنذار، من أجل الإيمان بالله تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم ونصرته.

وأردفت ذلك بأمرين متميزين: أولهما- الإشادة بأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، وبيان أن بيعتهم في الحقيقة لله، وتسجيل رضوان اللَّه تعالى عليهم، ووعدهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...

والثاني- ذم المنافقين من عرب أسلم وجهينة ومزينة وغفار الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عام الحديبية، وكانوا من أعراب المدينة.

وأبانت إعفاء أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) من فريضة الجهاد، واكتفت منهم بطاعة أمر اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم، فذلك مؤذن بدخول الجنة.

وذكّرت بفضل اللَّه تعالى على المؤمنين في إبرام الصلح والكف عن القتال بينهم وبين أهل مكة كفار قريش الذين كفروا وصدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، وتأثرهم بحمية الجاهلية من الأنفة والكبر والعصبية، ورفضهم كتابة البسملة في مقدمة الصلح، وكتابة «محمد رسول اللَّه» ، وتثبيت المؤمنين على كلمة التقوى وهي طاعة اللَّه تعالى والرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وقبول شروط الصلح، بالرغم من إجحاف بنوده في الظاهر بحقوق المسلمين.

وتحدثت بعدئذ عن البشرى بتحقق رؤيا النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم التي رآها في المدينة المنورة أنهم يدخلون المسجد الحرام (مكة) آمنين مطمئنين، وتم ذلك بالفعل في العام المقبل حيث دخل المؤمنون مكة معتمرين: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...

وختمت السورة بأمور ثلاثة: هي إرسال محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ووصف النبي والمؤمنين بالرحمة فيما بينهم والشدة على الكفار الأعداء، ووعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرة والأجر العظيم.


49- سورة الحجرات

 

* محور السورة وموضوعها الأساسي: تربية الفرد والجماعة على إنشاء مجتمع مسلم كريم نظيف سليم ينسجم فيه الفرد والدولة والضمير والنظام والسرائر والشرائع يصدر عن الله ويتجه إلى الله ويليق أن ينسب إلى الله.

* يتم ذلك من خلال: سرد لآداب العلاقات الاجتماعية داخل الجماعة المسلمة وتركيز على علاقة الجماعة بنبيها صلّى الله عليه وسلم وتقرير: قبل التعامل مع العالم الخارجي اضبطوا معاملاتكم مع بعضكم ثم اخرجوا للعالم الخارجي بأخلاقكم الإسلامية ليتعرف عليكم الناس بهذه الأخلاق.

تسميتها:

سميت سورة الحجرات لأن اللَّه تعالى ذكر فيها تأديب أجلاف العرب الذين ينادون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من وراء الحجرات وهي حجرات (بيوت) نسائه المؤمنات الطاهرات رضي اللَّه عنهن، وكانت تسعا، لكل واحدة منهن حجرة، منعا من إيذاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وتوفيرا لحرمة بيوت أزواجه.

وتسمى أيضا سورة «الأخلاق والآداب» فقد أرشدت إلى آداب المجتمع الإسلامي وكيفية تنظيمه، وأشادت بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، ونودي فيها بوصف الإيمان خمس مرات، وأصول تلك الآداب خمسة وهي:

طاعة اللَّه والرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتعظيم شأن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، والتثبت من الأخبار المنقولة، وتحريم السخرية بالناس، وتحريم التجسس والغيبة وسوء الظن.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الفتح من نواح ثلاث، هي:

1- في السورة المتقدمة حكم قتال الكفار، وفي هذه حكم قتال البغاة (أهل الثورة الداخلية) .

2- ختمت السابقة بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وافتتحت هذه ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.. تذكيرا لهم بحرمتهم عند اللَّه عند ما وصفهم بكونهم أشداء رحماء، مما يقتضي محافظتهم على هذه الدرجة بطاعة اللَّه تعالى والرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم.

3- في كلتا السورتين تشريف وتكريم لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، خصوصا في مطلع كل منهما، والتشريف يقتضي من المؤمنين الرضا بما رضي به الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم من صلح الحديبية، وألا يتركوا شيئا من احترامه قولا وفعلا.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسابقتها أحكام شرعية لكونهما مدنيتين، وهي أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع الإسلامي على أساس متين من التربية القوية، والأخلاق الرصينة، حتى إنها سميت «سورة الأخلاق» فهي في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. وآدابها نوعان: خاص وعام.

أما الآداب الخاصة: فهي ماله علاقة بين النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمته. وقد ابتدأت السورة بها، فأوجبت طاعة اللَّه تعالى والرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وحذرت من المخالفة.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا.. ثم أمرت بخفض الصوت أثناء خطاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إجلالا له وهيبة منه وتعظيما لقدرة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ.. ثم طالبت المؤمنين بخطاب الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بصفة النبوة والرسالة، لا باسمه وكنيته تعظيما واحتراما له، وجعلت خفض الصوت عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من التقوى، وذمّت من يناديه من وراء حجرات نسائه كعيينة بن حصن وأشباهه، وذكرت السورة في آخرها ذمّ الامتنان على اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم بالإيمان: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ ... ثم تحدثت عن الآداب الاجتماعية العامة: وهي المتصلة بعلاقات الناس بعضهم مع بعض، مما فيه تقرير فضيلة وذم رذيلة، لإقامة دعائم المجتمع الفاضل.

فأمرت المؤمنين بالتثبّت من الأخبار وعدم الإصغاء للإشاعات التي يروجها الفسّاق ويتناقلونها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ.. وأشادت بمقتضى الإيمان، وكرّهت الكفر والفسوق والعصيان.

ثم أبانت طريق فض المنازعات الداخلية بين فئتين متقاتلتين من المؤمنين وهو الإصلاح، وقتال الفئة الباغية (البغاة) حتى تعود لصف الجماعة والوحدة:

وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

وأعلنت قيام رابطة الإخاء والود بين المؤمنين، وحذرت من تفكك الجماعة المؤمنة وإثارة النزاع بين أفرادها، وتوليد الأحقاد والضغائن والكراهية بسبب السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، سواء بين الرجال أو النساء، أو بسبب سوء الظن بالمسلم والتجسس (تتبع العورات) والغيبة والنميمة.

ثم أعلنت مبدأ الإخاء الإنساني، والمساواة بين الشعوب والأفراد من مختلف الأجناس والألوان والعناصر، فلا عداوة ولا طبقية ولا عنصرية، وإنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح ومكارم الأخلاق.

وختمت السورة بالكلام عن الأعراب، فميّزت بين الإيمان والإسلام، وذكرت غرر صفات المؤمنين وشروط المؤمن الكامل (الإيمان بالله ورسوله، والجهاد بالمال والنفس في سبيل اللَّه) وعابت المنّ على الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بالإسلام، ووضعت ضابط احترام القيم الدينية والأخلاقية، وهو رقابة اللَّه جل جلاله لعباده، وعلمه بغيب السموات والأرض وأهلهما، وبصره بجميع أعمال الخلق.


50- سورة ق

* محور السورة وموضوعها الأساسي: رقابة الله سبحانه وتعالى تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف رقابة شاملة شديدة دقيقة رهيبة لا تدعه لحظة واحدة من المولد إلى الممات إلى البعث والحشر والحساب.

* يتم ذلك من خلال: سرد أهم أسباب الانحراف:

·                      وسوسة النفس: آية (16).

·                      الغفلة: آية (22).

·                      الشيطان القرين: آية (27).

مع التنبيه على وجوب اختيار والتزام طريق الله لأن هناك بعث وحساب في الحياة الآخرة ولذلك فالسورة تركز على الموت والبعث والحساب ثم تذكر بالنار وتحذر منها الكافرين وتذكر بالجنة وتبشر بها المتقين وأنها قريبة غير بعيدة.

مناسبتها لما قبلها:

أخبر اللَّه تعالى في آخر سورة الحجرات المتقدمة أن أولئك الأعراب الذين قالوا: آمنا، لم يكن إيمانهم حقا، وذلك دليل على إنكار النبوة وإنكار البعث، فافتتح هذه السورة بوصف إنكار المشركين نبوة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وإنكار البعث، ثم رد عليهم بالدليل القاطع.

ما اشتملت عليه السورة:

بما أن هذه السورة مكية بالإجماع، فموضوعها مثل موضوعات سائر السور المكية التي تعالج أصول العقيدة الإسلامية وهي التوحيد، والبعث، والنبوة والرسالة، ولكنها عنيت بالأصل الثاني وهو البعث وإثباته والرد على منكريه.

لذا ابتدأت بالكلام عن إنكار مشركي العرب وقريش أمر البعث والنشور، وأمر النبوة ورسالة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتعجبهم من إرسال رسول منذر منهم، ومن إعادة الحياة بعد الممات، فأقسم اللَّه بالقرآن المجيد قائلا: ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقالَ الْكافِرُونَ: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ...

ومن أجل الاستدلال على قدرة اللَّه الباهرة على البعث وغيره، حثّت الآيات بعدئذ على التأمل في صفحة الكون، والنظر في السماء وبنائها وزينتها، وفي الأرض وجبالها وزروعها ونباتاتها وأمطارها: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ..

الآيات.

ثم أثارت دواعي التفكر وأقامت العبر والعظات في إهلاك الأمم السابقة المكذبة بالرسل، كقوم نوح وأصحاب الرسّ وثمود وعاد وفرعون ولوط وأصحاب الأيكة قوم شعيب وقوم تبّع، تحذيرا لكفار مكة أن يصيبهم مثلما أصاب غيرهم: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ.. الآيات.

وانتقلت الآيات للحديث عن الإنسان ومسئوليته وملازمة الملكين له لرصد أعماله وأقواله ومراقبة أحواله، وطيّ صحيفته بسكرة الموت، وتعرضه لأهوال الحشر وأهوال الحساب: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ.. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الآيات، وأعقبت كل ذلك بضرورة العبرة والتذكر بتلك الأحداث الكبرى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى ...

وختمت السورة الكريمة بمشاهد عظيمة، من خلق السموات والأرض وما بينهما، وسماع صيحة الحق للخروج من القبور، وتشقق الأرض عن الأموات سراعا، وتخلل ذلك أمر الرسول وأتباعه بالصبر والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، وعدم المبالاة بإنكار المشركين البعث وتهديدهم عليه، والتذكير بالقرآن من وعيد اللَّه وعقابه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ.. وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ.. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ.. الآيات.

أوجه الشبه بين سورة ق وسورة ص:

لاحظ العلماء وجهي شبه بين سورتي ص وق وهما  :

أولا- تشترك السورتان في افتتاح أولها بحرف واحد من حروف الهجاء، والقسم بالقرآن، وقوله: بَلْ والتعجب. كما أن أول السورتين وآخرهما متناسبان، ففي أول ص: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ وفي آخرها: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، وفي أول ق: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وفي آخرها:

فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ فافتتح بما اختتم به. أي أن السورتين تبدأ ان بحرف هجاء، وتبتدئان وتنتهيان بالتحدث عن القرآن.

ثانيا- عنيت سورة ص بتقرير الأصل الأول وهو التوحيد، في قوله تعالى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً وقوله تعالى: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، وعنيت سورة ق بتقرير الأصل الثاني وهو الحشر، في قوله تعالى: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ.

وبدئت وختمت كل سورة بما يناسبها، فكان افتتاح سورة ص في تقرير المبدأ، ثم قال تعالى في آخرها: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ لحكاية بدء الخلق، لأنه دليل الوحدانية، وكان افتتاح سورة ق لبيان الحشر، ثم قال سبحانه في آخرها: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ فاتفق بدء كل سورة مع خاتمتها.


51- سورة الذاريات

* محور السورة وموضوعها الأساسي: الرزق بيد الله سبحانه وتعالى والعطاء والمنع بيد الله عز وجل في الدنيا والآخرة ففروا إلى الله واختاروا طريقه لأن الرزق بيده وحده سبحانه.

* يتم ذلك من خلال:

 توجيه الأنظار لآيات الله الكونية في الأنفس والآفاق والتاريخية كقصص الأنبياء حتى يتجرد القلب البشري ويخلص المخلوق لوظيفته وهي عبادة الله وحده ولا ينشغل بالعوائق التي تحول بينه وبين ذلك مثل همّ الرزق.

تسميتها:

سميت (سورة الذاريات) لافتتاحها بالقسم بالذاريات، وهي الرياح التي نذر والتراب وغيره، أي تفرقه وتنقله من مكان إلى آخر. والقسم بها دليل على خطورتها، وأنها من جند الله تعالى.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:

1- ختمت سورة ق بذكر البعث والجزاء والجنة والنار في قوله تعالى:

ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ وافتتحت هذه السورة بالقسم بالرياح والسحب والسفن والملائكة على أن ما وعد به الناس من ذلك صادق، وأن الجزاء واقع.

2- ذكر في سورة ق إجمالا إهلاك الأمم المكذبة، كقوم نوح، وعاد وثمود، ولوط وشعيب، وتبّع، وفي هذه السورة تفصيل ذلك في قصص إبراهيم ولوط وموسى وهود وصالح ونوح عليهم السلام.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر السور المكية إثبات أصول العقيدة والإيمان وهي التوحيد والرسالة والبعث، ونفي أضدادها وهي الشرك، وتكذيب النبوة، وإنكار المعاد.

وقد افتتحت ببيان دلائل البعث ووقوع المعاد من عجائب الكون، بالقسم على حدوثه حتما بأربعة أمور هي الرياح المحركة للأشياء، والسحب التي تحمل الأمطار، والسفن الجارية بسهولة في البحار والأنهار الكبرى، والملائكة التي تقسّم المقدرات الربانية، وتدبّر أمر الخلق.

ثم ذكرت السورة أحوال كفار مكة وغيرهم الذين كذبوا بالقرآن وبالآخرة وما يلقونه من العذاب الشديد في نار جهنم، كما ذكرت أحوال المؤمنين المتقين وما أعد لهم من جنات ونعيم في اليوم الآخر، ليدرك العاقل الفرق بينهما، ويقترن الترهيب بالترغيب للعظة والعبرة.

وتأكيدا لتلك الغاية أشارت الآيات إلى أدلة القدرة الإلهية والوحدانية في الأرض والسماء والأنفس وضمان الأرزاق للعباد، وأوردت أخبار الأمم السالفة التي كذبت رسلها، فكان مصيرهم الدمار والهلاك، وهم قوم إبراهيم ولوط وموسى، وعاد وثمود، وقوم نوح. وكان في الحديث عن قصص هؤلاء الرسل مع أقوامهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه.

ثم عادت إلى التذكير ببناء السماء وفرش الأرض وإيجاد الزوجين لبقاء النوع الإنساني والحيواني، وأعقبت ذلك بالتزهيد في الدنيا، والفرار إلى الله من مخاطرها، والنهي عن الشرك بالله، والإخبار عن تكذيب الرسل باستمرار، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن قومه، وتذكير من تنفعه الذكرى من المؤمنين.

وختمت السورة ببيان الهدف من خلق الجن والإنس وهو معرفة الله تعالى وعبادته والإخلاص له، وأخبرت بكفالة الرزق لكل مخلوق، وأوعدت الكفار والمشركين الظالمي أنفسهم بعذاب شديد يوم القيامة، وهددتهم بعذاب في الدنيا مماثل لعذاب أمثالهم ونظرائهم من المكذبين السابقين.


52- سورة الطور

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تعرض لقضية الاختيار: الإيمان والجنة أم التكذيب والنار.

* يتم ذلك من خلال :

1- الترهيب من النار والترغيب في الجنة فمصير كل امرئ رهين عمله: [آية (1)- آية (28)].

2- توجيه للنبي صلّى الله عليه وسلم أن يستمر في دعوة هؤلاء المعاندين المكابرين ويحذرهم المصير المحتوم فهو في رعاية الله وحفظه مع حملة عنيفة تطارد الهواجس والشكوك وتعجب من شبهات الكفار الواهية والأباطيل التي تساور قلوبهم وتصدهم عن الإيمان وتدفعهم إلى طريق النار: [آية (29)- آية (49)]

مناسبتها لما قبلها:

تتجلى للمتأمل مناسبة هذه السورة لسورة الذاريات قبلها من وجوه:

1- تشابه الموضوع: فإن كلتا السورتين مكية، تضمنت الكلام عن التوحيد والبعث وأحوال الآخرة، والرسالة النبوية، وتفنيد معتقدات المشركين الفاسدة.

2- تماثل الابتداء والانتهاء: ففي مطلع كل منهما وصف حال المتقين في الآخرة: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات 51/ 15] . إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور 52/ 17] وفي ختام كل منهما صفة حال الكفار: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الذاريات 51/ 60] . فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور 52/ 42] .

3- اتحاد القسم بآية كونية: ففي الذاريات أقسم الله بالرياح الذاريات النافعة في المعاش، وفي الطور أقسم الله بالجبل الذي حظي بالنور الإلهي بتكليم موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه لنفع الناس في المعاش والمعاد.

4- تطابق الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الكافرين ومتابعة تذكير المؤمنين: ففي الذاريات: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [54] وَذَكِّرْ.. [55] وفي الطور: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ.. [29] : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ..

[45] .

 

ما اشتملت عليه السورة:

لما ختم الله تعالى السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود، أقسم على ذلك بالطور، وهو الجبل الذي ذكر مرارا في قصة موسى عليه السلام، والكتاب المسطور: التوراة ونحوها أو اللوح المحفوظ، والبيت المعمور: الكعبة المشرفة، والسقف المرفوع: السماء، والبحر المسجور: المملوء أو الموقد. فهو قسم بآيات كونية علوية وسفلية على أن العذاب آت لا ريب فيه.

ثم وصف الله تعالى عذاب النار الذي يزجّ به المكذبون، وما يلقونه من الذل والإهانة، وأردفه بوصف نعيم المتقين أهل الجنة، وما يتمتعون به من أنواع الملذات في الملبس والمسكن والمطعم والمشرب والزواج بالحور العين.

وأعقب هذا الوصف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمتابعة التذكير، وتبليغ الرسالة، وإنذار الكفرة، والإعراض عن سفاهة المشركين وافترائهم حين يقولون عنه: إنه شاعر، أو كاهن، أو مجنون، أو مفتر على الله، ثم أنكر تعالى عليهم مزاعمهم الباطلة هذه، وأثبت بالأدلة الدامغة صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام البراهين والحجج القاطعة على الألوهية الحقة والوحدانية، ونعى على المشركين قولهم: الملائكة بنات الله، ووبخهم وتهكم بهم في عنادهم ومكابرتهم وبلوغهم حد إنكار المحسوسات المشاهدة لهم. وختمت السورة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الكفار في ضلالهم حتى الهلاك، وبالصبر في تبليغ رسالته وبالتسبيح والتحميد ليل نهار، والإخبار بأن الله حارسه وعاصمه وحافظه، وبأن للظالمين عذابين: في الدنيا والآخرة.


53- سورة النجم

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تبين مصدر المعرفة والعلم الصحيح الذي هو الوحي فتركز على قضية الوحي وصدق الوحي مقابل الظن والهوى عند المكذبين وأصحاب الأمنيات الكاذبة (لذلك تكررت كلمة العلم كثيرًا وكذلك الظن والهوى والتمني).

* يتم ذلك من خلال :

1- بيان صدق الوحي ووهن عقيدة الشرك وتهافت أساسها الوهمي الموهون  (النجم قد يهوى ويذهب ضوءه ولكن محمد صلّى الله عليه وسلم أتى بمنهج الوحي الذي لا يهوى أبدًا): [آية (1)- آية (32)].

2- بيان أصول العقيدة الصحيحة الثابتة منذ أقدم الرسالات والتي لا يتولى عنها إلا من انشغل بالدنيا وحدها مع التحذير من مصارع الغابرين المكذبين فعلم الله محيط وشامل: [آية (33)- آية (62)].

تسميتها:

سميت سورة النجم، لأن الله تعالى افتتحها بالقسم بالنجم، وأل للجنس، أي بنجوم السماء وقت سقوطها وغربها، لأن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري، لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات، والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر، لأن الناظر إليه يستدل بغروبه على الجهة.

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط هذه السورة بما قبلها بوجوه أربعة:

1- إن سورة الطور ختمت بقوله: وَإِدْبارَ النُّجُومِ وافتتحت هذه السورة بقوله: وَالنَّجْمِ.

2- في سورة الطور ذكر تقوّل القرآن وافتراؤه، وهذه السورة بدئت بذلك وردت عليه.

3-ذكر في الطور ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم، وفي هذه السورة ذكرت ذرية اليهود في آية: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ (32)

4- في حق الآباء المؤمنين قال تعالى في الطور: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (21) أي ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين، مع نفعهم بعمل آبائهم، وقال في النجم في حق الكفار أو أبناء الكفار الكبار: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) .

  ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السورة المكية المعنية بأصول العقيدة، وهو إثبات الرسالة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في تلقي القرآن بالوحي عن الله، والتوحيد والكلام على الأصنام وبيان عدم جدواها، والتحدث عن قدرة الله عز وجل، وعن البعث والنشور.

افتتحت السورة بإثبات ظاهرة الوحي بوساطة جبريل عليه السلام، والكلام عن (المعراج) وقرب النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، ورؤيته عجائب ملكوت الله تعالى، ومشاهدته جبريل على صورته الحقيقية الملكية مرتين.

ثم قرّعت المشركين على عبادة الأوثان والأصنام، ووصفتها بأنها عبادة باطلة لآلهة مزعومة لا وجود لها، ووبختهم أيضا على جعل الملائكة إناثا، وتسميتهم إياها: بنات الله، وبيان أن الملائكة لا تملك الشفاعة إلا بإذن الله تعالى.

ثم وصفت الجزاء العادل يوم القيامة، حيث يجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وذكرت أوصاف المحسنين، ونددت بإعراض الكافرين عن الإسلام، وأعلمت الناس جميعا أن المسؤولية فردية شخصية، فيسأل كل إنسان عن سعيه وعمله، ولا تتحمل نفس إثم أو وزر نفس أخرى، ولا تقبل تزكية المرء نفسه. وأبانت السورة إحاطة علم الله بما في السموات والأرض ومظاهر قدرة الله تعالى في الإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وخلق الإنسان من النطفة، والبعث والحشر والنشر.

وهددت المشركين الذين أنكروا الوحدانية والرسالة والبعث بالإهلاك كإهلاك أقوام أخرى أشداء، كعاد وثمود وقوم نوح ولوط.

وختمت بالتعجب من استهزاء المشركين بالقرآن وإعراضهم عنه، وأمر المؤمنين بالعبادة الخالصة لله تعالى.


54- سورة القمر

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تقرر: تعرَّف على الله من خلال النقم ولذلك فأسلوبها شديد يبين أن الله القادر العظيم القاهرة المنتقم قد انتقم من الظالمين وأغلظ عليهم.

* يتم ذلك من خلال:

حملة رهيبة مفزعة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر تتتابع في سبع حلقات كل منها مشهد من مشاهد العذاب في صورة رهيبة سريعة لاهثة مكروبة يتخللها عرض سريع لمصارع بعض الأقوام السابقين ثم يطل المشهد الأخير بعكس ذلك تمامًا مشهد المتقين: مشهد الأمن والطمأنينة والسكينة.

مناسبتها لما قبلها:

تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث هي:

1- اتفاق خاتمة السورة السابقة وفاتحة هذه السورة حول إعلان قرب القيامة، فقال تعالى في سورة (النجم) : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) وقال في هذه السورة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ إلا أنه ذكر هاهنا دليلا على الاقتراب، وهو قوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.

جاء في الصحيحين عن أنس: «أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر مرتين» .

2- تناسب التسمية وحسن التناسق، لما بين النجم والقمر من تقارب، كما في توالي سورة الشمس، والليل، والضحى، ومن قبلها سورة الفجر.

3- فصلت هذه السورة أحوال الأمم المشار إلى إهلاكهم بسبب تكذيب رسلهم في السورة المتقدمة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى، وَثَمُودَ فَما أَبْقى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى

(50- 53) . وهذا يشابه الأعراف بعد الأنعام، والشعراء بعد الفرقان، والصافات بعد يس.

  ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر السور المكية لتقرير أصول العقيدة الإسلامية، بدءا من إنزال القرآن بالوحي وتهديد المكذبين بآياته، وانتهاء بالجزاء الحتمي يوم القيامة ومشاهد عذاب الكفار، وأنواع ثواب المتقين وتكريمهم.

أخبرت السورة أولا بقرب وقت القيامة ودليل ذلك وهو انشقاق القمر الذي هو أحد المعجزات الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وموقف المشركين من تلك المعجزة ووصفها بأنها سحر مفترى، وغفلتهم عما في القرآن من الزواجر.

وتلا ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، وإنذارهم بحشرهم أذلة مسرعين كالجراد المنتشر، بعبارات تهز المشاعر، وتثير المخاوف، وتملأ النفس رعبا وفزعا من أهوال القيامة.

ثم أنذرت كفار مكة بعذاب مشابه لعذاب الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون جزاء على تكذيبهم الرسل، وأفردت كل قصة عن الأخرى، وعقبتها بعبارة مخيفة تدعو للعجب وهي: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟! وقرنها بقوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.

ثم وبخت مشركي قريش على غفلتهم عن هذه النذر، وحذرتهم مصرعا مماثلا لمصارع أولئك الأقوام، وهو القتل والهزيمة في الدنيا، وعذاب الآخرة الأدهى والأمرّ، الذي يصاحبه الذل والمهانة بالسحب على وجوههم في النار، فهم في ضلال وسعر. وختمت السورة ببيان ظاهرة التوازن في خلق الأشياء، وسرعة نفاذ أمر الله ومشيئته كلمح البصر، وضرورة العظمة والتذكر بهلاك الطغاة، ورصد جميع أعمال البشر في سجلات محفوظة، وتبشير المتقين بالجنات والكرامات عند ربهم المليك المقتدر.

والخلاصة: أن السورة حافلة بالوعد والوعيد، والعظات والعبر بأخبار الماضين، وتهديد الكفار بعقاب مماثل، وإكرام المتقين في جنات ونعيم.


55- سورة الرّحمن

* محور السورة وموضوعها الأساسي: عرض لنعم الله للتعرف عليه سبحانه وتعالى من خلال نعمه حتى يختار الإنسان: الجنة أم النار.

* يتم ذلك من خلال :

1- إعلان عام في ساحة الوجود الكبير وإعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة في جميل صنعه وإبداع خلقه وفيض نعمائه وتدبيره للوجود وما فيه وإشهاد عام على الثقلين (فالسورة تركز على إشراك الجن مع الإنس في التكليف) مع تحديهما إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله ونعمه العظيمة: [آية (1)- آية (36)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه:

1- هذه السورة بأسرها شرح وتفصيل لآخر السورة التي قبلها، ففي سورة القمر بيان إجمالي لأوصاف مرارة الساعة وأهوال النار وعذاب المجرمين، وثواب المتقين ووصف الجنة وأهلها، وفي هذه السورة تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال وعلى النحو المذكور من وصف القيامة والنار والجنة.

2- ذكر الله تعالى في السورة السابقة أنواع النقم التي حلت بالأمم السابقة قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، وهنا ذكر أنواع الآلاء والنعم الدينية والدنيوية في الأنفس والآفاق على الناس جميعا. وافتتح السورة السابقة بما يدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر، وافتتح هذه السورة بما يدل على الرحمة والرحموت وهو إنزال القرآن.

3- ختمت السورة السابقة ببيان صفتين لله عز وجل يدلان على الهيبة والرهبة والعظمة وهما (المليك المقتدر) أي ملك عظيم الملك، قادر عظيم القدرة، وابتدئت هذه السورة بصفة أخرى بجوار ذلك وهي صفة (الرحمن) وبيان مظاهر رحمته وفضله ونعمه على الإنسان وفي الكون كله سمائه وأرضه، فهو سبحانه عزيز شديد مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار، رحمن منعم غافر للأبرار.

ما اشتملت عليه السورة:

سورة الرحمن كسائر السور المكية المتميزة بقصر آياتها، وشدة تأثيرها ووقعها، ومزيد رهبتها، والمتعلقة بأصول الاعتقاد وهي التوحيد وأدلة القدرة الإلهية، والنبوة والوحي، والقيامة وما فيها من جنة ونار، وآلاء ونعم، وشدائد وأهوال.

عدّد الله تعالى في مطلع السورة آلاءه ونعمه العظمى، وأولها نعمة الدين والوحي، وإنزال القرآن وتعليمه عباده به، فهو النعمة الكبرى، وسنام الكتب السماوية ومصداقها. ثم أتبعه ببيان خلق الإنسان ليعلم أنه إنما خلقه للدين، والإفادة من الوحي وكتاب الله، ثم ذكر ما تميز به عن سائر الحيوان من البيان:

وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير.

ثم أحصى الله تعالى أصول النعم الظاهرة الكبرى في الكون من الشمس والقمر، والنجم (النبات) والشجر، والسماء القائمة على التوازن الدقيق،والأرض ذات الفواكه والثمار والأشجار، والزروع والرياحين، مع الإشارة إلى خلق عالم آخر غير مادي ولا ملموس وهو الجنّ.

وأضاف إلى ذلك آية على قدرته الباهرة بالفصل بين البحر المالح والعذب، وإخراج اللؤلؤ والمرجان من الماء المالح، كإخراج الحب والعصف والريحان من التراب، وتسيير السفن في أعالي البحار.

ثم يطوى عالم الكون البديع بالفناء الحتمي، ولا يبقى سوى الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، ويبدأ بعدئذ عالم القيامة وما فيه من أهوال جسام، ومصير عصيب للمجرمين، وزجّ في نيران الجحيم.

ويقابل ذلك المشهد المؤلم مشهد النعيم في جنان الخلد لأهل الإيمان واليمين، والخوف من مقام الله، وفي تلك الجنان أنواع الأغصان، والعيون والأنهار، والفواكه، والفرش الحريرية الوثيرة والأرائك الخضر، والحور والولدان، والخيرات الحسان.

وناسب كل ذلك ختم السورة بتمجيد الله عزّ وجلّ، والثناء عليه، على ما تفضل به وأنعم على عباده: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.


56- سورة الواقعة

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تعرض لنفس قضية الاختيار وهو هنا أن يختار الإنسان لنفسه أن يكون واحدًا من ثلاثة: (المقربين- وأصحاب اليمين- والمكذبين) تبدأ السورة بهم وتختم بهم وأما وسط السورة فتذكير بالله عز وجل ليعينك على الاختيار.

* يتم ذلك من خلال :

1- تأكيد على قضية النشأة الآخرة ردًا على الشاكين المكذبين ووصف للقيامة حيث تتبدل أوضاع الأرض وأقدار الناس وموازين القيم وتفصيل لمصائر الأزواج الثلاثة من الناس في هذا اليوم العظيم: [آية (1)- آية (56)].

2- توكيد قضية البعث في حدود المشاهدات التي لا تخلو منها تجربة إنسان (الحياة والموت والزرع والماء والنار) وإقسام على صدق القرآن وتلويح بمشهد الاحتضار وضرورة الاستعداد له بالإيمان الحق والتسبيح للحق: [آية (57)- آية (96)].

مناسبتها لما قبلها:

تتصل هذه السورة بسورة الرحمن، وتتآخى معها من وجوه:

1- في كل من السورتين وصف القيامة والجنة والنار.

2- ذكر تعالى في سورة الرحمن أحوال المجرمين وأحوال المتقين في الآخرة وبيّن أوصاف عذاب الأولين في النار، وأوصاف نعيم الآخرين في الجنان، وفي هذه السورة أيضا ذكر أحوال يوم القيامة وأهوالها وانقسام الناس إلى ثلاث طوائف: هم أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون، فتلك السورة لإظهار الرحمة، وهذه السورة لإظهار الرهبة، على عكس تلك السورة مع ما قبلها.

3- ذكر تعالى في سورة الرحمن انشقاق السماء (تصدعها) وذكر هنا رجّ الأرض، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما في الموضوع سورة واحدة، ولكن مع عكس الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك. فافتتح سورة الرحمن بذكر القرآن ثم الشمس والقمر، ثم النبات، ثم خلق الإنسان والجان من نار، ثم صفة يوم القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنة، وابتدئت هذه السورة بوصف القيامة وأهوالها، ثم صفة الجنة، ثم صفة النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم النجوم التي لم يذكرها في الرحمن كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم القرآن، فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك.

 

  ما اشتملت عليه السورة:

ابتدأت السورة بالحديث عن اضطراب الأرض وتفتت الجبال حين قيام الساعة، ثم صنفت الناس عند الحساب أقساما ثلاثة: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقين، وأخبرت عن مآل كل فريق وما أعده الله لهم من الجزاء العادل يوم القيامة.

وأوضحت أن الأولين والآخرين من الخلائق مجتمعون في هذا اليوم.

ثم أقامت الأدلة على وجود الله الخالق ووحدانيته وكمال قدرته، وإثبات البعث والنشور والحساب، من خلق الإنسان، وإخراج النبات، وإنزال الماء، وخلق قوة الإحراق في النار.

ثم أقسم الله عزّ وجلّ بمنازل النجوم على صدق تنزيل القرآن من ربّ العالمين، وأنه كان في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، وندد بالتشكيك في صحته وصدقه.

ولفت الله تعالى النظر إلى ما يلقاه الإنسان عند الاحتضار من شدائد وأهوال. وختمت السورة ببيان عاقبة الطوائف الثلاث وما يجدونه من جزاء، وهم المقرّبون الأبرار، السابقون إلى خيرات الجنان، وأهل اليمين السعداء، والمكذّبون الضالون أهل الشقاوة، وأن هذا الجزاء حق ثابت متيقن لا شك فيه. وكل ذلك يستدعي الإقرار بوجود الخالق وتنزيهه عما لا يليق به من الشرك ونحوه، وتوبيخ المكذبين على إنكار وجود الله تعالى وتوحيده.


57- سورة الحديد

سبب التسمية: (الحديد) رمز للقوة وامتلاك المادة والقوة والصناعات الثقيلة المتقدمة والأسلحة الحديثة التي يجب أن يمتلكها المسلمون وينصروا بها دين الله جنبًا إلى جنب مع الجانب الروحي في توازن دقيق.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تتكلم عن الاختيار بين المادية والروحانية فتدعو للتوازن بين المادية والروحانية فهناك ناس تفرغوا تمامًا للعمل المادي فقست قلوبهم [آية (16)] وهناك ناس تفرغوا تمامًا للعبادة الروحانية والرأفة والرحمة فترهبنوا [آية (27)] وكلا الفريقين وصفوا بأنهم (فاسقون) أي خارجون عن منهج الله المتوازن سواءً الذين غلّبوا المادية أم الذين غلّبوا الروحانية فيا أمة محمد صلّى الله عليه وسلم أنتم أمة متوازنة بين العبادة ورقة القلب وبين النجاح في الحياة.

* يتم ذلك من خلال :

1- عرض مجموعة من صفات الله سبحانه وتعالى تبين حقيقة الألوهية وتهز القلوب هزًا فتجردها من العوائق والأثقال وتخلصها من الشح بالنفس والمال في سبيل الله وفي سبيل جنته: [آية (1)- آية (15)].

2- عتاب من الله لمن لم يصل من المؤمنين للمرتبة التي يريدها الله لهم وتحذير مما آل إليه أهل الكتاب قبلهم وحض على البذل وتذكير بأن القيم الحقيقية هي قيم الآخرة وليس الدنيا وأن قدر الله محيط بهم في الدنيا ورحمته تظلل أولياءه على مدار التاريخ وفضله ليس وقفًا على أحد من أهل الكتاب كما يزعمون: [آية (16)- آية (29)].

مناسبتها لما قبلها:

وجه اتصال هذه السورة بالواقعة من ناحيتين.

1- ختمت سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح، وبدئت هذه بذكر التسبيح من كل ما في السموات والأرض.

3- إن سورة الحديد واقعة موقع العلة للأمر بالتسبيح في الواقعة، فكأنه قيل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ لأنه سبح له ما في السموات والأرض، فالله أمر بالتسبيح، ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله، والتزمه كل ما في السموات والأرض.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعقيدة والإيمان، والجهاد والإنفاق في سبيل الله، والترفع عن مفاتن الدنيا، وبيان أصول الحكم الإسلامي، وكشف مخازي المنافقين، وشرائع الأنبياء في الحياة الخاصة والعامة.

ابتدأت بالحديث عن صفات الله وأسمائه الحسنى، وظهور آثار عظمته في خلق الكون. ثم دعت المسلمين إلى الإنفاق في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الإسلام، ورفع مجده وشأنه.

وقارنت أثر هذه الدعوة إلى البذل والجهاد بين المؤمنين المجاهدين الذين يتميزون بأنوارهم في الآخرة، وبين المنافقين الذين يبخلون ويجبنون، ويتخبطون في ظلمات الجهل والكفر.

ثم أبانت السورة حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فالدنيا دار الفناء واللهو واللعب، والآخرة دار الخلود والبقاء والسعادة والراحة الكبرى، وفي ذلك تحذير من الاغترار بالدنيا، وترغيب في الآخرة والعمل من أجلها. ونصحت المؤمنين بالصبر على المصائب، وذمت أهل الاختيال والكبر والبخلاء، وحضّت على العدل وعمارة الكون، وأبانت الغاية من بعثة الرسل الكرام، وأمرت بتقوى الله، واتّباع هدي الرسل والأنبياء.

وختمت السورة بالاعتبار بالأمم السابقة، وبقصص نوح وإبراهيم وأحفادهم الرسل، وبقصة عيسى بن مريم، وموقف أتباعه من دعوته، وأوضحت ثواب المتقين، ومضاعفة أجر المؤمنين برسلهم، وأبانت أن الرسالة اصطفاء من الله، وفضل يختص به من يشاء من عباده.


58- سورة المجادلة

سور (المجادلة والحشر والصف والجمعة) كلها تدعو لتجميع المسلمين وتعرض لقضية الولاء والبراء بشكل تفصيلي ولقضية تماسك الأسرة والبيت وأهمية هذا في ترابط المجتمع وقضية الانتماء وسورة (المنافقون) تقرر أن أكثر شيء يضيع الانتماء هم هؤلاء المنافقون. وسور (الطلاق والتغابن والتحريم) تتكلم عن شواغل البيت والأولاد التي تعيق الانتماء.

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تقرر: لا يكفي صلاتك وقراءتك القرآن بل لابد لك من الانتماء للمؤمنين ولهذا الدين ومن أجل الانتماء لابد أن تكون في حالة وحدة مع المؤمنين وهذه الوحدة تحتاج لترابط الأسرة.

* يتم ذلك من خلال :

1- تبدأ السورة بقضية أسرة ستتفكك إذ إن أول بداية الانتماء هو أسرة متماسكة وزوجة تأخذ حقها وتشعر بتكريم هذا الدين لها فتربي أولادها على الانتماء لهذا الدين (فالمرأة محور أساسي في الإسلام): [آية (1)- آية (4)].

2- تتدرج السورة في استعراض مواصفات (حزب الشيطان) أي المنافقين وبيان مصيرهم الرهيب جزاء كيدهم للمسلمين وتوليهم للكافرين: [آية (5)- آية (21)].

3- تنتهي السورة ببيان صورة وضيئة (لحزب الله) أي المؤمنين الذين لا ولاء لهم إلا لله عز وجل ورسوله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين: [آية (22)].

مناسبة السورة لما قبلها:

تتضح صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي:

1- ذكر في مطلع سورة الحديد صفات الله الجليلة، ومنها الظاهر والباطن، والعالم بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو مع خلقه أينما كانوا، وذكر في مطلع هذه السورة ما يدل على ذلك وهو سماع قول المجادلة التي تشتكي إلى الله، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها حين نزلت: «سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني في ناحية البيت لا أعرف ما تقول» «1» أي المجادلة.

2- ختمت السورة السابقة ببيان فضل الله، وافتتحت هذه السورة بما يشير إلى بعض الفضل.

3- ذكر في المجادلة: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.. الآية (7) وهي تفصيل لإجمال قوله تعالى في السورة السابقة:

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) .

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام التشريعية، وقد تضمنت حكم الظهار وكفارته، وحكم التناجي، وأدب المجالس، وتقديم الصدقة في بدء الأمر قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحكم المنافقين وجزائهم وتكذيبهم ووصفهم بأنهم حزب الشيطان، وموادة أعداء الله وموالاتهم. وتميزت الآيات كلها في هذه السورة باشتمال كل آية على لفظ الجلالة: (الله) لتربية المهابة منه في النفوس، وعدم التجرؤ على مخالفة أحكامها.

بدئت السورة ببيان سماع الله صوت امرأة هي خولة بنت ثعلبة، تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن مصيرها من زوجها أوس بن الصامت الذي ظاهر منها قائلا لها: «أنت علي كظهر أمي» وحكم الظهار في الجاهلية تحريم الزوجة تحريما مؤبدا، فبدّل الله ذلك الحكم، وجعل حكم الظهار التحريم المؤقت الذي يزول بإخراج كفارة الظهار المنصوص عليها في الآيات الأولى من هذه السورة: عتق رقبة، فصيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكينا (الآيات: 1- 4) وأعقبت ذلك بالحكم بإذلال وخزي الذين يعادون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإحصاء أعمالهم وشهادته عليهم (الآيتان: 5- 6) .

ثم ذكرت أدب التناجي في المجالس: وهو الكلام سرا بين اثنين فأكثر أمام الآخرين، وحرّمته إذا كان تناجيا بالإثم والعدوان، كما كان يفعل اليهودوالمنافقون، وأخبرت بأن الله يعلم سر الحديث الدائر بين اثنين فأكثر، وفضحت خبث اليهود ومكرهم وخداعهم حينما كانوا يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية ظاهرها السلام، وباطنها الأذى والسب، قائلين: السام عليك يا محمد، أي الموت (الآيات: 7- 10) .

وأردفت ذلك ببيان أدب التفسح في المجالس، وطلب مغادرتها، وأشادت بالمؤمنين الذين يمتثلون أوامر الله وأوامر رسوله، وامتدحت العلماء منهم خاصة، وأوجبت تقديم الصدقة عند مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفعت الحكم تخفيفا على المؤمنين وتيسير لقاء نبيهم، وجعلت محله الاشتغال بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله (الآيات: 11- 13) .

ثم أبانت مخازي المنافقين الذين يوالون اليهود ويحبونهم، ويفشون أسرار المؤمنين لهم، ويحلفون الأيمان الكاذبة، ويعادون الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، ويخالفون أمرهما، فهم مخذولون مهزومون، والمؤمنون أعزة منصورون (الآيات: 14- 21) .

وختمت السورة الكريمة بأمر المؤمنين بتجنب الخونة الذين يوالون أعداء الأمة ولو كانوا أقرب الناس إليهم، وينافقون ويتذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء، لإضعاف كيان أمتهم وتفريق جمعهم، أما الأمة المتماسكة المتحابّة، فهي أمة الإيمان الحق، وأهل الجنة خالدين فيها أبدا.

والتفريق بين الموقفين: موقف الإيمان وموقف الكفر والنفاق يبين أن الحب ينبغي أن يكون لله، والبغض لله، وأن اكتمال الإيمان يتطلب معاداة أعداء الله (الآية: 22) .


59- سورة الحشر

* محور السورة وموضوعها الأساسي: نزلت السورة في غزوة بني النضير لتبرز نوعين من الناس: من ينتمي إلى الإسلام ويتبرأ من الكافرين ومن يوالي الكافرين ولذلك فهي تذكر صفات المنافقين.

* يتم ذلك من خلال :

1- قدرة الله هي التي هزمت اليهود في نفوسهم أولاً ثم في حصونهم وأن هذا هو مصير أعداء الله دائمًا: [آية (1)- آية (5)].

2- الله هو الذي أفاء عليكم بفضله فلا ترجعوا لغيره أمرًا أو نهيًا (وحدة المصدر التشريعي) ولا تجعلوا المال حكرًا على الأغنياء منكم بل يعطى لعامة (المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان) الذين هم المثال الأعلى لولاء المؤمنين بعضهم لبعض: [آية (6)- آية (10)].

3- ولاء المنافقين للكفار ولاء هش لا أصل له فهم لن ينفذوا ما وعدوهم به بل سيتخلون عنهم كما يتخلى الشيطان عن أوليائه: [آية (11)- آية (17)].

4- تذكير المؤمنين أن لا يكونوا كهؤلاء الذين نسوا أوامر الله ونسوا الآخرة بل على المؤمنين دائمًا تقوى الله وتذكر الآخرة: [آية (18)- آية (20)].

5- بيان عظمة القرآن وعظمة الله سبحانه وتعالى منزل القرآن وخالق الجبال وهازم الأحزاب فكيف يظن اليهود أو غيرهم أن حصونهم تمنعهم من الله إذ لا ناصر ولا معين ولا حافظ إلا الله وكيف لا ينتمي المرء للملك العظيم الذي له هذه الأسماء الحسنى الدالة على قوته وقدرته وعظمته سبحانه وتعالى: [آية (21)- آية (24)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- ذكر في السورة السابقة من حادّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن قتل من الصحابة أقرباءه يوم بدر، وفي أول هذه السورة ذكر من شاقّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما جرى بعد غزوة بني النضير من إجلاء اليهود، وقد حدثت الغزوة بعد بدر.

2- أخبر الله في آخر السابقة عن نصر الرسل: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وأفاد في أول هذه إنجاز النصر على اليهود: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْيَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.

3- كشف الله في السورة المتقدمة حال المنافقين واليهود وموادة بعضهم بعضا، وذكر في هذه السورة ما حلّ بيهود بني النضير.

 

ما اشتملت عليه السورة:

سورة الحشر كسائر السور المدنية عنيت بالأحكام التشريعية، مثل إجلاء يهود بني النضير من المدينة، وأحكام الفيء والغنائم، والأمر بالتقوى. كما أن فيها تحليلا لعلاقة المنافقين باليهود، وبيان عظمة القرآن، وإيراد بعض أسماء الله الحسنى.

افتتحت السورة بتنزيه الله نفسه عن كل نقص، وتمجيده من جميع ما في الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد، وشهادتهم بوحدانيته وقدرته، والنطق بعظمته.

وأردفت ذلك بالإشادة بالنصر على أعداء الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، وإجلاء يهود بني النضير من المدينة المنورة، وتهديم قلاعهم وحصونهم.

ثم أبانت حكم الفيء وهو الأراضي والدور والأموال الآيلة من العدو للمسلمين من غير قتال، ببيان مصارفه وتوزيعه على مختلف فئات المسلمين، وحكمة ذلك التوزيع.

وفي ثنايا آيات الفيء امتدح الله تعالى مواقف المهاجرين، وأشاد بمآثر الأنصار، وانتدب الذين جاؤوا من بعدهم للثناء على من سبقهم والدعاء لهم بالمغفرة.

وقارن ذلك بعلاقة المنافقين باليهود، وتحالفهم على الباطل، وكشف أخلاق الفريقين، ومنها خذلان المنافقين من يحالفونهم وقت الأزمة، وجبن اليهود وخوفهم من مواجهة المؤمنين، وتشبيه المنافقين بالشيطان الذي يغري الإنسان بالسوء والضلال، ثم يتخلى عنه في الوقت العصيب.

ثم أمر الله المؤمنين بالتقوى، والاستعداد ليوم القيامة وما فيه من أهوال جسام، والاعتبار بأحوال الماضين، وتذكر الفرق العظيم بين أهل الجنة وأهل النار، ومصير السعداء والأشقياء في دار الخلود.

وختمت السورة ببيان عظمة القرآن الكريم، وعظمة من أنزله واتصافه بأوصاف الجلال، وتسميته بالأسماء الحسنى.


60- سورة الممتحنة

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة تمتحن قارئها: هل تشعر بالانتماء والولاء للإسلام والمسلمين؟ وهل ولاؤك لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين؟ وهل محبتك لهذا الدين ولكل من ينتمي إليه؟ وهل عندك رغبة في نصرة هذا الدين وأهله والمعاداة والتبرؤ من الكفر وأهله حتى وإن كانوا أقرب قريب؟ إن لم تشعر بهذه المشاعر وإن لم تتحرك في هذا الاتجاه فعندك مشكلة في الإيمان لأن الموالاة والمعاداة أصل من أصول التوحيد.

* يتم ذلك من خلال:

تعقيب على قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قبيل فتح مكة يقرر عدة قواعد في الموالاة والمعاداة :

1- لا موالاة ولا مودة بين المؤمنين والكافرين ولو كانوا أقرب الأقربين: فشل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في (الامتحان): [آية (1)- آية (3)].

2- الموالاة والمعاداة أصل من أصول التوحيد عند كل الأنبياء صلى الله عليهم وسلم والمؤمنين: نجاح إبراهيم عليه السلام في (الامتحان): [آية (4)- آية (6)].

3- لا تعارض بين معاداة الكافرين وبين العدل في معاملة غير المسلمين رجاءً في هدايتهم: (امتحان) للمسلمين في التوازن بين الأمرين: [آية (7)- آية (9)].

4- بيان كيفية التعامل مع المؤمنات المهاجرات: (امتحان) لهن للتأكد من صدقهن: [آية (10)- آية (13)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الحشر من وجهين:

1- ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، ثم موالاة الذين نافقوا للكفار من أهل الكتاب، وافتتحت هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكافر أولياء، لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر النهي في السورة، ثم ختمت به.

2- كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب، وهذه السورة للمعاهدين من المشركين، لأنها نزلت في صلح الحديبية، فالسورتان تشتركان في بيان علاقات المسلمين مع غيرهم.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية في بيان الأحكام التشريعية، وهي هنا أحكام المتعاهدين من المشركين، والذين لم يقاتلوا المسلمين، والمؤمنات المهاجرات وامتحانهن.

ابتدأت السورة بالنهي عن موالاة المشركين وأسباب ذلك وهي إيذاء المؤمنين وعداوتهم لله ولمن آمنوا، وإلجاؤهم إلى الهجرة وترك الديار والأوطان.

ثم ذكرت أن القرابة أو الصداقة غير نافعة يوم القيامة، وإنما النافع للإنسان هو الإيمان والعمل الصالح: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...

وأعقبت ذلك بضرب الأمثال بقصة إبراهيم ومن معه من المؤمنين، وتبرؤهم من قومهم المشركين، ليتخذ المؤمن أبا الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن قدوة وأسوة طيبة: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ.. الآيات.

ثم وضعت أصول العلاقات بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في حالتي السلم والحرب، والمودة والعداوة: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ.. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ الآيات.

وانتقل البيان عقب ما ذكر إلى حكم العلاقات مع المشركين فيما يتعلق بالنساء المؤمنات، وضرورة امتحانهن عند الهجرة لدار الإسلام، وعدم ردهن إلى الكفار في دار الكفر وإيتاء أزواجهن مهورهن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ.. الآيات.

واستتبع ذلك بيان حكم مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم لهن، وشروط البيعة وبنودها، وأصولها في الإسلام وداره.

وختمت السورة بتأكيد النهي عن موالاة أعداء المؤمنين من المشركين والكفار، حرصا على وحدة الأمة والملة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً....


61- سورة الصف

* محور السورة وموضوعها الأساسي: السورة توضح قضية الانتماء والموالاة وأن من صفات المؤمن الحق أن ينصر دينه ويجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله ولن يحدث هذا إلا بالانتماء والولاء لهذا الدين فالسورة دعوة للانتماء للإسلام ونصرة هذا الدين فتبدأ بهذا المعنى وتنتهي به مبينة أن قضية الانتماء والموالاة أصل من أصول الدين الذي جاء به جميع الأنبياء عليهم السلام.

* يتم ذلك من خلال :

1- بيان أن دين المسلم هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة التي أراد الله عز وجل أن يظهره على الدين كله (خاصة بعد فشل أهل الكتاب في حمل الأمانة) حيث إن الكفار يسيرون عكس ذلك ويريدون القضاء على هذا الدين: [آية (1)- آية (9)].

2- على المسلم أن يحمل أمانة هذه العقيدة ويجاهد في سبيلها متضامنًا مع إخوانه المسلمين مخلصًا لله قولاً وعملاً ليفوزوا في الدنيا والآخرة كما فاز من حملها من الأمم السابقة: [آية (10)- آية (14)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:

1- نهت السورة السابقة في مطلعها وأثنائها وختامها عن موالاة الكفار من دون المؤمنين، وأمرت هذه السورة بوحدة الأمة ووقوفها صفا واحدا تجاه الأعداء.

3- ذكرت السورة المتقدمة أحكام العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم داخل الدولة الإسلامية وخارجها، وقت السلم، وحرضت هذه السورة على الجهاد ورغبت فيه بسبب العدوان، وأنّبت التاركين للقتال وشبهتهم ببني إسرائيل الذين عصوا موسى عليه السلام حين ندبهم للقتال، ثم عصوا عيسى عليه السلام حين أمرهم باتباعه بعد إتيانه بالبينات والمعجزات، واتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به.

ما اشتملت عليه السورة:

إن محور السورة وموضوعها هو القتال وجهاد الأعداء، والتضحية في سبيل الله تعالى، وبيان ثواب المجاهدين العظيم، وذلك من الأحكام التشريعية التي تعنى بها السور المدنية عادة.

وقد بدئت السورة بتسبيح الله سبحانه وتنزيهه وتمجيده تنبيها لعظمة منزلها، وبيان خطورة ما ترشد إليه من وجوب الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، ووقوفها صفا واحدا في قتال الأعداء، لرفع منار الحق، وإعلاء كلمة الله تعالى، ثم لوم الذين يخالفون بعملهم أقوالهم.

ثم حذرت من الفرقة والعصيان والمخالفة شأن بني إسرائيل الذين عصوا أمر موسى وعيسى عليهما السلام حينما أمرهم موسى بقتال الجبارين، وأمرهم عيسى باتباعه واتباع الرسول أحمد صلى الله عليه وسلم الذي يأتي بعده وتلك بشارة به: وَإِذْ قالَ مُوسى.. وَإِذْ قالَ عِيسَى.. الآية، ثم ضربت المثل للمشركين بمن يريد إطفاء نور الله بأفواههم: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ...

وأردفت ذلك بالبشارة والإخبار بنصرة الإسلام ودعوته وتفوقه وغلبته على سائر الأديان، فهو دين الهدى والحق.

ثم رسمت طريق الهدى، وأوضحت منهاج السعادة الكبرى وسبيل النجاة من العذاب الأخروي بإعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وبيان ثمرة الجهاد وهو النصر في الدنيا وثواب المجاهدين في الآخرة، وأكدت ذلك بالأمر بنصرة دين الله عز وجل، كمناصرة الحواريين دين عيسى عليه السلام: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ.. الآيات، وبالدعوة إلى نصرة دين الله يتناسب ختام السورة مع بدايتها.


62- سورة الجمعة

* محور السورة وموضوعها الأساسي: هي سورة اجتماع المسلمين والذي من صوره صلاة الجمعة وأنها يوم وحدة الأمة ومن أهدافها تذكير الأمة بالانتماء والولاء للإسلام والمسلمين وترك الانشغال بالدنيا ذلك الانشغال الذي دفع اليهود من قبل إلى التخلي عن أمانة حمل الدين.

* يتم ذلك من خلال :

1- ترسيخ أن الجماعة المسلمة هي المختارة لحمل أمانة العقيدة بعد أن منّ الله سبحانه وتعالى بخاتم الأنبياء صلّى الله عليه وسلم عليها وبعد نكول بني إسرائيل عن حمل الأمانة: [آية (1)- آية (8)].

2- ومن ثم توجيه للجماعة المسلمة بأن لا تلهيها الدنيا والمال عن المتاع الحقيقي في الدنيا والآخرة: [آية (9)- آية (11)].

مناسبتها لما قبلها:

يتضح وجه اتصال هذه السورة بما قبلها من نواح أربع هي:

1- ذكر تعالى في السورة التي قبلها حال موسى مع قومه، وإيذاءهم له، مؤنبا لهم، وذكر في هذه السورة حال الرسول صلى الله عليه وسلم وفضل أمته، تشريفا لهم، ليظهر الفرق بين الأمتين وفضل الأمة الاسلامية.

2- بشّر عيسى عليه السلام في السورة المتقدمة بمحمد أو أحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر في هذه السورة أنه هو الذي بشّر به عيسى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ.

3- ختم الله تعالى سورة الصف السابقة بالأمر بالجهاد وسماه تِجارَةً وختم هذه السورة بالأمر بالجمعة، وأخبر أنه خير من التجارة الدنيوية.

4- في السورة المتقدمة أمر الله المؤمنين بأن يكونوا صفا واحدا في القتال،فناسب تعقيب سورة القتال بسورة صلاة الجمعة التي تستلزم الصف، لأن الجماعة شرط فيها دون سائر الصلوات  .

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كالسور المدنية بيان أحكام التشريع، والهدف منها هنا بيان أحكام صلاة الجمعة المفروضة بدلا عن الظهر في يوم الجمعة.

بدأت السورة كسابقتها بتنزيه الله وتمجيده ووصفه بصفات الكمال. ثم أشادت بأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ورحمة الله المهداة وهي عروبته وتلاوته آيات القرآن على قومه وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والسنة، سواء في زمنه أم للأجيال المتلاحقة، وبيان كون ذلك فضلا من الله ونعمة ورحمة.

ثم نعت على اليهود لتركهم العمل بأحكام التوراة، وتشبيههم بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب النافعة، ولكنه لا يفهم منها شيئا، ولا يناله إلا التعب، وذلك الشقاء بعينه.

ثم ذكرت طلب مباهلة اليهود إن كانوا أولياء الله بتمني الموت.

وختمت السورة بالحث على أداء صلاة الجمعة وإيجاب السعي لها بمجرد النداء الذي ينادى لها بالأذان والإمام على المنبر، وأباحت السعي وكسب الرزق عقب انتهاء الصلاة، وعاتبت المؤمنين الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب على المنبر، ومسارعتهم لرؤية قافلة التجارة.


63- سورة المنافقون

1- حملة عنيفة على المنافقين تفضح دورهم في تفتيت الانتماء والموالاة لهذا الدين وتكشف أخلاقهم الفاسدة وأكاذيبهم ودسائسهم ومناوراتهم وما في نفوسهم من البغض للمسلمين والكيد واللؤم والجبن وانطماس البصيرة: [آية (1)- آية (8)].

2- ثم تحذير للمؤمنين من أن يتصفوا بأدنى صفة من صفات المنافقين كالانشغال بالأموال والأولاد عن البذل في سبيل الله لأن هذا الانشغال عامل مؤثر سلبًا في الانتماء والموالاة: [آية (9)- آية (11)].

مناسبتها لما قبلها:

تبدو صلة هذه السورة بما قبلها بعقد مقارنة وإجراء تقابل بين المؤمنين والمنافقون، ففي سورة الجمعة ذكر المؤمنون، وفي هذه ذكر أضدادهم وهم المنافقون، لذا

أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة سورة الجمعة، يحرّض بها المؤمنين، وسورة المنافقين يقرّع بها المنافقين.

كما أن سورة الجمعة مشتملة على ذكر من كان يكذب ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم قلبا ولسانا وهم اليهود، وتذكر هذه السورة من كان يكذبه قلبا دون اللسان ويصدقه لسانا دون القلب، وهم المنافقون.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسائر السور المدنية هو الحديث عن التشريعات والأحكام وما تمخض عنه مجتمع المدينة بعد الهجرة من بروز ظاهرة النفاق. وابتدأت السورة بإيراد صفات المنافقين التي من أهمها الكذب في ادعاء الإيمان، وحلف الأيمان الفاجرة الكاذبة، وجبنهم وضعفهم وتآمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، وصدهم الناس عن دين الله.

ثم ذكرت موقفهم المخزي والمستعلي وهو ادعاؤهم العزة وزعمهم بأنهم بعد العودة من غزوة بني المصطلق سيخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المدينة.

وختمت السورة بحثّ المؤمنين على التضامن والطاعة وعبادة الله، وإنفاق الأموال في سبيل الله لمواجهة الأعداء في الداخل والخارج، قبل انقضاء الأجل أو فوات الأوان، فإن الأجل لا يتأخر لحظة.


64- سورة التغابن

سورة (التغابن والطلاق والتحريم) تدور حل محور واحد:خطورة فتنة الأولاد والأزواج عن أن تكون سببًا يعيق أو يلهي عن القضية الأساسية للمسلم وهي قضية الانتماء والولاء للإسلام والمسلمين.

1- دعوة للعقيدة الصحيحة من خلال المؤثرات الكونية والنفسية ومن ثم تنديد بالكافرين بالبعث وتذكيرهم بمصير المكذبين السابقين وتحذيرهم من عذاب الآخرة: [آية (1)- آية (13)].

2- ثم تنبيه للمؤمنين وحث على الإنفاق وتحذير من الشح والافتتان بالأزواج والأولاد والأموال: [آية (14)- آية (18)].

تسميتها:

سميت التغابن تذكيرا بيوم القيامة الذي يظهر فيه غبن الكافر وخسارته بتركه الإيمان، وهو المذكور في قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ، ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ (9) .

مناسبتها لما قبلها:

تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- في السورة السابقة ذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر المؤمنين من أخلاق المنافقين، وهنا حذر تعالى من صفات الكافرين: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.. وقسم الناس في الجملة قسمين: مؤمن وكافر، وبشر المؤمن بالجنة، وهدد الكافر بالنار.

2- نهى الله تعالى في السورة المتقدمة عن الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله: لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وفي هذه السورة ذكر أن الأموال والأولاد فتنة: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ

وهذا كالتعليل لما سبق.

3- أمر الله في آخر سورة (المنافقون) السالفة بالإنفاق في سبيل الله:

وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ.. كذلك أمر بالإنفاق في أواخر هذه السورة: وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ.. كما أن سورة التغابن تدل على أنه يغبن الناس في يوم القيامة بعضهم بعضا بترك الإيمان والعمل الصالح والإنفاق في سبيل الله.

ويلاحظ الترتيب بين السور الست التالية، فإنها اشتملت على أصناف الأمم، فسورة الحشر: في ذكر المعاهدين من أهل الكتاب، فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا، وسورة الممتحنة: في ذكر المعاهدين من المشركين، وسورة الصف: ذكر فيها أهل الكتاب: اليهود والنصارى، والمؤمنون، وكذلك سورة الجمعة: ذكر فيها اليهود وأهل الإيمان، وسورة (المنافقون) : في أهل النفاق، وسورة التغابن: ذكر فيها المشركون والكفار بنحو عام. وبه يتبين أن الفصل بين المسبّحات التي هي نظائر (وهي الحشر والصف والجمعة والتغابن) جاء لحكمة دقيقة هي الكلام الشامل عن هذه الأمم.

ما اشتملت عليه السورة:

سورة التغابن من السور المدنية التي عنيت خلافا للمعتاد بأمور متعلقة بالعقائد.

ابتدأت ببيان بعض صفات الله الحسنى المتصلة بجلال الله وقدرته وعلمه وخلقه الإنسان الذي يؤول أمره إلى أحد قسمين: مؤمن وكافر.

ثم أنذرت الكفار بما حل بالأمم الماضية التي كذبت الرسل بسبب بشريتهم، وإنكارهم البعث، والرد عليهم بقسم الله بوقوعه وأنه حق، وبجزائه على الأعمال.

ودعت بعدئذ إلى الإيمان بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن النور الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهددت بما يلقاه الناس يوم القيامة يوم يغبن فيه الكافر بتركه الإيمان، ويغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ويدخل المؤمنون الذين يعملون الصالحات الجنان، ويدخل الكافرون النيران، وفي ذلك أمر بالطاعة وتحذير من المعصية.

ثم أبانت أن كل ما يحدث في الكون بإرادة الله ومشيئته، وأكدت الأمر بطاعة الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم والتوكل على الله وحده، فإن أعرضوا فلا يضير رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاءهم على الكفر.

ثم حذرت من عداوة بعض الأزواج والأولاد الذين يمنعون الإنسان أحيانا عن الجهاد، وأوصت بالعفو والصفح عن المسيء، وأخبرت بأن الأموال والأولاد فتنة واختبار.

وختمت السورة بالأمر بالتقوى والإنفاق في سبيل الله لإعلاء دينه، وحذرت من الشح والبخل، وأبانت مضاعفة الثواب للمحسنين المنفقين من أجل إعلاء كلمة الله تعالى.


65- سورة الطلاق

1- الأصل في الإسلام المحافظة على وحدة الأسرة التي يبدأ بها الانتماء والموالاة ولكن إذا وقع الطلاق فيجب على جميع الأطراف المحافظة على الموالاة وتقوى الله عز وجل للحفاظ على تماسك الجماعة المسلمة.

ولذلك يتكرر الحض على تقوى الله سبحانه وتعالى طوال السورة من خلال:

·   بيان أحكام الطلاق التي لم تفصل في سورة البقرة في إطار من:

·   الترغيب في السماحة والتراضي وإيثار الجميل وتقوى الله وبيان ثواب ذلك وهو الفرج والسعة من الله سبحانه وتعالى صاحب الخلق والرزق والتيسير: [آية (1) آية (7)].

2- الترهيب من التعنت وما يجره من عقاب من الله عز وجل والتعسير على صاحبه واستجلاب سنن الله سبحانه وتعالى في هلاك العاتين عن أمره تعالى: [آية (8) آية (12)].

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجهين:

1- أنه قال في أواخر التغابن: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ولما كانت عداوة الأزواج قد تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تؤدي إلى القسوة وترك الإنفاق عليهم، عقب ذلك بسورة فيها أحكام الطلاق والإنفاق على الأولاد وعلى المطلقات.

2- أشار الله تعالى في آخر التغابن إلى كمال علمه بقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وأشار في آخر هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام الخاصة بطلاقهن، فكأنه بيّن ذلك العلم الكلي بهذه الجزئيات.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة المدنية بيان الأحكام التشريعية التي تنظم حال الأسرة أثناء قيامها وبعد انفصال الزوجين. شرعت السورة في الكلام على أحكام الطلاق السّنّي الذي يستقبل به العدة، وأحكام العدة وإحصاء وقتها مع تقوى الله ورقابته في إعلان انقضائها.

وأمرت الأزواج بعدئذ بالإمساك بالمعروف أو المفارقة بالإحسان. وأشادت في مجال العلاقات الزوجية وغيرها بتقوى الله والتوكل عليه.

ثم أبانت حكم عدة المرأة اليائس من المحيض التي انقطع دمها لكبر أو مرض، وعدة الصغيرة التي لم تحض، ومدتهما واحدة وهي ثلاثة أشهر. وأردفت ذلك ببيان عدة المرأة الحامل وهي وضع الحمل.

واقتضى البيان توضيح حكم النفقة والسكنى أثناء العدة، وحكم إعطاء الأجر على الرضاع، وتقدير النفقة يسارا وإعسارا، وتخلل ذلك الأمر بالتقوى منعا من الظلم وتجاوز الحدود.

وختمت السورة بالتحذير من مخالفة الأحكام وتعدي حدود الله، وهددت بالعقوبة المماثلة لعقوبات الأمم الباغية التي تخطت أوامر الله، وكررت الأمر بالتقوى، وذكّرت بمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تلاوة آيات الله لإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وأوضحت جزاء الإيمان والعمل الصالح، ثم أوردت البرهان القاطع على قدرة الله الشاملة وعلمه الواسع بخلق السموات السبع والأرضين السبع، وتنزل وحي الله وأمره وقضائه بين السموات والأرض.


66- سورة التحريم

1- إذا كانت الأموال والأولاد فتنة وإذا كان من بعضهم عدوًا لكم فاحذروا وتنبهوا وكونوا حريصين على إنقاذ أنفسكم وأزواجكم من النار [آية (6)] فالأسرة القوية والمرأة الواعية هي أساس انتماء وتماسك الأمة ومن ثم :

·   دعوة لصاحبات البيوت بالتوبة من أي تقصير في حق الأسرة.

·   دعوة لأصحاب البيوت بالقيام على تربية الأهل والأولاد لإنقاذ أنفسهم وأهليهم من عذاب الآخرة.

·   دعوة للدفاع عن الأسرة المسلمة ضد الكفار والمنافقين: [آية (1)- آية (9)].

2- بيان أهمية دور المرأة الصالحة في حمل أمانة الدين مع تقرير مبدأ التبعة الفردية حتى داخل الأسرة الواحدة: [آية (10)- آية (12)].

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- افتتاح السورتين كلتيهما بخطاب النّبي صلى الله عليه وسلم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ.

2- اشتراك السورتين في الأحكام المخصوصة بالنساء، فالأولى سورة الطلاق في بيان أحكام الطلاق والعدة وحقوق المعتدة وحسن المعاشرة، وهذه السورة في موقف بعض نساء النّبي صلى الله عليه وسلم وكيفية معاملة النّبي صلى الله عليه وسلم لهنّ بالحسنى واللين والنصح.

4- إن سورة الطلاق المتقدمة في تحريم ما أحل الله بالطلاق، وإنهاء خصومة بعض نساء الأمة، وهذه السورة في تحريم ما أحل الله من نوع آخر بالإيلاء، وإنهاء خصومة نساء النّبي صلى الله عليه وسلم، وإفرادها بأحكامهن تعظيما لهن، لذا ختمت بذكر زوجته في الجنة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المدنية تتضمن بعض أحكام التشريع الخاصة بأمهات المؤمنين لتكون نموذجا يحتذي لجميع الأمة.

ابتدأت السورة بعتاب لطيف للنّبي صلى الله عليه وسلم على تحريمه على نفسه شيئا مباحا وهو العسل كما ثبت في الصحيح إرضاء لبعض أزواجه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ.. الآية.

ثم وجّهت العتاب لبعض أزواج النبي لإفشائهن السرّ حين أسرّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجته حفصة، فأخبرت به عائشة، مما أغضب النّبي صلى الله عليه وسلم، وهمّ بتطليق أزواجه، وهدّدهن الله بإبداله أزواجا خيرا منهن: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ ...

عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ...

وناسب هذا التذكير باتقاء أهل بيت الإيمان النار والترهيب من الجزاء، وبالتوبة النصوح، وبجهاد الكفار والمنافقين من غير انشغال بأحوال البيت والأسرة من أزواج وأولاد.

وختمت السورة بضرب مثلين عظيمين: أحدهما للكافرين، والثاني للمؤمنين، والأول مثل الزوجة الكافرة: امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، عند الرجل المؤمن الصالح، والثاني مثل الزوجة المؤمنة: امرأة فرعون، عند الرجل الكافر الفاجر، ومثل المرأة الحرة التقية البتول في غير عصمة أحد، تنبيها للناس على وجوب اعتماد الإنسان على نفسه، وأنه لا يغني في الآخرة أحد عن أحد، ولا ينفع حسب ولا نسب إذا ساء العمل.


67- سورة الملك

·   سور (الملك- القلم- الحاقة- المعارج) تبين صفات الداعية وسورتا (نوح- الجن) نموذجان للدعاة من الإنس والجن وسورة (المزمل) تبين زاد الداعية.

         سورة الملك تركز على الصفات العلمية للداعية (العلم بالتوحيد والبعث والنبوة).

* بيان حقيقة المُلك والقدرة والعلم في حقه سبحانه وتعالى وذلك من خلال:

·   عرض آيات الله في الحياة والموت والسماوات وما فيها: [آية (1)- آية (5)].

·   تذكير وتخويف بعذاب جهنم وبئس المصير: [آية (6)- (11)].

·   علم الله محيط وشامل لعالمي الغيب والشهادة: [آية (12)- (14)].

·   آيات الله وآلائه ونعمه العظيمة الشاملة تملأ السماء والأرض وتحيط بالإنسان والمخلوقات من حوله شاهدة على الصفات العلى للخالق سبحانه وتعالى: [آية (15)- (24).

·   تذكير الإنسان أنه سيُبعث ويُحشر ويحاسب على هذه النعم ثم يُجازى بالجنة أو بالنار وفق علم الله الشامل المحيط فالمُلك بيده وحده سبحانه وهو على كل شيء قدير: [آية (25)- (30)].

مناسبتها لما قبلها:

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها من وجهين:

1- وجه عام: وهو أن هذه السورة تؤكد مضمون السورة السابقة في جملتها، فالسورة المتقدمة تبيّن مدى قدرة الله وهيمنته وتأييده لرسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم في مواجهة احتمال ظهور تآمر امرأتين ضعيفتين من نسائه عليه، وهذه السورة توضح بصيغة عامة أن بيد الله ملك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه القدير على كل شيء.

2- وجه خاص: وهو أنه تعالى ذكر في أواخر «التحريم» مثالين فريدين متمثلين بامرأتي نوح ولوط للكافرين، وبامرأة فرعون المؤمنة، ومريم العذراء البتول للمؤمنين، وهذه السورة تدل على إحاطة علم الله تعالى وتدبيره وإظهاره في خلقه ما يشاء من العجائب والغرائب، فإن كفر امرأتي نوح ولوط لم يمنع اتصالهما بنبيين كريمين، وإيمان امرأة فرعون، لم يضر به اتصالها بفرعون الطاغية الجبار العنيد، كما لم يزعزع إيمان مريم حملها غير المعهود بعيسى عليه السلام.

ما اشتملت عليه السورة:

سورة الملك كسائر السور المكية تعنى بأصول العقيدة الأساسية وهي إثبات وجود الله، وعظمته، وقدرته على كل شيء والاستدلال على وحدانيته، والإخبار عن البعث والحشر والنشر.

بدئت بالحديث عن تمجيد الله سبحانه، وإظهار عظمته، وتفرده بالملك والسلطان، وهيمنته على الأكوان، وتصرفه في الوجود بالإحياء والإماتة (الآيات: 1- 2) .

ثم أكدت الاستدلال على وجود الله عز وجل بخلقه السموات السبع، وما زيّنها به من الكواكب والنجوم المضيئة، وتسخيرها لرجم الشياطين ونحو ذلك من مظاهر قدرته وعلمه (الآيات: 3- 5) مما يدل على أن نظام العالم نظام محكم لا خلل فيه ولا تغاير.

ومن مظاهر قدرته تعالى: إعداد عذاب جهنم للكافرين، وتبشير المؤمنين بالمغفرة والأجر الكبير، وذلك جمع بين الترهيب والترغيب على طريقة القرآن الكريم (الآيات: 6- 12) .

ومن مظاهر علمه وقدرته ونعمه: علمه بالسر والعلن، وخلقه الإنسان ورزقه، وتذليل الأرض للعيش الهني عليها وحفظها من الخسف، وحفظ السماء من إنزال الحجارة المحرقة المدمرة للبشر، كما دمرت الأمم السابقة المكذبة رسلها، وإمساك الطير ونحوها من السقوط، وتحدي الناس أن ينصرهم غير الله إن أراد عذابهم (الآيات: 13- 20) .

وأردفت ذلك في الخاتمة بإثبات البعث، وحصر علمه بالله تعالى، وإنذار المكذبين بدعوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتحذيرهم من إيقاع العذاب بهم، وإعلان وجوب التوكل على الله، والتهديد بتغوير الماء الجاري في الأنهار والينابيع دون أن يتمكن أحد بإجرائه والإتيان ببديل عنه (الآيات: 25- 30) .

والخلاصة: أن السورة إثبات لوجود الله تعالى ووحدانيته ببيان مظاهر علمه وقدرته، وإنذار بأهوال القيامة، وتذكير بنعم الله على عباده، وربط الرزق بالسعي في الأرض ثم التوكل على الله تعالى.


68- سورة القلم

تسميتها:

سميت سورة القلم لافتتاحها بما أقسم الله تعالى به وهو ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ وأقسم بالقلم تعظيما له لما له في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف، كما قال صاحب الكشاف. والمراد بالقلم عند الأكثرين: الجنس، أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض.

* بيان أخلاق النموذج الأول للداعية: النبي محمد صلّى الله عليه وسلم مع مواساته وتثبيته على الدعوة [آية (1) – (7)] وذلك من خلال:

·   عرض للصفات الذميمة للمكذبين المستهزئين المغترين بالأموال والأولاد تحذيرًا للدعاة من هذه الصفات المذكورة: [آية (8)- (16)].

·   تذكير بعاقبة البطر وعدم أداء حق النعم تحذيرًا أيضًا من هذه الصفة: [آية (17)- (33)].

·   جدل بسيط يتحدى الكفار ويتهددهم بالعقوبة في الدنيا والآخرة [آية (34)- (47)].

·   أمر للنبي صلّى الله عليه وسلم بالصبر والثبات على الدعوة حتى تعم العالمين بأمر الله سبحانه وتعالى: [آية (48) – (52)].

مناسبتها لما قبلها:

هناك وجهان لتعلق السورة بما قبلها:

1- ذكر الله تعالى في آخر سورة تبارك الملك تهديد المشركين بتغوير الماء، وذكر في هذه السورة دليلا على ذلك وهو إذهاب ثمر البستان في ليلية بطائف طاف عليه، وهو نار من السماء أحرقته، وهم نائمون، فلم يجدوا له أثرا.

2- ذكر الله تعالى في سورة الملك أدلة قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأثبت البعث، وهدد المشركين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وحثهم على الإيمان بالله وحده لا شريك له وبالبعث وبالرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم برّأ الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في مطلع هذه السورة من أباطيل المشركين ونسبتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السحر أو الشعر أو الجنون، وأثنى عليه بالخلق العظيم.

ما اشتملت عليه السورة:

عنيت هذه السورة المكية كسابقتها بأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة وهي هنا إثبات النبوة والرسالة، والبعث والآخرة، وبيان مصير المسلمين والمجرمين في القيامة.

بدئت السورة بالقسم بالقلم تعظيما له لنفي تهم المشركين ومزاعمهم الباطلة، ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخلق العظيم: ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ إلى قوله:

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

وأردفت ذلك ببيان سوء أخلاق بعض الكفار وافترائهم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم وتهديدهم بما أعدّ الله لهم من العذاب الأليم: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ إلى قوله:

سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ.

ثم ضربت المثل لكفار مكة بأصحاب الجنة (البستان) بإحراقه وإتلافه، بسبب كفرهم وجحودهم نعمة الله، وعزمهم على منع حقوق الفقراء والمساكين:

إِنَّا بَلَوْناهُمْ.. إلى قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

وقارنت بين المؤمنين والمجرمين، ووبخت المشركين على أحكامهم الفاسدة، وفنّدت دعاويهم، وأقامت الحجج عليهم، وأبانت أحوالهم في الآخرة وموقفهم المخزي: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.. إلى قوله: وَهُمْ سالِمُونَ.

ثم هددت المشركين المكذبين بالقرآن: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ... بالله وحده لا شريك له وبالبعث وبالرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم برّأ الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في مطلع هذه السورة من أباطيل المشركين ونسبتهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السحر أو الشعر أو الجنون، وأثنى عليه بالخلق العظيم.

ما اشتملت عليه السورة:

عنيت هذه السورة المكية كسابقتها بأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة وهي هنا إثبات النبوة والرسالة، والبعث والآخرة، وبيان مصير المسلمين والمجرمين في القيامة.

بدئت السورة بالقسم بالقلم تعظيما له لنفي تهم المشركين ومزاعمهم الباطلة، ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم بالخلق العظيم: ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ إلى قوله:

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

وأردفت ذلك ببيان سوء أخلاق بعض الكفار وافترائهم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم وتهديدهم بما أعدّ الله لهم من العذاب الأليم: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ إلى قوله:

سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ.

ثم ضربت المثل لكفار مكة بأصحاب الجنة (البستان) بإحراقه وإتلافه، بسبب كفرهم وجحودهم نعمة الله، وعزمهم على منع حقوق الفقراء والمساكين:

إِنَّا بَلَوْناهُمْ.. إلى قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

وقارنت بين المؤمنين والمجرمين، ووبخت المشركين على أحكامهم الفاسدة، وفنّدت دعاويهم، وأقامت الحجج عليهم، وأبانت أحوالهم في الآخرة وموقفهم المخزي: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.. إلى قوله: وَهُمْ سالِمُونَ.

ثم هددت المشركين المكذبين بالقرآن: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ ... وختمت السورة بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالصبر على أذى المشركين، وحذرته من التبرم والتضجر في تبليغ دعوته، حتى لا يكون مثل يونس عليه السلام:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ.. وأعلنت حمايته من أذاهم، ودحضت افتراءهم بأنه مجنون، وردت عليهم بأن القرآن عظة وعبرة للعالمين، فكيف يكون المنزل عليه مجنونا: وَإِنْ يَكادُ.. إلى آخر السورة.


69- سورة الحاقة

* التذكرة بالآخرة وسيلة وعظية مهمة للداعية: [آية (1)- (3)].

* عرض مصارع المكذبين في الدنيا ومآلهم الرهيب في الآخرة مقابل مآل المؤمنين: [آية (4)- (37)].

* التهديد الجازم والأخذ القاصم لكل من يتلاعب في أمر هذا الدين أو يبدل كائنًا من كان ولو كان هو الرسول محمد نفسه صلّى الله عليه وسلم وذلك لبيان مدى جدية هذا الدين وما يمثله من الحق والاستقرار: [آية (38)- (52)].

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق السورة بما قبلها من وجهين:

1- وقع في سورة (ن) ذكر يوم القيامة مجملا، في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [42] وفي هذه السورة أوضح تعالى نبأ هذا اليوم وشأنه العظيم: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ.

2- هدد الله تعالى في السورة السابقة كل من كذب بالقرآن وتوعده بقوله:

فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ.. [44] وفي هذه السورة ذكر أحوال الأمم التي كذبت الرسل وما عوقبوا به، للعظة والزجر والعبرة للمعاصرين.

     ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كغيرها من السور المكية التي عنيت بأصول العقيدة، وتحدثت عن أهوال القيامة، وصدق الوحي، وكون القرآن كلام الله، وتبرئة الرسول صلّى الله عليه وسلّم من افتراءات الكفار واتهامات الضالين.

بدئت بتفخيم شأن القيامة وتعظيم هولها، وتكذيب الأقوام السابقة بها، مثل ثمود، وعاد، وقوم لوط، وفرعون وأتباعه، وقوم نوح، وإهلاكهم بسبب تكذيبهم بها وتكذيب رسلهم، من أول السورة إلى قوله تعالى: أُذُنٌ واعِيَةٌ.

ثم وصفت وقائع عذاب الآخرة جزاء على إنكاره في الدنيا في قوله تعالى:

فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ.. إلى لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ.

وأردفت ذلك ببيان حال السعداء والأشقياء يوم القيامة: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ إلى قوله: لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ.

ثم أقسم رب العزة قسما بليغا على صدق الوحي والقرآن وأنه كلام الله المنزل على قلب رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأنه ليس بقول شاعر ولا كاهن: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ إلى قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.

وختمت السورة ببيان البرهان القاطع على صدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأمانته في تبليغ الوحي، وأن القرآن تذكرة وعظة وخبر حق لا مرية فيه، ورحمة للمؤمنين وحسرة على الكافرين: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ.. إلخ السورة.


70- سورة المعارج

عرض لحقائق الآخرة وما فيها من جزاء وأهوال وعذاب ومهانة للنفس الكافرة: [آية (1)- (18).

عرض لصفات كل من النفس المؤمنة والنفس الكافرة أمام ابتلاءات الدنيا والتي أوجبت لكل منهما هذا المآل في الآخرة مع عرض الصفات العبادية للدعاة (مثل سورة المؤمنون): [آية (19)- (35)].

عرض لمشهد من مشاهد الدعوة في مكة فيه تعجب وتهكم وسخرية وردع وتحقير للكافرين المكذبين وتوعد لهم بالذل والانكسار والمهانة يوم البعث والحساب: [آية (36)- آية (44)].

مناسبتها لما قبلها:

نزلت هذه السورة بعد الْحَاقَّةُ وهي كالتتمة لها في بيان أوصاف يوم القيامة والنار، وأحوال المؤمنين والمجرمين في الآخرة.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كبقية السور المكية تتحدث عن أصول العقيدة الصحيحة، وفي قمّتها إثبات البعث والنشور، والجزاء والحساب، وأوصاف العذاب والنار.

شرعت السورة ببيان موقف أهل مكة من دعوة الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستهزائهم به، وسؤال الكفار عن عذاب الله واستعجالهم به استهزاء وسخرية وعنادا متمثلا ذلك بالنضر بن الحارث بن كلدة حين طلب إيقاع العذاب،والعذاب واقع بهم: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ..

[الآيات: 1- 7] .

ثم وصف يوم القيامة وأهواله، والنار وعذابها، وأحوال المجرمين في ذلك اليوم الرهيب: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ.. [الآيات: 8- 18] .

وناسب ذلك الحديث الاستطرادي عن طبيعة الإنسان وصفاته التي أوجبت له النار، ومدارها الجزع عند الشدة، والبطر عند النعمة، والبخل والشح عند الحاجة والأزمة وعلاج الفقر: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً.. [الآيات: 19- 21] .

واستثنت من ذلك المؤمنين المصلين الذين يتحلّون بمكارم الأخلاق، فيؤدون حقوق الله وحقوق العباد معا فيستحقون الخلود في الجنان: إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ.. [الآيات: 22- 35] .

ثم نددت السورة بالكفار، وهددتهم بالفناء والتبديل، وأوعدتهم بما يلاقونه يوم القيامة، ووصفت أحوالهم السيئة في الآخرة وقت البعث والنشور: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ.. [الآيات: 36- 70] .


71- سورة نوح

فن الدعوة إلى الله واستخدام كل أساليب الدعوة.

 إياك واليأس في الدعوة.

* عرض نموذج للداعية العظيم (950 سنة دعوة) وهو نبي الله نوح عليه السلام والذي تظهر تجربته مدى الجهد والعناء والصبر والإصرار من الداعية حيث لا مكافأة له إلا رضوان الله عز وجل وما في هذه التجربة من تثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة للقيام بواجب الدعوة والصبر عليها:

التركيز على حقيقة الدعوة وأصلها وجوهرها (التوحيد والرسالة والبعث): [آية (1)- (4)].

التفاني في الدعوة حتى ليلاً: [آية (5)- (9)].

البدء بأسلوب الترغيب: [آية (10)].

أسلوب التبشير: المؤمن المطيع يرزق بكل ما يحبه في الدنيا: [آية (11)- (12)].

التذكير بالله سبحانه وتعالى وعظمته وقدرته في الكون (مثل سورة الملك) وكذلك التذكير بالآخرة (مثل سورة الحاقة): [آية (13)- (20)].

 التحذير من فتنة المال والولد: آية [آية (21)- (25)].

 الدعاء من أساسيات الدعوة: [آية (26)- (28)].

مناسبتها لما قبلها:

هناك وجهان لاتصال هذه السورة بما قبلها:

1- تشابه مطلع السورتين في ذكر العذاب الذي وعد به الكفار: قوم محمد صلّى الله عليه وسلّم في سورة المعارج، وقوم نوح عليه السلام في هذه السورة.

2- لما قال تعالى في أواخر المعارج: إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ [41] عقبه بقصة نوح المشتملة على إغراق قومه إلا من آمن، وتبديلهم بمن هم خير منهم، فوقعت موقع الاستدلال وإثبات خبر القدرة على التبديل، كما وقعت قصة أصحاب الجنة في سورة ن موقع الاستدلال على ما ختم به تَبارَكَ.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كغيرها من السور المكية التي عنيت بغرس أصول العقيدة،وتبيان عناصر الإيمان، من عبادة الله وطاعته، وإبطال عبادة الأصنام والأوثان، والاستدلال على وجود الله ووحدانيته وقدرته.

افتتحت السورة ببيان إرسال الله تعالى نوحا إلى قومه، وقيامه بإنذارهم ومطالبتهم بالإقلاع عن ذنوبهم، ليغفر الله لهم، وليمدهم بالأموال والبنين، وليجعل لهم جنات، يفجر فيها الأنهار، ولكنهم أبوا دعوته، وأمعنوا في الضلال والعصيان: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً.. [الآيات 1- 14] .

ثم أمرهم تعالى للاستدلال على وجوده ووحدانيته وقدرته والإقبال على طاعته وتعرف نعمه بالنظر في خلق السموات والأرض، والتأمل في خلق الإنسان، وفيما أنعم به على الناس من تذليل الأرض وتسخيرها للنفع، وإيداع لكنوز والمعادن فيها، والتنقل في نواحيها، وسلوك السبل الواسعة فيها: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً.. [الآيات 15- 20] .

وختمت السورة ببيان كفر قومه وإصرارهم على عبادة الأصنام، وعقابهم في الدنيا والآخرة، ودعاء نوح عليه السلام على قومه بالهلاك والدمار بعد جهاد طويل في الدعوة دام تسع مائة وخمسين سنة، دون أن يقلعوا عن الشرك، ولم ينتفعوا بالإنذار والتذكير: قالَ نُوحٌ: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي..

[الآيات 21- 28] .


72- سورة الجن

* نموذج آخر للدعاة: المؤمنون بالله من الجن وبيان أن الدعاة من الجن يستخدمون نفس الطرق في الدعوة إلى التوحيد والمذكورة في (سورة نوح) وأبرزها أسلوب الترهيب [آية (15)] والترغيب [آية (16)].

وذلك بعد عرض لشهادة من عالم الجن تشهد بصدق النبي صلّى الله عليه وسلم في التوحيد والبعث والرسالة مع تصحيح الصورة عن عالم الجن في نفوس الناس:

·   هم خلق موجودون فعلاً.

·   قابلون للتأثر بالقرآن والهداية وللجزاء والثواب والعقاب.

·   لا يعلمون الغيب ولم تعد لهم صلة بالسماء.

·   لا نسب لهم مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك.

·   لا قوة لهم ولا حيلة ولا ينفعون الإنس إذا لاذوا بهم بل يرهقونهم [آية (1)- (19).

·   دعوة البشر للإيمان بما آمن به الجن: التوحيد والرسالة والبعث [آية (20)- (28)].

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط بالسورة بما قبلها من وجهين:

1- قال الله سبحانه في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [10- 11] وقال تعالى في هذه السورة لكفار مكة: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [16] .

2- ذكر في السورتين شيء يتعلق بالسماء، كما ذكر فيهما عذاب العصاة، فقال تعالى في سورة نوح: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [15] وقال عز وجل هنا: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها ... [8] وقال في السورة المتقدمة: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.. [25] وقال هنا: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [23] .

ما اشتملت عليه السورة:

هناك موضوعان بارزان في السورة هما: الإخبار عن حقائق تتعلق بالجن، وتوجيهات للنبي صلّى الله عليه وسلّم في تبليغه الدعوة إلى الناس.

افتتحت السورة بالإخبار عن إيمان فريق من الجن بالقرآن العظيم حين سمعوا تلاوته من النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلاته في منى بعد عودته من الطائف قبيل الإسراء والمعراج: قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ.. [الآيات: 1- 2] فهو كما قالوا كتاب يهدي إلى الرشد.

ثم أبانت تمجيدهم الله عز وجل وإفرادهم له بالعبادة وتنزيههم له عن اتخاذ الصاحبة والولد، وتسفيههم من جعل لله ولدا وعلاقة الجن بالإنس: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.. [الآيات: 3- 7] .

وأعقبت ذلك بالإخبار عن محاولات الجن استراق السمع من السماء، للتعرف على خبر العالم العلوي، ومنعهم منه لإحاطة السماء بالحرس الملائكي، وإحراقهم بالشهب النارية بعد بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتعجبهم من هذا الحديث السماوي، وتساؤلهم: هل يراد به تعذيب أهل الأرض: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ.. [الآيات:

8- 10] .

وصرح الجن بعدئذ بانقسامهم إلى فريقين: مؤمنين وكفار، مع تبشير المؤمنين بخير الدنيا والآخرة وعزمها، وإنذار الكافرين المعرضين عن هدي الله وكتابه بالعذاب الشديد: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ.. [الآيات: 11- 18] .

ووصفوا تجمعهم حول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سمعوه يتلو القرآن: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ.. [الآية: 19] . واشتمل القسم الثاني من السورة على توجيهات للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأمره بتبليغ دعوته إلى الناس وإخلاص العمل لله وكونه لا يشرك بربه أحدا، وإعلامه بأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأنه لا ينجيه أحد من الله إن عصاه، وأنه لا يدري بوقت العذاب: قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.. [الآيات: 20- 25] .

وختمت السورة ببيان استئثار الله واختصاصه بمعرفة علم الغيب، وإحاطته بجميع ما لدى الخلائق وإحصاء أعدادهم: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً.. [26- 28] .


73- سورة المزمل

* نداء علوي كريم بتكليف عظيم إعدادًا لتحمل أمانة الدعوة فالداعية يحتاج إلى زاد روحي ليعينه على الدعوة: بيان الزاد المعين على ذلك فقيام الليل يقوي القلب ويقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويعطي من القوة الإيمانية ما يعين على مواجهة مصاعب الدعوة والصبر عليها: [آية (1)- (10)].

* ذكر قصة (فرعون) هذا العنيد الجبار المتكبر لأن دعوة هذه النوعية تحتاج إلى معونة من الله سبحانه وتعالى وصبر عظيم من الدعاة إلى أن يأخذ الله عز وجل هؤلاء الجبارين المتكبرين أخذًا وبيلاً: [آية (11)- (19)].

* بالرغم من أن السورة مكية لكن ذكر فيها القتال ليعلم الصحابة أنهم أمة مجاهدة ستجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل وقيام الليل سيعين على ذلك: [آية (20)].

مناسبتها لما قبلها:

يظهر تعلق السورة بما قبلها من وجهين:

1- ختمت سورة الجن ببيان تبليغ الرسل رسالات ربهم، وافتتحت هذه السورة بأمر خاتمهم بالتبليغ والإنذار، وهجر الراحة في الليالي.

2- أخبر الله تعالى في السورة المتقدمة عن ردود فعل دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم بين قومه والجن في قوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وقوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ ثم أمره الله تعالى في مطلع هذه السورة بالدعوة في قوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا.

ما اشتملت عليه السورة:

تتناول السورة الإرشادات الإلهية الموجهة للنبي صلّى الله عليه وسلّم في مسيرته أثناء تبليغ دعوته، وتهديد المشركين المعرضين عن قبول تلك الدعوة. وقد ابتدأت بأمره صلّى الله عليه وسلّم بقيام الليل إلا قليلا منه، وبترتيل القرآن لتقوية روحه: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [1- 4] فكان ذلك بيانا لمقدار ما يقوم به في تهجده الذي أمره الله به بقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء 17/ 79] .

ثم أخبرت عن ثقل الوحي وتبعة رسالته العظمى التي كلّف بها، وأمره بذكر ربه ليلا ونهارا، وإعلان توحيده، واتخاذه وكيلا في كل أموره: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [الآيات 5- 9] .

وأردفت ذلك بالأمر بالصبر على أذى المشركين، من القول فيه بأنه ساحر أو شاعر، أو في ربه بأن له صاحبة وولدا، وبالهجر الجميل إلى أن ينتصر عليهم وبتهديدهم بسوء العاقبة: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ.. [الآيات 10- 19] .

وختمت السورة بإعلان تخفيف القيام لصلاة الليل عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى مقدار الثلث وجعله الحد الأدنى رحمة به وبأمته ليتمكن هو وأصحابه من الراحة والتفرغ في النهار لشؤون الدعوة والتبليغ، والاكتفاء بتلاوة ما تيسر من القرآن، وأداء الصلاة المفروضة، وإيتاء الزكاة، ومداومة الاستغفار: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ.. [الآية 20] .


74- سورة المدثر

* تكليف بالدعوة والإنذار: بعد أن عرفت قدر من ستدعو إليه سبحانه وتعالى وعرفت صفات الداعية إلى الله عز وجل وأن من أهم وسائل الدعوة العلم والأخلاق وذكر الآخرة وبعد أن عرفت نماذج من الدعاة وعرفت أن قيام الليل هو الزاد القلبي والروحي للداعية: الآن تستطيع أن تنذر قومك وتدعوهم ذاكرًا دائمًا أن تعظم قدر الله سبحانه وتعالى في نفسك فهو مصلح أمورك وناصرك: [آية (1)- (10)].

* مشهد من مشاهد العناد والمكابرة والمكر السيئ من الكافرين المكذبين للدعوة ووعيد شديد لهم جزاء مكرهم واستكبارهم وفشلهم في اختبار الله لهم: [آية (11)- (31)].

* تهديد ووعيد للمكذبين بحرب مباشرة من الله عز وجل وعذاب النار في الآخرة وتعجب من فرارهم من الحق إلى جحيم الدنيا والآخرة مقابل أصحاب اليمين أهل الجنة: [آية (32)- (56)].

مناسبتها لما قبلها:

صلة السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي:

1- تتفق السورتان في الافتتاح بنداء النبي صلّى الله عليه وسلّم.

2- صدر كلتيهما نازل في قصة واحدة. وقد نزلت المدثر عقب المزمّل.

3- بدئت السورة السابقة بالأمر بقيام الليل (التهجد) وهو إعداد لنفسه ليكون داعية، وبدئت هذه السورة بالأمر بإنذار غيره، وهو إفادة لسواه في دعوته.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت السورة إرشادات للنبي صلّى الله عليه وسلّم في بدء دعوته، وتهديدات لزعيم من زعماء الشرك، وأوصاف جهنم. بدأت السورة بتكليف النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقيام بالدعوة إلى ربه، وإنذار الكفار، والصبر على أذى الفجار: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.. [الآيات: 1- 7] .

ثم وصفت يوم القيامة الرهيب الشديد، لما فيه من الأهوال: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.. [الآيات: 8- 10] .

ثم انطلقت تهدد إنسانا في أقوى وأشد صور التهديد، وهو الوليد بن المغيرة الذي أقر بأن القرآن كلام الله تعالى، ثم من أجل الزعامة والرياسة، زعم أنه سحر، فاستحق النار: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً.. [الآيات: 11- 26] .

وناسب ذلك تعداد أوصاف النار، وعدد خزنتها وحكمة ذلك، وبروزها للناس: وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ.. [الآيات: 27- 31] .

وزاد الأمر تهويلا قسم الله بالقمر والليل والصبح على أن جهنم إحدى الدواهي العظام: كَلَّا وَالْقَمَرِ.. [الآيات: 32- 37] .

وأوضحت السورة مسئولية كل نفس بما كسبت وتعلقها بأوزارها، وبشارة المؤمنين بالنجاة، والكفار بالعذاب، وتصوير ما يجري من حوار بين الفريقين:

كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.. [الآيات: 38- 48] .

وختمت السورة ببيان سبب إعراض المشركين عن العظة والتذكر والإيمان:

فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ.. [الآيات: 49- 56] .


75- سورة القيامة

سورتا (القيامة والإنسان) تقولان: أيها الداعية دع الأمر لله. وسورة (المرسلات) تقول: يا من كذبتم الدعوة (ويل يومئذ للمكذبين).

* تذكير بالقيامة والبعث والحشر ولقاء الله عز وجل والحساب والثواب والعقاب: [آية (1)- (15)].

* إن لم يستجيبوا للدعوة فاعلم أنهم ميتون وأنك ميت فاستمر في الدعوة فالأمر إلى الله سبحانه وتعالى والقرآن الكريم موكول حفظه وبيانه إليه عز وجل والحساب عليه ففريق في الجنة وفريق في السعير: [آية (16)- (25)].

* تذكير بالموت والنهاية وعرض لحقائق صارمة حازمة عن الموت وما بعده والكل تحت هيمنة القادر المحيي المميت: [آية (26)- (40)].

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق هذه السورة بما قبلها بسبب اشتمالها على حديث الآخرة، ففي السورة المتقدمة قال تعالى مبينا السبب الأصلي في عدم التذكرة وهو إنكار البعث:

كَلَّا، بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ [53] ثم ذكر في هذه السورة دليل إثبات البعث، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، ثم ذكر ما قبل ذلك من مقدمة وهي خروج الروح من البدن، ثم ما قبل ذلك من مبدأ الخلق، فذكرت الأحوال الثلاثة في هذه السورة على عكس ما هي في الواقع» .

ما اشتملت عليه السورة:

عنيت هذه السورة كغيرها من السور المكية بأحد أصول الدين والإيمان وهو إثبات البعث والجزاء، وما سبقه من مقدمات الموت وبدء الخلق. افتتحت السورة بالقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوّامة جميعا معا، لإثبات البعث والمعاد، والرد على من أنكر بعث الأجساد: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ..

[الآيات 1- 6] .

ثم ذكر تعالى بعض علامات ذلك اليوم، وأخبر عن حتميته ووقوعه، فهو حق لا ريب فيه: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ.. [الآيات 7- 15] .

ثم نهى الله تعالى نبيه عن محاولة حفظ آيات القرآن أثناء الوحي، وطمأنه بأنه سبحانه متكفل بتثبيته في قلبه وحفظه ووعيه وبيانه بنحو شامل تام:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ..

[الآيات 16- 19] .

وأردف ذلك بالتنديد بمحبة الدنيا وإيثارها على الآخرة، وبالإخبار عن انقسام الناس في الآخرة قسمين: أهل السعادة وأهل الشقاوة، فالأولون تتلألأ وجوههم بأنوار الإيمان، ويتمتعون بالنظر إلى ربهم دون حصر وتحديد وبلا كيفية، والآخرون تكون وجوههم سوداء مظلمة عابسة، تنتظر نزول داهية عظمي بها: كَلَّا، بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ.. [الآيات 20- 25] .

ثم ذكرت شدائد الاحتضار والموت وأهواله وكروبه ومضايقاته: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ.. [الآيات 26- 35] .

وختمت السورة بإيراد الدليل الحسي الواقعي على إثبات الحشر والمعاد وهو بدء الخلق، والإعادة أهون من البداءة: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً..

[الآيات 36- 40] .


76- سورة الإنسان

* دعوة للإنسان للتفكر في أصله ونشأته ومصيره مع دعوته أيضًا لتدبر حكمة الله من خلق الإنسان وهدايته ومنحه حرية الاختيار فالإنسان يختار مصيره ويتحمل نتيجة اختياره (إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا) إما طريق الأبرار وإما طريق الكفار مع عرض لصفات ومصير كل منهم: [آية (1)- (22)].

* توجيه للنبي صلّى الله عليه وسلم والدعاة للثبات على الدعوة: عليك الدعوة وعلينا الهداية فعلى الداعية الصبر على الدعوة في وجه الكفار أهل العاجلة وعلى الداعية أن ينتظر حكم الله سبحانه وتعالى صاحب المشيئة المطلقة والعلم الشامل والحكمة البالغة والقدرة والرحمة المحيطة: [آية (23)- (31)].

تسميتها:

سميت سورة الإنسان لافتتاحها بالتنويه بخلق الإنسان وإيجاده، بعد أن لم يكن شيئا موجودا، ثم صار خليفة في الأرض، وخلق له جميع ما في الأرض من خيرات ومعادن وكنوز.

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- ذكر الله تعالى في آخر السورة السابقة مبدأ خلق الإنسان من نطفة، ثم جعل منه الصنفين: الرجل والمرأة، ثم ذكر في مطلع هذه السورة خلق آدم أبي البشر، وجعله سميعا بصيرا، ثم هدايته السبيل، وما ترتب عليه من انقسام البشر إلى نوعين: شاكر وكفور.

2- أجمل في السورة المتقدمة وصف حال الجنة والنار، ثم فصل أوصافهما في هذه السورة، وأطنب في وصف الجنة.

3- ذكر سبحانه في السورة السابقة الأهوال التي يلقاها الفجار في يوم القيامة، وذكر في هذه السورة ما يلقاه الأبرار من النعيم.

ما اشتملت عليه السورة:

بالرغم من كون هذه السورة مدنية في قول الجمهور، فإنها عنيت بالحديث عن أحوال الآخرة، ولا سيما تنعم الأبرار في دار الخلد والنعيم، أما من قال بأنها مكية فرأيه متفق مع موضوعها.

وقد افتتحت بالكلام عن مبدأ خلق الإنسان، وتزويده بطاقات السمع والبصر، وهدايته السبيل، ثم انقسامه إلى فئتين: شاكر وكفور، والإخبار عن جزاء الشاكرين والجاحدين ووصف الجنة والنار: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ...

[الآيات: 1- 6] .

ثم أشادت بأعمال الشاكرين من الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لوجه الله، والخوف من عذاب الله: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ.. [الآيات: 7- 11] .

وأردفت ذلك بوصف ما لهم عند ربهم من الجنان والثواب والفضل والإكرام:

وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الآيات: 12- 22] .

ثم أبانت مصدر تنزيل القرآن، وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالصبر الجميل، وذكر الله، وقيام الليل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا.. [الآيات: 23- 26] .

ونوّهت بشيء تضمنته السورة السابقة وهو حب الدنيا العاجلة وترك الآخرة، وتهديدهم بتبديل أمثالهم إن داموا على الكفر والعناد وإمعان الأذى:

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ.. [الآيات: 27- 28] .

وختمت السورة الكريمة بإعلان أن القرآن تذكرة وعظة لجميع البشر وندبهم إلى الإيمان والعمل بما جاء فيه: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ.. [الآيات: 29- 31] .


77- سورة المرسلات

سورة (المرسلات) تقول: يا من كذبتم الدعوة (ويل يومئذ للمكذبين).

* محور السورة وموضوعها الأساسي :

وقفة محاكمة رهيبة للقلب البشري تواجهه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات العاصفة.

* يتم ذلك من خلال :

·   جولات مع القيامة: آية [(1)- (15)].

·   ومصارع الغابرين : آية [(16)- (19)].

·   والنشأة الأولى: آية [(20)- (24)].

·   وخلق الأرض: آية: [(25)- (28)].

·   ومصير المكذبين ومصير المتقين: آية [(29)- (50)].

* فمن لا يؤمن بعد ذلك فهو الشقي المتعوس

مناسبتها لما قبلها:

وجه اتصالها بما قبلها من وجهين:

1- أنه تعالى وعد المؤمنين الأبرار، وأوعد الظالمين الفجار في آخر السورة المتقدمة بقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ثم أقسم في مطلع هذه السورة على تحقيق ما وعد به هنالك المؤمنين، وأوعد به الظالمين، ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ.

4- ذكر تعالى في سورة الإنسان نزرا من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين فيها، والأمر في هذه السورة على العكس: إطناب في وصف الكفار، وإيجاز في وصف المؤمنين، فوقع بذلك الاعتدال بين السورتين

ما اشتملت عليه السورة:

محور هذه السورة المكية الكلام عن البعث وأحوال الآخرة، فهي كسائر السور المكية متعلقة بأمور العقيدة، فذكر فيها القسم على وقوع البعث، ثم بيان مقدماته، ثم إيراد بعض دلائل القدرة والوحدانية، وتلاها وصف بعض الأمور الغيبية وأحوال الكفار والمؤمنين في عالم الآخرة ولوم الكفار على بعض أعمالهم.

افتتحت بالقسم بالرياح والملائكة على وقوع يوم القيامة (أو يوم الفصل) وحدوث العذاب للكفار: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً.. [الآيات 1- 7] وبيان علامات ذلك العذاب ووقته: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ.. [الآيات 8- 15] .

ثم أوردت بعض دلائل القدرة الإلهية على البعث وإحياء الناس بعد الموت، وهو إهلاك بعض الأمم المتقدمة وخلق الناس، وجعل الأرض كفاتا (جامعة ضامة لمن عليها) والجبال الشامخات للتثبيت. وتضمن ذلك وعيد الكافرين بعقوبة مماثلة، وتوبيخ المكذبين على إنكار نعم الله عليهم في الأنفس ومخلوقات الأرض: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ.. [الآيات 15- 28] .

ثم حددت مصير المجرمين، ووصفت عذاب الكافرين وصفا تشيب له الولدان: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الآيات 29- 40] .

ثم وصفت نعيم المؤمنين المتقين، وألوان التكريم والإحسان والإفضال في جنان الخلد: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [الآيات 41- 45] .

وختمت السورة بتقريع الكفار وتوبيخهم على بعض أعمالهم، وأبانت سبب امتناعهم عن عبادة الله، وهو طغيانهم وإجرامهم: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [الآيات 46- 50] .


78- سورة النّبأ

* الجزء كله يدور على:

·   آيات الله في الخلق والحياة والنشأة الأولى.

·   وآيات الله في الكون المفتوح وفي الآفاق المحيطة.

·   وآيات الله في النفس البشرية.

·   وآيات الله في التاريخ البشري ومصارع المكذبين الغابرين.

·   وآيات الله المنزلة المعجزة في كتابه الكريم.

* متخذًا ذلك دليلاً على :

·   التوحيد.

·   والرسالة.

·   والبعث.

* عارضًا للحقائق الصارمة الحازمة عن مشاهد :

·   النهاية والموت والخاتمة.

·   القيامة والانقلاب الكوني الهائل.

·   الحساب والجزاء والثواب والعقاب.

* فأنت أيها الإنسان :

·   كن موصولاً بربك طائعًا له حاملاً لرسالته.

·   أصلح عقيدتك وأصلح قلبك وأصلح عملك: تصلح خاتمتك وآخرتك.

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إثبات البعث والجزاء بالأدلة والبراهين

تسميتها:

تسمى سورة عم وسورة النبأ لافتتاحها بقول الله تبارك وتعالى:

عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ وهو خبر القيامة والبعث الذي يهتم بشأنه، ويسأل الناس عن وقت حدوثه.

مناسبتها لما قبلها:

تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي المرسلات من وجوه ثلاثة:

1- تشابه السورتين في الكلام عن البعث وإثباته بالدليل، وبيان قدرة الله عليه، وتوبيخ الكفار المكذبين به، ففي المرسلات: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً وفي هذه قال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً.. الآيات [6- 16] .

2- اشتراك السورتين في وصف الجنة والنار، ونعيم المتقين وعذاب الكافرين، ووصف يوم القيامة وأهواله.

5- فصّلت هذه السورة ما أجمل في السورة المتقدمة، فقال تعالى في المرسلات: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ [12- 14] وقال سبحانه في هذه السورة: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [17] إلى آخر السورة.

ما اشتملت عليه السورة:

إن محور السور إثبات البعث بالأدلة المختلفة، لذا ابتدأت السورة بوصف تساؤل المشركين عنه، والإخبار عن يوم القيامة، وما يتبعه من البعث والنشور والجزاء، وأعقبته بتهديد المشركين على إنكارهم إياه: عَمَّ يَتَساءَلُونَ..

[1- 5] .

ثم أقامت الأدلة والبراهين على إمكان البعث، بتعداد مظاهر قدرة الله على الخلق والإبداع وإيجاد مختلف عجائب الكون، مما يدل على إمكان إعادة الناس بعد الموت: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً.. [6- 16] .

ثم حددت السورة ميقات البعث وميعاده، وهو يوم الفصل بين الخلائق الذي يجمع فيه الأولون والآخرون: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً..

[17- 20] .

ثم وصفت ألوان عذاب الكافرين، وأنواع نعيم المتقين، بطريق المقابلة والموازنة، والجمع بين الترغيب والترهيب: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً.. [21- 38] .

وختمت السورة بالإخبار بأن هذا اليوم حق لا ريب فيه، وبإنذار الكفار بالعذاب الأليم القريب الذي يتمنون من شدته أن يعود ترابا.

والسورة كلها يشيع فيها جو التهويل والتخويف، والتهديد والإنذار، حتى لكأن التالي لها يكاد يلمس الصور الرهيبة لأحداث القيامة، ويتملكه الذعر والخوف من شدائدها وأحوالها.


79- سورة النازعات

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على هزّ القلوب المكذبة بالبعث والجزاء من خلال عرض مشاهد الموت والبعث والحشر والقيامة

تسميتها:

سميت سورة النازعات لافتتاحها بالقسم الإلهي بالنازعات وهم الملائكة الذين ينزعون أرواح بني آدم، إما بيسر وسهولة وهم المؤمنون، وإما بعسر وشدة وهم الكفار.

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق السورة بما قبلها من وجهين:

1- تشابه الموضوع: فكلتا السورتين تتحدثان عن القيامة وأحوالها، وعن مآل المتقين، ومرجع المجرمين.

2- تشابه المطلع والخاتمة: فإن مطلع السورتين في الحديث عن البعث والقيامة، الأولى تؤكد وجود البعث وما فيه من أهوال وحساب وجزاء، والثانية افتتحت بالقسم على وقوع القيامة لتحقيق ما في آخر عم. والأولى اختتمت بالإنذار بالعذاب القريب يوم القيامة، والثانية ختمت بالكلام عما في أولها من إثبات الحشر والبعث، وتأكد حدوث القيامة، فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة وأهوالها.

      ما اشتملت عليه السورة:

موضوع السورة كما أشرنا كسائر موضوعات السور المكية، التي تهتم بأصول العقيدة من التوحيد، والنبوة، والبعث.

شرعت السورة بالقسم بالملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد لإثبات البعث: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً.. [الآيات: 1- 5] والمقسم عليه محذوف وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وهو: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [6- 7] ، أو بدليل إنكارهم للبعث في قوله تعالى: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [10] .

ثم وصفت أحوال المشركين المنكرين البعث، فصوّرت مدى الذعر الشديد والاضطراب الذي يكونون عليه يوم القيامة، وذكرت مقالتهم في إنكار البعث والردّ عليهم: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ.. [الآيات: 8- 14] .

وناسب ذلك إيراد قصة موسى عليه السلام مع فرعون الطاغية الجبار الذي ادّعى الربوبية، ثم أهلكه الله وجنوده بالغرق في البحر، للعظة والعبرة، والدلالة على كمال القدرة الإلهية، بإفهامهم أن الكرّة والإعادة ليست صعبة على الله، فما هي إلا زجرة أو صيحة واحدة: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى.. [الآيات: 15- 26] .

ثم خاطب الله منكري البعث خطابا يتضمن إثبات البعث بالبرهان الحسي، متحديا طغيانهم وتمردهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومذكرا إياهم أنهم أضعف من خلق السموات والأرض والجبال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها..

[الآيات: 27- 32] .

وختمت السورة ببيان أهوال يوم القيامة، وانقسام الناس فيه فريقين: سعداء وأشقياء، وسؤال المشركين عن ميقات الساعة، وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لا إلى أحد حتى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وتأكيد حدوثها، وذهول المشركين من شدة هولها، ومعرفتهم أن مكثهم في الدنيا كمقدار العشي أو الضحى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى.. [الآيات: 34- 46] .


80- سورة عبس

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على حقيقة دعوة القرآن وكرامتها وعلو مقامها

تسميتها:

سميت سورة (عبس) لافتتاحها بهذا الوصف البشري المعتاد الذي تقتضيه الجبلّة الإنسانية، ويغلب على الإنسان حينما يكون مشغولا بأمر مهم، ثم يطرأ عليه أمر آخر لصرفه عن الأمر السابق، ومع ذلك عوتب النبي صلّى الله عليه وسلّم على عبوسه تساميا لقدره، وارتفاعا بمنزلته النبوية.

مناسبتها لما قبلها:

لهذه السورة تعلق بما قبلها وهي النازعات لأنه تعالى ذكر هناك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم منذر من يخشى الساعة، وهنا ذكر من ينفعه الإنذار، وهم الذين كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يناجيهم في أمر الإسلام ويدعوهم إليه وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة. كما أن بينهما تشابها في موضوع الحديث عن يوم القيامة وأهوالها، وإثبات البعث بمخلوقات الله في الإنسان والكون، فهناك وصفت القيامة بقوله تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى [34] وهنا وصفت بقوله سبحانه: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ [33] وهما من أسماء يوم القيامة. وهناك أثبت الله البعث بخلق السماء والأرض والجبال، وهنا أثبته بخلق الإنسان والنبات والطعام.

     ما اشتملت عليه السورة:

موضوع السورة كسائر موضوعات السور المكية التي تعنى بالعقيدة والرسالة والأخلاق التي قوامها في الإسلام المساواة بين الناس، دون تفرقة بين غني وفقير.

ابتدأت السورة بذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم ابن خال خديجة بنت خويلد الذي قدم إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم للتعلم، في وقت كان فيه مشغولا مع جماعة من صناديد قريش يدعوهم إلى الإيمان، فعبس النبي صلّى الله عليه وسلّم وجهه وأعرض عنه، فعاتبه الله بقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى.. [الآيات 1- 16] وأبانت أن القرآن ذكرى وموعظة لمن عقل وتدبر.

ثم نددت بجحود الإنسان وكفره بنعم ربه وإعراضه عن هداية الله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ.. [الآيات 17- 23] .

وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على قدرة الله ووحدانيته بخلق الإنسان والنبات وتيسير طعام ابن آدم وشرابه، لإثبات القدرة على البعث: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ.. [الآيات 24- 32] .

وختمت السورة بوصف أهوال يوم القيامة، وفرار الإنسان من أقرب الناس إليه، وبيان حال المؤمنين السعداء والكافرين الأشقياء في هذا اليوم: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ.. [الآيات في 33- 42] .


81- سورة التكوير

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تصوير القيامة بانفراط الكون بعد إحكامه

مناسبتها لما قبلها:

توضح كل من السورتين أهوال القيامة وشدائدها، ففي سورة عبس قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.. [33- 42] وفي هذه السورة قال سبحانه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ.. إلخ، فلما ذكر سبحانه الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين، أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة كغيرها من السور المكية تتعلق بالعقيدة، فهي تقرر ما يوجد في يوم القيامة من أحوال، وتثبت أن القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى.

وقد ابتدأت ببيان أهوال القيامة، وما يصحبها من تغيرات كونية غريبة، تشمل كل ما يشاهده الإنسان في الدنيا من السماء وكواكبها، والأرض وجبالها وبحارها ووحوشها، والنفوس البشرية ومظالمها، وتبرز بعدئذ الجحيم ونيرانها، والجنة ونعيمها: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ.. [الآيات: 1- 14] . ثم تحدثت عن القرآن وتنزيله من الله بواسطة جبريل الأمين على قلب النبي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وإثبات نبوته ورسالته وأمانته في تبليغ الوحي وأهليته العالية لتلقي الوحي، ورؤيته جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ.. [الآيات: 15- 25] .

وختمت السورة ببيان ضلال المشركين، وأن القرآن عظة وذكرى لجميع العالمين من الإنس والجن ممن أراد الهداية وأقبل على الخير، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، فلا يستطيع الاستقلال بعمل ما دون إرادة الله.


82- سورة الانفطار

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تصوير القيامة بتبعثر المخلوقات المنتظمة وتغيّر حالها ومسارها

مناسبتها لما قبلها:

هذه السورة وما قبلها وسورة الانشقاق في وصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، كما تقدم.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية تتحدث عن أمور في العقيدة، وهي هنا بعض أمارات القيامة وما يصحبها من تبدل في الكون، ووقوع أحداث جسام، ووصف أحوال الأبرار والفجار يوم البعث، كالسورة المتقدمة.

ابتدأت بوصف الأحداث الكونية التي ترى في القيامة وهي انشقاق السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، ثم الإخبار عن علم كل نفس بما قدّمت وأخّرت: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ.. [الآيات: 1- 5] .

ثم ندّدت بجحود الإنسان نعم ربّه، وبتقصيره في مقابلة الإحسان بالشكر والعرفان: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.. [الآيات: 6- 8] . ثم ذكرت سبب هذا الجحود وهو إنكار البعث، وبيّنت أن أعمال الإنسان كلها محفوظة مسجلة عليه، يقوم برصدها ملائكة كرام كاتبون: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.. [الآيات: 9- 12] .

وأردفت ذلك ببيان مصير الناس وانقسامهم إلى فريقين: أبرار وفجّار، وأيلولتهم إلى نعيم أو جحيم: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ.. [الآيات: 13- 16] .

وختمت السورة بالتحذير من يوم الدّين، أي الجزاء والقيامة، واستقلال كل إنسان بالمسؤولية عن نفسه، وتفرد الله بالحكم والأمر: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ.. [الآيات: 17- 19] .

والخلاصة: أن الله تعالى ذكر في هذه السورة السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه.


83- سورة المطففين

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان حال الناس في الموازين والمنازل الأخروية

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجوه أربعة:

1- قال الله تعالى في آخر السورة المتقدمة واصفا يوم القيامة: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة، فلهذا أتبعه هنا بقوله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ والمراد: الزجر عن التطفيف: والبخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية. أما الكثير فيظهر، فيمنع منه.

2- في كل من السورتين توضيح أحوال يوم القيامة.

3- ذكر الله تعالى في السورة السابقة: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ [10- 11] وذكر هنا ما يكتبه الحافظون: كِتابٌ مَرْقُومٌ [20] يجعل في عليين، أو في سجين.

 4- ذكر الله تعالى تصنيف الناس إلى فريقين: أبرار وفجار في كل من السورتين، وذكر مآل كل فريق، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قال أبو حيان: لما ذكر تعالى السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه، ذكر ما أعد لبعض العصاة، وذكّرهم بأخس ما يقع من المعصية، وهي التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئا في تثمير المال وتنميته «1» .

             ما اشتملت عليه السورة:

عنيت هذه السورة كسائر السور المكية بأمور العقيدة، وعلى التخصيص أحوال يوم القيامة وأهوالها، وعنيت بأمور الأخلاق الاجتماعية، وهي هنا تطفيف الكيل والميزان.

بدأت السورة بمطلع مخيف، وهو وعيد المطففين بالعذاب الشديد: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.. [الآيات 1- 6] .

ثم أبانت أن كتاب الفجار الأشقياء في ديوان الشر، وفي كتاب مرقوم بعلامة، وأن مصيرهم أسفل السافلين في نار جهنم: كَلَّا، إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ.. [الآيات 7- 17] .

وأردفت ذلك على سبيل المقارنة والعبرة والجمع بين الترغيب والترهيب ببيان أن صحائف الأبرار في أعلى عليين، وأنها في كتاب مرقوم بعلامة متميزة عن صحائف الفجار: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ.. [الآيات 18- 28] .

وختمت السورة بوصف موقف المجرمين من المؤمنين، حيث كانوا يستهزئون ويضحكون منهم في الدنيا لإيمانهم وتقواهم ربهم، ثم انعكاس هذا الموقف في الآخرة حيث صار المؤمنون يتضاحكون من الأشقياء المجرمين ويسخرون منهم،وينظرون إليهم وهم يعذبون في النار وما يلقونه من النكال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ.. [الآيات 29- 36] .


84- سورة الانشقاق

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تصوير القيامة باستسلام الكون وخضوعه لربه في أمره

مناسبتها لما قبلها:

السور الأربعة: الانشقاق وما قبلها وهي سور المطففين والانفطار والتكوير كلها في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه، فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار يقع في صدر يوم القيامة، وأغلب ما ذكر في المطففين في أحوال الأشقياء الفجار والمتقين الأبرار في الآخرة، وعنيت سورة الانشقاق بالجمع بين ما يحدث من مقدمات ومشاهد الآخرة الرهيبة وبين ما يعقب ذلك من الحساب اليسير لأهل اليمين والحساب العسير لأهل الشمال.

وفي السورة المتقدمة ذكر مقر كتب الحفظة، وفي هذه ذكر كيفية عرضها يوم القيامة.

ما اشتملت عليه السورة:

محور السورة كالسور المكية الأخرى: شؤون العقيدة، وتصوير أهوال القيامة. وقد بدئت ببيان بعض التبدلات الكونية الخطيرة عند قيام الساعة:

إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ.. [الآيات: 1- 5] .

وأردفت ذلك حال الإنسان في موقف العرض والحساب يوم القيامة، وانقسام الناس فريقين: أهل اليمين وأهل الشمال: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ، إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ... [الآيات: 6- 15] .

ثم أقسم اللَّه بالشفق والليل والقمر على ملاقاة المشركين في القيامة أهوالا شديدة، وأحوالا عصيبة: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ... [الآيات: 16- 19] .

وختمت السورة بتوبيخ المشركين والكفار والملاحدة والوجوديين وأمثالهم على عدم إيمانهم باللَّه تعالى، وبإنذارهم بالعذاب الأليم، والتنبيه على نجاة المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ومنحهم الثواب الدائم المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ... [الآيات: 20- 25] .

والخلاصة: أن السورة اشتملت على مقصدين: بيان ما يلاقيه الإنسان من نتائج أعماله يوم القيامة، وانحصار المصير إما في جنات النعيم وإما في نيران الجحيم.


85- سورة البروج

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إظهار قوة الله وإحاطته الشاملة وتوعده للمتربصين بالمؤمنين بالعذاب الشديد

تسميتها:

سميت سورة البروج، لافتتاحها بقسم الله بالسماء ذات البروج: وهي منازل الكواكب السيارة في أثناء سيرها، تنويها بها لاشتمالها على الظهور والغياب.

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق السور بما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- التشابه في الافتتاح بذكر السماء، ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مرادا بها السور الأربع، كما قيل في المسبّحات. وتلك السور هي الانفطار والانشقاق، والبروج، والطارق.

2- اشتمال السورتين على وعد المؤمنين، ووعيد الكافرين، والتنويه بعظمة القرآن.

3- تضمنت السورة السابقة أن الله عليم بما يجمع المشركون في صدورهم للنبي صلى الله عليه وسلّم والمؤمنين معه من أنواع الأذى المادي، كالضرب والقتل والتعذيب في حر الشمس، والأذى المعنوي، من حقد وحسد، وعداوة، ومكر، وخوف على فوت المنافع، وذكر في هذه السورة أن هذا شأن من تقدمهم من الأمم الكافرة الفاجرة. وفي هذا عظة للمشركين وتثبيت للمؤمنين.

     ما اشتملت عليه السورة:

أبرزت هذه السورة المكية جانبا مهما من جوانب العقيدة وهو التضحية في سبيل الإيمان والاعتقاد، ممثلا في قصة (أصحاب الأخدود) .

افتتحت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات منازل الكواكب، وبيوم القيامة، وبالأنبياء الذين يشهدون على أممهم، على إهلاك وتدمير وإبادة المجرمين، الذين أحرقوا جماعة من المؤمنين والمؤمنات في النار ليفتنوهم عن دينهم: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ... [الآيات: 1- 9] .

وأعقبت ذلك بوعيد هؤلاء العتاة الطغاة، وإنذارهم بعذاب جهنم، وبوعد المؤمنين بالجنان. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... [الآيتان: 10- 11] .

وختمت السورة بإظهار عظمة الله وجليل صفاته وقدرته على الانتقام من أعدائه، والاتعاظ بقصة الطاغية فرعون الجبار: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ...

[الآيات: 12- 22] .

سبب نزولها والحكمة منها:

المقصود من هذه السورة تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه عن إيذاء الكفار، ببيان أن سائر الأمم السابقة كانوا كأهل مكة، مثل أصحاب الأخدود في نجران اليمن،ومثل فرعون وثمود، وكان كل الكفار سواء في التكذيب، فانتقم الله منهم لأنهم جميعا في قبضة القدرة الإلهية: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ. وهذا شيء مثبت في اللوح المحفوظ ممتنع التغيير لقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.


86- سورة الطارق

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إظهار رقابة الله النافذة وقدرته البالغة

مناسبتها لما قبلها:

السورة مرتبطة بما قبلها من ناحيتين:

1- ابتداء السورتين بالحلف بالسماء كسورتي (الانشقاق) و (الانفطار) .

2- التشابه في الكلام عن البعث والمعاد وعن صفة القرآن للردّ على المشركين المكذّبين به وبالبعث، ففي سورة البروج: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [13] ، وفي هذه السورة: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [8] ، وفي السورة السابقة: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [21- 22] ، وفي هذه السورة: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [13] .

ما اشتملت عليه السورة:

إن محور هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية الكلام عن الإيمان بالبعث والمعاد والحساب والجزاء، وإثباته بخلق الإنسان من العدم لأن القادر على البدء قادر على الإعادة بعد الموت.

وقد افتتحت السورة بالقسم بالسماء وبالكواكب المضيئة ليلا على أن كل إنسان محفوظ بالملائكة الأبرار: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ.. [الآيات: 1- 4] .

ثم أقام اللَّه تعالى الدليل على إمكان البعث وقدرته عليه بعد الموت والفناء بخلق الإنسان أول مرة من تراب ثم من نطفة: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ...

[الآيات: 5- 8] .

وأعقبت السورة ذلك ببيان كشف الأسرار في الآخرة على نحو كامل تام، في حالة كون الإنسان بين يدي العدالة الإلهية دون أن يكون له قوة ولا نصير:

يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ، فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ [9- 10] .

وختمت السورة بالقسم الإلهي بالسماء والأرض على صدق القرآن وأنه القول المحكم الفصل بين الحق والباطل، وعلى تهديد الكفار المكذبين به ووعيدهم:

وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ.. [11- 17] .


87- سورة الأعلى

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تذكير النفوس بمنّة الله الأعلى وتعليقها بالحياة الأخرى، وتخليصها من التعلقات بالدنيا

مناسبتها لما قبلها:

تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في أن سورة الطارق ذكرت خلق الإنسان في قوله تعالى: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [6] وبدء خلق النبات في قوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [11- 12] .

وهذه السورة تحدثت بما هو أعم وأشمل من خلق الإنسان وغيره: خَلَقَ فَسَوَّى [2] وخلق النبات في قوله: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [4- 5] .

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة المكية الحديث عن توحيد اللَّه وقدرته، والقرآن وتيسير حفظه، والأخلاق الكريمة بتهذيب النفس الإنسانية. وقد افتتحت بالأمر بتنزيه اللَّه تعالى عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، ووصفه بصفات التعظيم والتمجيد، لخلقه المخلوقات وإتقان الخلق وتناسبه، وإخراجه الأعشاب والنباتات: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى..

[الآيات 1- 5] .

ثم تحدثت عن تيسير حفظ القرآن وترسيخه في قلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بحيث لا ينساه أبدا، لينقله إلى الناس: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى.. [6- 7] .

وأردفت ذلك بأمر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالتذكير بالقرآن لإصلاح النفوس وتهذيب الطبائع: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى.. [الآيات 8- 13] .

وختمت السورة ببيان فلاح كل من طهر نفسه من الكفر والشرك والمعاصي، وتذكّر دائما في نفسه جلال اللَّه وعظمته، ولم يؤثر الدنيا على الآخرة، وعرف أن هذه الأصول الاعتقادية والخلقية قديمة جاءت بها جميع الشرائع الإلهية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى.. [14- 19] .


88- سورة الغاشية

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تذكير النفوس بمشاهدة القدرة الإلهية في العذاب والنعيم

مناسبتها لما قبلها:

هذه السورة تفصيل وتبسيط لما جاء في سورة الأعلى من أوصاف المؤمن والكافر والجنة والنار إجمالا، فلما قال تعالى في الأعلى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى إلى قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [الآيات: 10- 17] فصل ذلك في هذه السورة بقوله: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً.. [الآيات: 2- 7] ثم ذكر صفات وأحوال المؤمنين في الآيات: [8- 16] . ولما قال تعالى في الأعلى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى أبان صفة الجنة في الآيات السابقة أكثر من صفة النار، تحقيقا لمعنى الخيرية.

ما اشتملت عليه السورة:

تتحدث هذه السورة المكية عن أصول الاعتقاد في موضوعات ثلاثة وهي:

1- وصف أهوال القيامة، وما يلقاه الكافر والمؤمن فيها من الشقاء والسعادة، وو صف أهل الجنة وأهل النار.

      2- إثبات وحدانية اللَّه وقدرته وحكمته وعلمه بدليل خلق السماء والإبل والجبال والأرض وغيرها من عجائب الصنعة الإلهية.

3-ختمت السورة الكريمة بخاتمة تشبه خاتمة السورة المتقدمة وهي تذكير الناس بالرجوع إلى اللَّه عز وجل للحساب والجزاء، وأمر الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم أصالة بالتذكير بما أنزل إليه من الشرائع والأحكام.


89- سورة الفجر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على عرض مشاهد العظمة والقدرة الإلهية في الكون وأحوال الإنسان

تسميتها:

سميت سورة الفجر، لافتتاحها بقوله تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وهو قسم عظيم بفجر الصبح المتبلج نوره كل يوم على أن الكفار سيعذبون حتما.

مناسبتها لما قبلها:

تتعلق السورة الكريمة بما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- إن القسم الصادر في أولها كالدليل على صحة ما ختمت به السورة التي قبلها من قوله جل جلاله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ.

2- تضمنت السورة السابقة قسمة الناس إلى فريقين: أشقياء وسعداء، أصحاب الوجوه الخاشعة، وأصحاب الوجوه الناعمة، واشتملت هذه السورة على ذكر طوائف من الطغاة: عاد وثمود وفرعون الذين هم من الفريق الأول، وطوائف من المؤمنين المهتدين الشاكرين نعم اللَّه، الذين هم في عداد الفريق الثاني، فكان الوعد والوعيد حاصلا في السورتين.

3- إن جملة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.. في هذه السورة مشابهة لجملة: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ... في السورة المتقدمة.                                                                  

         ما اشتملت عليه السورة:

اشتملت السورة على أغراض ستة:

1- القسم الإلهي بالفجر والعشر الأوائل من ذي الحجة والشفع والوتر والليل على أن عذاب الكفار واقع حتما لا مفر منه: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الآيات: 1- 5] .

2- إيراد قصص بعض الأمم الظالمة البائدة المكذبة رسل اللَّه، كعاد وثمود وقوم فرعون، لضرب المثل، وبيان ما حل بهم من العذاب بسبب طغيانهم:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ.. [الآيات: 6- 14] .

3- بيان أن الحياة ابتلاء للناس بالخير والشر، والغنى والفقر، والتعرف على طبيعة الإنسان في حب المال، وتوضيح أن كثرة النعم على عبد ليست دليلا على إكرام اللَّه له، ولا الفقر وضيق العيش دليلا على إهانته: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ.. [الآيات: 15- 20] .

4- وصف يوم القيامة وأهواله وشدائده: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا.. [الآيات: 21- 23] .

5- بيان انقسام الناس إلى فريقين في الآخرة: سعداء وأشقياء، وتمني الأشقياء العودة إلى الدنيا: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي.. [الآيات: 24- 26] .

6- الإخبار عن ظفر السعداء بالنعيم العظيم في جنان اللَّه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.. [الآيات: 27- 30] .


90- سورة البلد

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على الإنسان بين كبد الكفر والعذاب والصعود لسلم الرحمة والإيمان في الدارين

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:

1- ذم اللَّه تعالى في السورة السابقة (الفجر) من أحب المال، وأكل التراث، ولم يحض على طعام المسكين، وذكر في هذه السورة الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة (إعتاق العبيد) والإطعام في يوم المسغبة (المجاعة) .

2- ختم اللَّه تعالى السورة المتقدمة ببيان حال النفس المطمئنة في الآخرة، وذكر هنا طريق الاطمئنان، وحذّر من ضده وهو الكفر بآيات اللَّه ومخالفة أوامر الرحمن.

ما اشتملت عليه السورة:

محور هذه السورة المكية الحديث عن سعادة الإنسان وشقاوته، ومنهجه في اختيار أحد الطريقين. بدأت بالقسم بالبلد الحرام- مكة أم القرى، التي يأمن الناس فيها، تنبيها على عظمة قدرها، سواء في حال الإحرام أو الحل، وتنويها بموطن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وتعظيم تحريم إيذائه في البلد الأمين، ثم ذكرت المقسم عليه وهو أن حال الإنسان في الدنيا في نصب وتعب: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ..

[الآيات 1- 4] .

وأردفت ذلك بالإخبار عن خلق ذميم في الإنسان وهو اغتراره بقوته، مما حدا بكفار مكة الذين اغتروا بقوتهم أن يعاندوا الحق، ويكذبوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وينفقوا أموالهم في المفاسد والشرور، وهو شأن المفتونين المغرورين بمالهم وغناهم: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ..

[الآيات 5- 7] .

ثم ذكّرت الإنسان بما أنعم اللَّه عليه من العينين واللسان والشفتين وبيان طريق الخير والشر له، واختياره أحد السبيلين بعقله وإرادته: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ.. [الآيات 8- 10] .

ثم أبانت للإنسان ما يعترضه من الأهوال والمصاعب يوم القيامة وطريق اجتيازها بالإيمان والعمل الصالح وإنفاق المال في جهات البر والخير، ليكون من الأبرار السعداء أهل اليمين: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ... [الآيات 11- 18] .

وقابلت ذلك بتوضيح منهج الأشقياء الفجار أهل الشمال، وهو الكفر بآيات اللَّه، فيتميز المؤمنون عن الكفار، ويتبين مآل الفريقين إما إلى الجنة أو إلى النار: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا.. [19- 20] .


91- سورة الشمس

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إظهار آيات الله وآلائه في الآفاق والأنفس وأحوالها

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:

1- ختم اللَّه سبحانه سورة البلد بتعريف أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، ثم أوضح المراد من الفريقين في سورة الشمس بعمل كل منهما حيث قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها.

2- أبان اللَّه تعالى في آخر آيات السورة السابقة مصير أو مآل الكفار في الآخرة وهو النار، وذكر تعالى في أواخر هذه السورة عقاب بعض الكفار في الدنيا، وهو الهلاك، فاختتمت السابقة بشيء من أحوال الكفار في الآخرة، واختتمت هذه بشيء من أحوالهم في الدنيا.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة الكلام عن موضوعين مهمين هما:

1- الإقسام بالمخلوقات الكونية العظيمة في العالم العلوي والسفلي وآلة التفكر في ذلك وهو النفس على أحوال النفس الإنسانية، ودور الإنسان في تهذيبها، وتعويدها الأخلاق الفاضلة ليفوز وينجو، أو إهمالها وتركها بحسب هواها فيخيب.

2- ضرب المثل بثمود لمن دسّ نفسه وأهملها، فتمادت في الطغيان، فنزل بها العقاب الشديد وأهلكها ودمرها عيانا في الدنيا.

والخلاصة: المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات، والتحذير من المعاصي.


92- سورة الليل

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان الاختلاف بين الآيات والأنفس وأعمالها

مناسبتها لما قبلها:

لما ذكر في سورة الشمس قبلها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح، وما تحصل به الخيبة بقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى.. فهي كالتفصيل لما قبلها.

ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل الذي هو ظلمة.

ما اشتملت عليه السورة:

محور السورة سعي الإنسان وعمله وجزاؤه في الآخرة.

افتتحت السورة بالقسم بالليل والنهار وخالق الذكر والأنثى على أن عمل الناس مختلف، فمنهم التقي ومنهم الشقي، ومنهم المؤمن ومنهم الفاجر:

وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى.. [الآيات 1- 4] . ثم أوضحت أن الناس فريقان، وحددت منهج وطريق كل فريق، وجزاء كل منهم في الآخرة: أهل الإيمان والسعادة والجنة: وهم الذين بذلوا المال وصدقوا بوعد اللَّه في الآخرة، وأهل الكفر والشقاوة والنار: وهم الذين بخلوا بالأموال واستغنوا عن ربهم عز وجل، وأنكروا ما وعد اللَّه به من الجنة: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى.. [الآيات 5- 10] .

وأعقبت ذلك ببيان عدم جدوى المال في الآخرة، وأن اللَّه واضع دستور الهداية، وأنه مالك الدنيا والآخرة: وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى [11- 13] ودلّ هذا التحذير من عذاب اللَّه والإنذار بالنار على أنه العقاب المستحق لكل من كذب بآيات اللَّه تعالى وبرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى.. [14- 16] .

يبذل ماله في طرق الخير مخلصا لوجه اللَّه، دون قصد مكافأة أحد، ولا لمصلحة دنيوية عند إنسان، وذلكم المثال هو أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه:

وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى.. [الآيات 17- 21] .


93- سورة الضحى

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على رعاية الله لنبيه والامتنان عليه بنعمة الوحي ودوامها له

تسميتها:

سميت سورة الضحى تسمية لها باسم فاتحتها، حيث أقسم اللَّه بالضحى:

وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، تنويها بهذا الوقت المهم الذي هو نور، ولأنها نزلت في شأن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فافتتحت بالضحى. ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل.

مناسبتها لما قبلها:

هذه السورة متصلة بسورة الليل من وجهين:

1- ختمت سورة الليل بوعد كريم من اللَّه تعالى بإرضاء الأتقى في الآخرة، وقال تعالى في سورة الضحى مؤكدا وعده لنبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى.

2- ذكر تعالى في السورة السابقة: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ثم عدد اللَّه تعالى نعمه على سيد الأتقياء في هذه السورة وهو محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع سورة الضحى المكية الحديث عن شخصية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم. وقد تضمنت أربعة مقاصد:

1- ابتدأت بالقسم الإلهي العظيم على أن اللَّه عز وجل ما قلا رسوله ولا أبغضه، ولا هجره ولا تركه، وإنما هو محل العناية الربانية، وهو عظيم القدر عند اللَّه تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ... [الآيات: 1- 4] .

2- بشّره ربه بالعطاء الجمّ في الآخرة ومنه الشفاعة العظمى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [5] .

3- عددت نعم اللَّه على نبيه منذ صغره: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ...

[الآيات: 6- 8] .

4- ختمت بإيصائه بفضائل ثلاث: العطف على اليتيم، وصلة المسكين، وشكر النعمة العظمى وهي النبوة وغيرها من هذه النعم المذكورة: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [9- 11] .


94- سورة الشرح

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إتمام منّة الله على نبيه بزوال الغم والحرج والعسر عنه، وما يوجب ذلك

مناسبتها لما قبلها:

هي شديدة الاتصال بسورة الضحى، لتناسبهما في الجمل والموضوع لأن فيهما تعداد نعم اللَّه تعالى على نبيه صلّى الله عليه وسلّم، مع تطمينه وحثه على العمل والشكر، حيث قال في السورة السابقة: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى.. وأضاف هنا وعطف: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ...

ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما، والأصح المتواتر كونهما سورتين، وإن اتصلتا معنى.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة كسابقتها الحديث عن شخصية النبي صلّى الله عليه وسلّم وما أمده اللَّه به من نعم عظيمة، تستحق الحمد والشكر. وقد اشتملت على أمور أربعة:

1- تعداد نعم ثلاث أنعم اللَّه بها على نبيه المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم وهي شرح صدره بالحكمة والإيمان، وتطهيره من الذنوب والأوزار، ورفع منزلته ومقامه وقدره في الدنيا والآخرة: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [1- 4] وذلك بقصد تسلية الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وإيناسه عما يلقاه من أذى قومه الشديد في مكة والطائف وغيرهما.

2- وعد اللَّه له بتيسير المعسر، وتفريج الكرب عليه، وإزالة المحن والشدائد، وتبشيره بقرب النصر على الأعداء: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [5- 6] .

3- أمره بمواظبة العبادة والتفرغ لها بعد القيام بتبليغ الرسالة شكرا للَّه على ما أنعم عليه: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [7] .

4-أمره بعد كل شيء بالتوكل على اللَّه وحده، والرغبة فيما عنده: وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ [8] .


95- سورة التين

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على قيمة الإنسان وشرفه بدينه، وسفوله وهوانه بدونه

تسميتها:

سميت سورة التين لأن اللَّه تعالى أقسم في مطلعها بالتين والزيتون، لما فيهما من خيرات وبركات، ومنافع: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ...

مناسبتها لما قبلها:

 

ذكر اللَّه تعالى في السورة المتقدمة حال أكمل الناس خلقا وخلقا، وأنه أفضل العالم، ثم ذكر في هذه السورة حال النوع الإنساني وما ينتهي إليه أمره من التدني ودخول جهنم إن عادى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، أو دخول الجنة إن آمن به وعمل صالحا.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة المكية بيان أمور ثلاثة متعلقة بالإنسان وعقيدته:

1- تكريم النوع الإنساني، حيث خلق اللَّه الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سويّ الأعضاء، حسن التركيب: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.. [1- 4] .

2- بيان انحدار مستوى الإنسان وزجّ نفسه في نيران جهنم بسبب كفره باللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإنكاره البعث والنشور، بالرغم من توافر الأدلة القاطعة على قدرة اللَّه عزّ وجلّ بخلق الإنسان في أحسن تقويم: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [5] .

واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [6] .

3- إعلان مبدأ العدل المطلق في ثواب المؤمنين، وتعذيب الكافرين:

فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ [7- 8] .


96- سورة العلق

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان كمال الإنسان بالعلم والوحي الباعث على تعلق العبد بربه وخضوعه له، ونقصه بمخالفة ذلك

مناسبتها لما قبلها:

ذكر اللَّه تعالى في سورة التين أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذا بيان للصورة، وذكر هنا أنه: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وهذا بيان للمادة.

وذكر تعالى في هذه السورة من أحوال الآخرة بيانا توضيحيا لما ذكر في السورة السالفة.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية أول شيء نزل من القرآن على قلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لبيان الأمور الثلاثة التالية:

1-     بيان حكمة اللَّه في خلق الإنسان من ضعف إلى قوة، والإشادة بما زوّده وأمره به من فضيلة القراءة اقرأ والكتابة عَلَّمَ بِالْقَلَمِ لتمييزه على غيره من المخلوقات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.. [الآيات: 1- 5] .

 2- الإخبار عن مدى طغيان الإنسان وتمرده على أوامر اللَّه، وجحوده نعم اللَّه عليه وغفلته عنها رغم كثرتها في حال توافر الثورة والمال والغنى لديه، فقابل النعمة بالنقمة، وكان الواجب عليه أن يشكر ربّه على فضله، فجحد النعمة وتجبّر واستكبر: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى.. [الآيات: 6- 8] .

3-افتضاح شأن فرعون هذه الأمة أبي جهل الذي كان ينهى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عن الصلاة، انتصارا للأوثان والأصنام، وتوعده بأشد العقاب إن استمر على ضلاله وكفره وطغيانه، وتنبيه الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى عدم الالتفات لما كان يوعده به ويتهدده: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ... إلى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [الآيات: 9- 19] .


97- سورة القدر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان عظم ليلة القدر وما أُنزل فيها

مناسبتها لما قبلها:

أمر اللَّه تعالى في سورة العلق نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقراءة القرآن باسم ربه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، ثم أبان في هذه السورة زمن البدء في نزول القرآن، وهو ليلة القدر ذات الشرف الرفيع والقدر العالي بسبب نزول القرآن فيها.

ما اشتملت عليه السورة:

تحدثت هذه السورة المكية عن تاريخ بدء نزول القرآن الكريم، وعن فضل ليلة القدر على سائر الأيام والليالي والشهور، لنزول الملائكة وجبريل فيها بالأنوار والأفضال والبركات والخيرات على عباد اللَّه المؤمنين الصالحين، من لدن أرحم الراحمين الذي يفيض بها على من يشاء.


98- سورة البيّنة

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على قيمة الرسالة المحمدية

مناسبتها لما قبلها:

هذه السورة كالعلة لما قبلها، فكأنه لما قال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قيل: لم أنزل القرآن؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكّين عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة، فهي كالعلة لإنزال القرآن، المشار إليه في سورة القدر المتقدمة.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المدنية تحدثت عن الأمور الثلاثة التالية:

1- بيان علاقة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركين برسالة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وموقفهم منها، وإقلاعهم عن كفرهم بسببها: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... [الآيات 1- 4] .

2- تحديد الهدف الجوهري من الدين والإيمان وهو إخلاص العبادة للَّه عز وجل: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.. [5] .

3- توضيح مصير كل من الكفار المجرمين الأشقياء شر البرية، والمؤمنين الأتقياء السعداء خير البرية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..

[6- 8] .


99- سورة الزلزلة

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على هزّ القلوب الغافلة لليقين بالحساب والإحصاء الدقيق

مناسبتها لما قبلها:

لما ذكر اللَّه تعالى في آخر سورة البيّنة وعيد الكافر ووعد المؤمن وأن جزاء الكافرين نار جهنم، وجزاء المؤمنين جنات، بيّن هنا وقت ذلك الجزاء وبعض أماراته وهو الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها، فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟

فقال: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها أي يكون يوم زلزلة الأرض. ثم إنه تعالى أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه حينما تزلزل الأرض، مثل قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران 3/ 106] . ثم ذكر ما للطائفتين، فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ.. [106] ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ [107] . ثم جمع بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرّة من الخير والشر.

ما اشتملت عليه السورة:

أسلوب هذه السورة المدنية وموضوعها يشبه أسلوب وموضوع السور المكية، لإخبارها عن أهوال القيامة وشدائدها. وقد اشتملت على مقصدين:

1- بيان حدوث الزلزال والاضطراب الشديد للأرض يوم القيامة، فينهار كل ما عليها، ويخرج الناس الموتى من بطنها من قبورهم، وتشهد حينئذ على كل إنسان بما عمل على ظهرها: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [الآيات: 1- 5] .

2-     الحديث عن ذهاب الخلائق لموقف العرض والحساب، ثم مجازاتهم على أعمالهم، وقسمتهم فريقين: سعيد إلى الجنة، وشقي إلى النار: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً.. [6- 8] .


100-                    سورة العاديات

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان حقيقة الإنسان بلا إيمان

مناسبتها لما قبلها:

تظهر المناسبة بين السورتين من وجهين:

1- هناك تناسب وعلاقة واضحة بين قوله تعالى في الزلزلة: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [2] وقوله في هذه السورة: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ.

2- لما ختمت السورة السابقة ببيان الجزاء على الخير والشر، وبّخ اللَّه تعالى الإنسان على جحوده نعم ربه، وإيثاره الحياة الدنيا على الآخرة، وترك استعداده للحساب في الآخرة بفعل الخير والعمل الصالح، وترك الشر والعصيان.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة المكية مقاصد ثلاثة:

1- القسم الإلهي بخيل المجاهدين على أن الإنسان كفور جحود لنعم ربه عليه، وأنه مقدر شاهد على ذلك: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً.. [1- 7]

  2- التحدث عن غريزة الإنسان في حبه الشديد للثروة والمال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [8] .

3- الحض على فعل الخير والعمل الصالح الذي ينفع الإنسان حين رجوع الخلائق إلى اللَّه للحساب والجزاء، والتهديد بالعقاب الشديد يوم القيامة:

أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ.. [9- 11] . 


                    

101-                    سورة القارعة

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على قرع القلوب لاستحضار هول القيامة

مناسبتها لما قبلها:

ختمت السورة السابقة بوصف يوم القيامة: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وأعقبتها هذه السورة برمّتها بالحديث عن القيامة ووصفها الرهيب وأهوالها المخيفة.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة المكية التخويف بأهوال القيامة، وهي كلها تدور حول الموضوع نفسه.

فقد بدأت بالحديث عن أهوال القيامة وشدائدها، وانتشار الناس فيها من قبورهم كالفراش المتطاير: الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ.. [1- 4] .

ثم أشارت إلى بعض أمارات الساعة وهو نسف الجبال وجعلها كالصوف المندوف، مما يوجد الذعر والهلع والتأثر الشديد في قلوب الناس: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [5] .

وكانت خاتمتها الإخبار عن نصب موازين الحساب التي توزن بها أعمال الناس، فثقيل الميزان بالحسنات إلى الجنة، وخفيف الميزان بالسيئات إلى النار:

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ.. [6- 11] .


102-                    سورة التكاثر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تذكير المنشغلين بالدنيا بالموت والحساب

مناسبتها لما قبلها:

أخبرت سورة القارعة عن بعض أهوال القيامة، وجزاء السعداء والأشقياء، ثم ذكر في هذه السورة علة استحقاق النار وهو الانشغال بالدنيا عن الدين، واقتراف الآثام، وهددت بالمسؤولية في الآخرة عن أعمال الدنيا.

ما اشتملت عليه السورة:

موضوع هذه السورة المكية ذم العمل للدنيا فقط، والتحذير من ترك الاستعداد للآخرة. لذا تناولت مقاصد ثلاثة:

1- بيان انشغال الناس بملذات الحياة ومغرياتها، والغفلة حتى يأتي الموت:

أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [1- 2] .

2- الإنذار بالسؤال عن جميع الأعمال في القيامة: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [3- 4] .

3- التهديد برؤية الجحيم يقينا، ومجابهة أهوال النار، والسؤال عن نعيم الدنيا: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ.. [5- 8] .


103-                    سورة العصر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان حقيقة الربح والخسارة في الحياة، والتنبيه على قيمة العصر الذي يعيشه الإنسان

تسميتها:

سميت سورة العصر لقسم اللَّه به في مطلعها بقوله: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وَالْعَصْرِ: الدهر، لاشتماله على الأعاجيب، من سرّاء وضرّاء، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وعز وذل، وانقسامه إلى أجزاء: سنة وشهر ويوم وساعة ودقيقة وثانية.

مناسبتها لما قبلها:

لما بيّن في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان والأعمال الصالحات، وهو ما يعود إلى النفس، ومن التواصي بالخيرات وكفّ النفس عن المناهي أو المعاصي، وهو ما يعود إلى المجتمع. والخلاصة: بعد أن قال: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ وهدد بتكرار: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ بيّن حال المؤمن والكافر.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية الموجزة توضح أصول الإسلام الكبرى، ودستور الحياة الإنسانية.

فقد أقسم اللَّه تعالى بالعصر الذي هو الدهر أو الزمان المشتمل على العجائب والدال على قدرة اللَّه وحكمته البالغة على خسارة الإنسان إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي مع الآخرين بالحق، والتواصي بالصبر والمصابرة.


104-                    سورة الهمزة

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على وعيد المتعالين الساخرين

مناسبتها لما قبلها:

بعد أن ذكر اللَّه تعالى في السورة المتقدمة أن جنس الإنسان في خسران ونقص وهلكة، أبان في هذه السورة حال الخاسر وأراد به تبيان الخسران بمثال واحد.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية في علاج مشكلة خلقية مستعصية بين الناس وهي الطعن في الآخرين بالغيبة أثناء غيابهم، أو بالعيب حال حضورهم.

وقد بدأت بالإخبار عن العذاب الشديد لكل عيّاب طعّان للناس، ينتقص الآخرين ويزدريهم ويسخر بهم: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [1] .

ثم ذمّت السورة الذين يحصرون على جمع الأموال في الدنيا، كأنهم مخلدون فيها: الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ... [2- 3] . وختمت بردع الفريقين السابقين، وأنبأتهم بمصيرهم الأسود وهو النبذ في الحطمة: نار جهنم.


105-                    سورة الفيل

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على حماية الله لبيته الحرام، امتنانًا وحجة على المخاطبين

مناسبتها لما قبلها:

ذكر اللَّه تعالى في السورة السابقة الهمزة حال الهمزة اللمزة الذي جمع مالا، وتعزز بماله، وأفاد تعالى أن المال لا يغني من اللَّه شيئا، ثم ذكر في هذه السورة الدليل على ذلك، بإيراد قصة أصحاب الفيل الذين كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر مالا، وأعظم عتوا، وقد أهلكهم اللَّه بأصغر الطير وأضعفه، ولم يغن عنهم مالهم ولا عددهم ولا قوتهم شيئا.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية مقصورة على بيان قصة أصحاب الفيل الذين اعتمدوا على قوتهم وما لهم وقدرتهم على البطش بجيش جرار لا يقهر، ثم أبادهم اللَّه عن بكرة أبيهم، حينما أرادوا هدم الكعبة، بقصف من الحجارة الربانية المعلقة بأرجل طير صغار، وجعلهم كعصف مأكول، أي كبقايا الزرع بعد الحصاد الذي تأكله الماشية، وتعصف به الريح في كل مكان.


106-                    سورة قريش

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على الامتنان على قريش بائتلافهم وعلو شأنهم

تسميتها:

سميت سورة قريش تذكيرا لهم بنعم اللَّه عليهم في مطلع السورة: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ...

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط السورة بما قبلها من وجهين:

1- كلتا السورتين تذكير بنعم اللَّه على أهل مكة، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك عدوهم الذي جاء لهدم البيت الحرام أساس مجدهم وعزهم، وهذه السورة تذكر نعمة أخرى اجتماعية واقتصادية، حيث حقق اللَّه بينهم الألفة واجتماع الكلمة، وأكرمهم بنعمة الأمن والاستقرار، ونعمة الغنى واليسار والإمساك بزمام الاقتصاد التجاري في الحجاز، بالقيام برحلتين صيفا إلى الشام وشتاء إلى اليمن.

3- هذه السورة شديدة الاتصال بما قبلها، لتعلق الجار والمجرور في أولها بآخر السورة المتقدمة: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.. أي لإلف قريش أي أهلك اللَّه أصحاب الفيل، لتبقى قريش، ولذا كانتا في مصحف أبيّ سورة واحدة. ولكن في المصحف الإمام فصلت هذه السورة عن التي قبلها، وكتب بينهما: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة المكية تعداد نعم اللَّه العظمى على قريش أهل مكة، حيث جمع اللَّه كلمتهم، وحقق الألفة والتئام الشمل بينهم: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ومكّنهم من التنقل وحرية التجارة إلى اليمن شتاء، وإلى الشام صيفا، لتوفير الثروة والغنى: إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ.

وهيّأ لهم في البلد الآمن الحرام نعمة الأمن والاطمئنان والاستقرار دون نزاع من أحد: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.


107-                    سورة الماعون

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان أخلاق المكذبين بالدين والآخرة

تسميتها:

سميت سورة الماعون، لأن اللَّه تعالى ذم في نهايتها المدنية الذين يمنعون الماعون: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ [7] كالساهين عن الصلاة، والمنافقين.

والماعون: ما يستعيره الجار من جاره من أدوات الطبخ، كالقدر والملح والماء، وآلات الحراثة والزرع، كالفأس والدلو، ووسائل الخياطة كالإبرة والخيط ونحو ذلك من كل ما يستعان وينتفع به من المنافع السريعة. وتسمى أيضا سورة الدّين للنعي في مطلعها المكي على الذي يكذب بالدّين، أي الجزاء الأخروي.

مناسبتها لما قبلها:

ترتبط السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة:

1- ذم اللَّه في السورة السابقة سورة قريش الجاحدين لنعمة اللَّه الذين أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وذم في هذه السورة من لم يحضّ على طعام المسكين.

2- أمر اللَّه في السورة المتقدمة بعبادته وحده وتوحيده: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ

وذم في هذه السورة الذين هم عن صلاتهم ساهون، وينهون عن الصلاة.

3- عدّد اللَّه تعالى في السورة الأولى نعمه على قريش، وهم مع ذلك ينكرون البعث، ويجحدون الجزاء في الآخرة، وأتبعه هنا بتهديدهم وتخويفهم من عذابه لإنكار الدّين، أي الجزاء الأخروي.

ما اشتملت عليه السورة:

تحدثت هذه السورة المكية في مطلعها عن الكافر، وفي نهايتها المدنية عن المنافق.

أما مطلعها فهو في ذمّ الكافر المكذب بيوم الحساب والجزاء: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ووصفته بصفتين: الأولى- انتهاره وزجره وطرده اليتيم، والثانية- عدم الحض أو الحث على إطعام المسكين، فلم يحسن في عبادة ربه، ولم يفعل الخير لغيره.

وأما خاتمتها فهي في ذم المنافق الذي أظهر الإسلام وأخفى الكفر، ووصفته بصفات ثلاث: الأولى- الغفلة عن الصلاة، والثانية- مراءاته الناس بعمله، والثالثة- منعه الماعون الذي يستعان وينتفع به بين الجيران، فهو لا يعمل للَّه، بل يرائي في عمله وصلاته.

وتوعدت الفريقين بالخزي والعذاب والهلاك، ولفتت الأنظار إليهم بأسلوب الاستهجان والاستغراب والتعجيب من صنيعهم.


108-                    سورة الكوثر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على الامتنان على النبي بالعطاء والخير الكثير الذي خُصّ به

تسميتها:

سميت سورة الكوثر لافتتاحها بقول اللَّه تعالى مخاطبا نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومنه: نهر الكوثر في الجنة.

مناسبتها لما قبلها:

وصف اللَّه الكفار والمنافقين الذين يكذبون بالدين أي بالجزاء الأخروي بأربع صفات: البخل في قوله: يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وترك الصلاة في قوله: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ. والرياء أو المراءاة في الصلاة في قوله: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ومنع الخير والزكاة في قوله:

وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.

وذكر اللَّه تعالى في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعا للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فذكر أنه أعطاه الكوثر في مقابلة البخل في قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي الخير الكثير الدائم، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وأمره بالمواظبة على الصلاة: فَصَلِّ أي دم على الصلاة في مقابلة ترك الصلاة، وأمره بالإخلاص في الصلاة في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ أي لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، في مقابلة المراءاة في الصلاة، وأمره بالتصدق بلحم الأضاحي على الفقراء، في مقابلة منع الماعون «1» .

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة المكية الحديث عن مقاصد ثلاثة هي:

1- بيان فضل اللَّه الكريم وامتنانه على نبيه الرحيم بإعطائه الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومنه نهر الكوثر في الجنة.

2- أمر النبي وكذا أمته بالمواظبة على الصلاة، والإخلاص فيها، ونحر الأضاحي شكرا للَّه تعالى.

3-بشارة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بنصره على أعدائه، وبخزيهم وإذلالهم وحقارتهم، بسبب انقطاعهم عن كل خير في الدنيا والآخرة.


109-                    سورة الكافرون

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على تقرير توحيد العبادة والبراءة من الشرك

مناسبتها لما قبلها:

أمر اللَّه نبيه في السورة السابقة بإخلاص العبادة للَّه وحده لا شريك له، وفي هذه السورة سورة التوحيد والبراءة من الشرك تصريح باستقلال عبادته عن عبادة الكفار، فهو لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون من الأوثان والأصنام، وبالغ في ذلك فكرّره وأكّده، وانتهى إلى أن له دينه، ولهم دينهم.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المكية- سورة البراءة من عمل المشركين والإخلاص في العمل للَّه تعالى، وضعت الحد الفاصل النهائي بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان وعبدة الأوثان، فحينما طلب المشركون المهادنة من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، نزلت السورة تقطع أطماع الكفار الرخيصة، وتفصل النزاع بين فريقي المؤمنين والكافرين إلى الأبد.


110-                    سورة النصر

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على بيان عاقبة الإسلام بالنصر والفتح، وما يُشرع عند حصول ذلك

مناسبتها لما قبلها:

لما أخبر اللَّه تعالى في آخر السورة المتقدمة باختلاف دين الإسلام الذي يدعو إليه الرسول عن دين الكفار، أنبأه هنا بأن دينهم سيضمحل ويزول، ودينه سيعلو وينتصر وقت مجيء الفتح والنصر، حيث يصبح دين الأكثرين. وفي ذلك بيان فضل اللَّه تعالى على نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالنصر والفتح، وانتشار الإسلام، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه: دين اللَّه، كما أن فيه إشارة إلى دنو أجله صلّى اللَّه عليه وسلّم.

ما اشتملت عليه السورة:

هذه السورة المدنية بالإجماع تشير إلى فتح مكة، وانتصار النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم على المشركين، وانتشار الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وانحسار ظلمة الشرك والوثنية، والإخبار بدنو أجل النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأمره بتسبيح ربه وحمده واستغفاره.


111-                    سورة المسد

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على توعّد المعادين للدعوة بالهوان والعذاب في الدنيا والآخرة

مناسبتها لما قبلها:

هناك تقابل بين هذه السورة والسورة التي قبلها، ففي السورة السابقة النصر ذكر اللَّه تعالى أن جزاء المطيع حصول النصر والفتح في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وفي هذه السورة ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة أو العقبى.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة المكية بالإجماع الكلام عن مصير أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب، عمّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، ومصير زوجته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وهو هلاك أبي لهب عدو اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم في الدنيا، ودخوله نار جهنم لشدة إيذائه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ومعاداته له، وصدّه الناس عن الإيمان به. وكذلك زوجته شريكة معه في هذا العقاب لأنها كانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم.


112-                    سورة الإخلاص

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على إثبات تفرّد الله بالكمال وتنزّهه عن النقص

مناسبتها لما قبلها:

المناسبة بينها وبين ما قبلها واضحة، فسورة الكافرين للتبرؤ من جميع أنواع الكفر والشرك، وهذه السورة لإثبات التوحيد للَّه تعالى، المتميز بصفات الكمال، المقصود على الدوام، المنزه عن الشريك والشبيه، ولذا قرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، كركعتي الفجر والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصلاة المسافر.

ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت هذه السورة أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد اللَّه وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، ونفي الشركاء، وفي هذا الرد على النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة أخرى.


113-                    سورة الفلق

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على التحصّن والاعتصام بالله من الشرور الظاهرة

مناسبتها لما قبلها:

لما أبان اللَّه تعالى أمر الألوهية في سورة الإخلاص لتنزيه اللَّه عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أبان في هذه السورة وما بعدها وهما المعوذتان ما يستعاذ منه باللَّه من الشر الذي في العالم، ومراتب مخلوقاته الذين يصدون عن توحيد اللَّه، كالمشركين وسائر شياطين الإنس والجن، وقد ابتدأ في هذه السورة بالاستعاذة من شر المخلوقات، وظلمة الليل، والسحرة، والحسّاد، ثم ذكر في سورة الناس الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن لذا سميت السور الثلاثة (الإخلاص وما بعدها) في الحديث بالمعوّذات. وقدمت الفلق على الناس لمناسبة الوزان في اللفظ لفواصل الإخلاص مع مقطع تَبَّتْ.

              ما اشتملت عليه السورة:

تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل، والسواحر والنمامين، والحسدة، وهي درس بليغ وتعليم نافع عظيم لحماية الناس بعضهم من بعض بسبب أمراض النفوس، وحمايتهم من شر ذوات السموم، وشر الليل إذا أظلم، لما فيه من مخاوف ومفاجات، وبخاصة في البراري والكهوف.


114-                    سورة الناس

* محور السورة وموضوعها الأساسي : التركّيز على الاعتصام والتحصّن بالله من شر الشيطان ووسوته،ومن الشرور الخفية.

تسميتها:

سميت سورة الناس لافتتاحها بقول اللَّه تبارك وتعالى: قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.. وتكررت كلمة النَّاسِ فيها خمس مرات. وقد نزلت مع ما قبلها، وهي مكية عند الأكثر، وقيل: مدنية كما تقدم. وعرفنا وجه مناسبتها لما سبقها.

وهي آخر سورة في القرآن، وقد بدئ بالفاتحة التي هي استعانة باللَّه وحمد له، وختم بالمعوذتين للاستعانة باللَّه أيضا.

ما اشتملت عليه السورة:

اشتملت هذه السورة، وهي ثاني المعوذتين على الاستعاذة باللَّه تعالى والالتجاء إلى ربّ الناس الملك الإله الحق من شرّ إبليس وجنوده الذين يغوون الناس بوسوستهم.

وقد عرفنا أن هذه السورة وسورة الفلق والإخلاص تعوذ بهن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من سحر اليهود. وقيل: إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان، أي تبرئان من النفاق.


 الختام  ؛

الحمدلله الذى بنعمتة تتم الصالحات

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


السراج المنير صلى الله علية وسلم

السراج المنير صلى الله علية وسلم اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك  هو معرفة ربك ومعرفة نبيك ومعرفة دينك ، وهى اول اسئلة القبر، وال...

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *