google.com, pub-3766738376414477, DIRECT, f08c47fec0942fa0 فوائد: رقائق-
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق-. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق-. إظهار كافة الرسائل

الاخلاص و آفاتة


الاخلاص و آفاتة

الاخلاص و آفاتة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد :

الى السالكين طريقهم الى الله ، الى كل من تاب واناب وشمر عن ساق الجد ، الى من سلك طريق الآخرة ، هل اخلصتم العمل لله ، هل اعمالكم خالية من شوائب الاخلاص ، الى كل مسلم ومؤمن يحب ان يأتى الله غداً بقلب سليم اسوق لكم تلك الكلمات المسطورة من كتاب لعالم خبير بدروب النفس وامراضها وعلاجها ، تلك الكلمات التى كلما قرئتها احس بخطر شديد على نفسى هل انا فعلا مخلص ام مرائى ، انها كلمات منقولة من كتاب من اهم كتب رياضة النفس انة كتاب (مختصر منهاج القاصدين) لابن قدامة رحمة الله ، انقل اليكم فصل(ذم الجاة والرياء) الذى انصح كل مسلم ان يقراءة جيداً ، وان كان قد قراءة سابقا فسيجد فى كل مرة يقراءة فائدة جديدة تعينة على تحقيق الاخلاص لله وتنقية اعمالة من الآفات المهلكة المحبطة للاعمال .

---

 ذم الجاه والرياء وعلاجهما


اولا : ذم الجاة وعلاجة

 

روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية". وهذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء، فضلاً عن عامة العباد، وإنما يبتلى بها العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم لما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات، وحملوها بالقهر على أسباب العبادات، لم تطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فاستراحت إلى التظاهر بالعلم والعمل، ووجدت مخلصاً من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق، ونظرهم إليها بعين الوقار والتعظيم، فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة، فاحتقرت فيها ترك المعاصي، فأحدهم يظن أنه مخلص لله عز وجل، وقد أثبت في ديوان المنافقين، وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقربون.

ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة، وإذا كان هو الداء الدفين، الذي هو أعظم شبكة للشياطين، وجب شرح القول في سببه، وحقيقته وأقسامه.

اعلم: أن أصل الجاه هو حب انتشار الصيت والاشتهار، وذلك خطر عظيم، والسلامة في الخمول. وأهل الخير لم يقصدوا الشهرة، ولم يتعرضوا لها ولا لأسبابها، فإن وقعت من قبل الله تعالى، فروا عنها، وكانوا يؤثرون الخمول، كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه خرج من منزله، فتبعه جماعة، فالتفت إليهم وقال: علام تتبعونى؟ فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.

وفى لفظ آخر أنه قال: ارجعوا، فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.

وكان أبو العالية رحمه الله إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام.

وكان خالد بن معدان رحمه الله إذا عظمت حلقته، قام وانصرف كراهة الشهرة.

وقال الزهري رحمه الله: ما رأينا الزهد في شىء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة، حامى عليها وعادى.

قال رجل لبشر الحافي رحمه الله: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك. وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس.

وقد روى في "صحيح مسلم" أن عمر بن سعد انطلق إلى أبيه سعد وهو في غنم له خارجاً عن المدينة، فلما رآه قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا ابت أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال: اسكت، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي".

وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضاً في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً، فصبر على ذلك" ثم نقر بيده، فقال: "عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه" حديث حسن.

وكان ابن مسعود رضى الله عنه يوصى أصحابه، فيقول: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض.

فإن قيل: هذا فيه فضيلة الخمول، وذم الشهرة وأي شهرة أكثر من شهرة الأنبياء، وأئمة العلماء.

قلنا: المذموم طلب الإنسان الشهرة، وأما وجودها من جهة الله تعالى من غير طلب الإنسان فليس بمذموم، غير أن في وجودها فتنة على الضعفاء، فإن مثل الضعيف كالغريق القليل الصنعة في السباحة، إذا تعلق به أحد غرق وغرقه، فأما السابح النحرير، فإن تعلق الغرقى به سبب لنجاتهم وخلاصهم.

 

1 ـ فصل [في أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا]

 

واعلم: أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا، ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها، وطاعتها، والتصرف فيها.

فالجاه هو قيام المنزلة في قلوب الناس، وهو اعتقاد القلوب نعتاً من نعوت الكمال في هذا الشخص، إما من علم أو عبادة، أو نسب أو قوة، أو حسن صورة، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالاً فبقدر ما يتعقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم لطاعته، ومدحه وخدمته، وتوقيره.

فبهذا يبين أن الجاه محبوب بالطبع وأنه أبلغ من حب المال، لأن المال لا يتعلق الغرض بعينه، بل لكونه وسيلة إلى المحبوبات، فاشتراك الجاه والمال في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، والجاه في ذلك أرجح من المال.

واعلم: أن من الجاه ما يحمد وما يذم، لأن من المعلوم أنه لابد للإنسان من مال لضرورة المطعم والملبس ونحوهما، فكذلك لابد له من جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، لأن الإنسان لا يخلو من الحاجة إلى سلطان يحرسه، ورفيق يعينه، وخادم يخدمه، فحبه ذلك ليس بمذموم، لأن الجاه وسيلة إلى الأغراض، كالمال.

والتحقيق في هذا أن لا يكون المال والجاه محبوبين لأعيانهما، ومتى طلب الإنسان قيام جاهه لأجل صفة هو متصف بها لغرض صحيح، كقول يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] أو قصد إخفاء عيب من عيوبه لئلا نزول منزلته، كان ذلك مباحاً، فإن طلب المنزلة باعتقادهم فيه صفة ليست فيه، كالعلم، والورع، والنسب، فذلك محظور.

وكذلك لو حسن الصلاة بين أيديهم ليعتقدوا فيه الخشوع. فإنه يكون مرائياً بذلك، فلا يجوز تملك القلوب بتزوير، ولا تملك المال بتلبيس.

 

2 ـ بيان علاج حب الجاه

 

اعلم: أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد، لأن كل من طلب المنزلة في قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو خال عنه، ويجر ذلك إلى المراءاة بالعبادات واقتحام المحظورات، والتوصل إلى اقتناص القلوب.

ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حب المال والشرف وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين أرسلا في غنم.

فحب الجاه إذاً من المهلكات، يجب علاجه وعلاجه مركب من علم وعمل، أما الأول، فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه، هو كمال القدوة على أشخاص الناس وقلوبهم، وذلك إذا صفا وسلم يكون في آخره الموت فينبغي أن يتفكر في نفسه في الأخطار والآفات اللاحقة لأصحاب الجاه في الدنيا، من تطرق الحسد إليهم، وقصدهم بالإيذاء، فتراهم خائفين على الدوام من زوال جاههم، محترزين من تغيير منزلتهم في القلوب.

والقلوب أشد تغيراً من القدرة في غليانها، فالاشتغال بمراعاة ذلك غموم عاجلة، مكدرة لحفظ الجاه، فلا يفي مرجو الدنيا بمخوفها، فضلاً عما يفوت في الآخرة، فهذا من حيث العلم.

وأما العلاج من حيث العمل، فهو إسقاط الجاه من قلوب الخلق بأفعال توجب ذلك، كما روى أن بعض الملوك قصد زيارة رجل زاهد، فلما قرب منه، استدعى طعامه وبقلاً ولبناً وجعل يأكل بشره، ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه.

ولما أريد إبراهيم النخعى على القضاء لبس قميصاُ أحمر وقعد في السوق.

واعلم: أن انقطاع الزاهد عن الناس يوجب جاهاً له عندهم، فإذا خاف من تلك الفتنة، فليخالطهم على وجه السلامة، وليمش في الأسواق، وليشتر حاجته ويحملها، وليقطع طمعه من دنياهم، وقد تم مراده.

وكان بشر الحافي يجلس إلى عطار، وكانوا يراعون نواميس المتزهدين اليوم.

 

3 ـ فصل [في عدم الاكتراث بذم الناس]

 

واعلم: أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات، فوجبت معالجته.

وطريق ذلك أن ننظر إلى الصفة التي مدحت بها، إن كانت موجودة فيك فلا

يخلو: إما أن يكون مما يفرح به كالعلم والورع، أو مما لا يصلح أن يفرح به، كالجاه والمال.

أما الأول: فينبغي أن يحذر من الخاتمة، فإن الخوف منها شغل عن الفرح بالمدح، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة، فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح الناس.

وأما القسم الثاني، وهو المدح بسبب الجاه والمال، فالفرح بذلك، كالفرح بنبات الأرض الذي يصير عن قريب هشيماً، ولا يفرح بذلك إلا من قل عقله، وإن كنت خالياً عن الصفة التي مدحت بها، ففرحك بالمدح غاية الجنون.

وقد ذكرنا آفات المدح فيما تقدم في كتاب آفات اللسان، فلا ينبغي أن تفرح به، بل تكرهه، كما كان السلف يكرهونه، ويغضبون على فاعله.

وعلاج كراهية الذم يفهم من علاج حب المدح، فإنه ضده، والقول الوجيز فيه أن من ذمك، إما أن يكون صادقاً فيما قال، قاصداً للنصح لك، فينبغي أن تتقلد منته، ولا تغضب، فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن لم يقصد بذلك النصح، فإنه يكون قد جنى هو على دينه، وانتفعت بقوله، لأنه عرفك ما لم تكن تعرف، وذكرك من خطاياك ما نسيت، وإن افترى عليك بما أنت منه بريء، فينبغي أن تتفكر في ثلاثة أشياء:

أحدها: أنك إن خلوت من ذلك العيب لم تخل من أمثاله، فما ستر الله عز وجل عليك من عيوبك أكثر، فاشكره إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك فذكر ما أنت عنه بريء.

الثاني: أن ذلك كفارات لذنوبك.

الثالث: أنه جنى على دينه، وتعرض لغضب الله عليه، فينبغي أن يسأل الله العفو عنه، كما روى أن رجلاً شج إبراهيم بن أدهم، فدعا له بالمغفرة وقال: صوت مأجور بسببه، فلا أجعله معاقباً بسببي، وقد تقدمت هذه الحكاية في فضل الحلم.



 

ثانياً : بيان الرياء وحقيقته وأقسامه وذمه

 

وقد ورد ذم الرياء في الكتاب والسنة، من ذلك قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 4 - 6] وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]

وأما الأحاديث، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: "من عمل عملاً أشرك فيه غيرى، فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء".

وفى حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: يا رسول الله: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذ جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم خيراً".

وقال بشر الحافي: لأن أطلب الدنيا بمزمار أحب إلى من أن أطلبها بالدين.

واعلم: أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، فالمرائي يرى الناس ما يطلب به الحظوة عندهم وذلك أقسام:

 

الأول: الرياء في الدين، وهو أنواع:

 

أحدهما: أن يكون من جهة البدن، بإظهار النحول والصفار، ليريهم بذلك شدة الاجتهاد، وغلبة خوف الآخرة، وكذلك يرائي بتشعث الشعر، ليظهر أنه مستغرق في هم الدين، لا يتفرغ لتسريح شعره.

ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين، ليدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، ولهذا قال عيسى بن مريم عليه السلام: إذا صام أحدكم

فليدهن رأسه، ويرجل شعره. وذلك لما يخاف على الصائم من آفات الرياء، فهذا الرياء من جهة البدن لأهل الدين.

وأما أهل الدنيا، فيراؤون بإظهار السمن، وصفاء اللون، واعتدال القامة، وحسن الوجه، ونظافة البدن.

 

النوع الثاني: الرياء من جهة الزي، كالإطراق حالة المشي، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، ولبس الصوف، وتشمير الثياب كثيراً، وتقصير الأكمام، وترك الثوب مخرقاُ غير نظيف.

ومن ذلك لبس المرقعة، والثياب الزرق، تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس من صفاتهم في الباطن.

ومنه التقنع فوق العمامة، لتنصرف إليه الأعين بالتمييز بتلك العادة.

وهؤلاء طبقات، منهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح، بإظهار التزهد بلبس الثياب المخرقة الوسخة الغليظة، ليرائي بذلك، ولو كلف هذا أن يلبس ثوباً وسطاً نظيفاً مما كان السلف يلبسونه، لكان عنده بمنزلة الذبح، لخوفه أن يقول الناس: قد بدا له من الزهد، وقد رجع عن تلك الطريقة.

وطبقة أخرى: يطلبون القبول عند أهل الصلاح، وعند أهل الدنيا من الملوك والأمراء والتجار، فلو لبسوا الثياب الفاخرة لم تقبلهم القراء أهل الصلاح، ولو لبسوا المخرقة الدنية لازدرتهم الملوك والأغنياء، فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدين والدنيا، فيطلبون الأثواب الرقيقة، والأكسية الرفيعة والفوط الرفيعة فيلبسونها، وأقل قيمة ثوب أحدهم قيمة ثوب الغنى، ولونه وهيئته لون ثياب الصلحاء، فيلتمسون القبول عند الفريقين.

وهؤلاء لو كلفوا لبس خشن أو وسخ، لكان عندهم كالذبح، خوفاً من السقوط في أعين الملوك والأغنياء، ولو كلفوا لبس الرقيق ورفيع الكتان الأبيض ونحو ذلك، لعظم ذلك عليهم، خوفاً من أن تنحط منزلتهم عند أهل الصلاح، وكل مراء بزي مخصوص ثقل عليه الانتقال إلى ما دونه أو فوقه خوفاً من المذمة.

وأما أهل الدنيا، فمراءاتهم بالثياب النفيسة، والمراكب الحسنة، وأنواع التجميل في الملبس والمسكن وأثاث البيت، وهم في بيوتهم يلبسون الثياب الخشنة، ويشتد عليهم أن يروا بتلك المنزلة.

 

النوع الثالث: الرياء بالقول، ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار، لأجل المحاورة، وإظهار غزارة العلم والدلالة على شدة العناية بأحوال السلف، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن، ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك.

وأما أهل الدنيا، فمراءاتهم بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في الكلام ونحو ذلك.

 

النوع الرابع: الرياء بالعمل، كمرآة المصلى بطول القيام، وتطويل الركوع والسجود، وإظهار الخشوع، ونحو ذلك.

وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة ونحو ذلك.

وأما أهل الدنيا فمراءاتهم، بالتبختر، والاختيال، وتحريك اليدين، وتقريب الخطى، والأخذ بأطراف الذيل، وإمالة العطفين، ليدلوا بذلك على الحشمة.

 

النوع الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين، كالذي يتكلف أن يستزير عالماً أو عابداً، ليقال: إن فلاناً قد زار فلاناً، وإن أهل الدين يترددون إليه، ويتبركون به، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ، ليقال: لقي شيوخاً كثيرة، واستفاد منهم، فيباهى بذلك، فهذه مجامع ما يرائي به المراؤون، يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد.

ومنهم من يطلب مجرد الجاه، وكم من عابد اعتزل في جبل، وراهب انزوى إلى دير، مع قطع طمعهم من مال الناس، لكنه يحب مجرد الجاه.

ومنهم من يكون قصده المال، ومنهم من قصده الثناء وانتشار الصيت.

فإن قيل: هل الرياء حرام، أم مكروه، أم مباح؟

فالجواب: أن فيه تفصيلاً، وهو إما أن يكون بالعبادات، أو بغيرها، فان كان الرياء بالعبادات، فهو حرام، فإن المرائي بصلاته وصدقته وحجته، ونحو ذلك، عاص آثم، لأنه يقصد بذلك غير الله تعالى المستحق للعبادة وحده، فالمرائي بذلك في سخط الله.

وأما إن كان بغير العبادات، فهو كطلب المال على ما تقدم، لا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورة، فكذلك الجاه، وكما أن كسب قليل من المال وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام في قوله: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] ولا نقول بتحريم الجاه وإن كثر، إلا إذا حمل صاحبه على ما لا يجوز على نحو ما ذكرنا في المال.

وأما سعة الجاه من غير حرص على طلبه، ومن غير اغتمام بزواله وإن زال، فلا ضرر فيه، إذ لا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلماء الدين بعده، ولكن انصراف الهمم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم.

وتحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس، إنما هو ليراه الناس، وكذلك كل تجمل لأجلهم لا يقال: إنه منهي عنه.

وقد تختلف المقاصد بذلك، فإن أكثر الناس يحبون أن لا يروا بعين نقص في حال.

وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنة، ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".

ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.

 

1 ـ فصل [في أن أبواب الرياء بعضها أشد من بعض]

 

واعلم: أن بعض أبواب الرياء أشد من بعض، لأنه درجات.

أشدها وأغلظها أن لا يكون مراده بالعبادة الثواب أصلاً، كالذي يصلى بين الناس، ولو انفرد لم يصل.

الدرجة الثانية: أن يقصد الثواب مع الرياء قصداً ضعيفاً بحيث لو كان خالياً لم يفعله، فهو قريب من القسم الأول في كونهما ممقوتين عند الله تعالى.

الدرجة الثالثة: أن يكون قصد الرياء، وقصد الثواب متساويين، بحيث لو انفرد كل واحد منهما عن الآخر لم يبعثه على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما اصلح، ولا يسلم من الإثم.

الرابعة: أن يكون إطلاع الناس عليه مقوياً لنشاطه، ولو لم يطلع عليه أحد لم يترك العبادة، فهذا يثاب على قصده الصحيح، ويعاقب على قصده الفاسد، وقريب من ذلك الرياء بأوصاف العبادة لا بأصلها، كالذي يصلى وغرضه تخفيف الركوع والسجود ولا يطيل القراءة، فإذا رآه الناس أحسن ذلك فهذا أيضاً من الرياء المحظور، لأنه يتضمن تعظيم الخلق، ولكنه دون الرياء بأصول العبادات.

 

2 ـ بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل

 

اعلم أن الرياء جلي وخفي.

فالجلي: هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه.

وأخفى منه قليلاً رياء لا يبعث على العمل بمجرده، لكن يخفف العمل الذي أريد به وجه الله تعالى، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف نشط له وسهل عليه. وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا في التسهيل، لكنه مع ذلك مستبطن في القلب، ومتى لم يؤثر الدعاء في العمل لم يكن أن يعرف إلا بالعلامات، وأجلى علاماته أنه يسر باطلاع الناس على طاعته، فرب عبد مخلص يخلص العمل، ولا يقصد الرياء بل يكرهه، ويتم العمل على ذلك، لكن إذا اطلع الناس عليه سره ذلك وارتاح له، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، فهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، ثم إذا استشعر تلك اللذة بالاطلاع لم يقابل ذلك بكراهة، بل قد يتحرك حركة خفيفة، ويتكلف أن يطلع عليه بالتعريض لا بالتصريح.

وقد يخفى، فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضاً ولا تصريحاً، ولكن بالشمائل كإظهار النحول، والصفار، وخفض الصوت، ويبس الشفتين وآثار الدموع وغلبة النعاس الدالة على طول التهجد.

وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع عليه، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وينشطوا في قضاء حوائجه، ويسامحوه في المعاملة، ويوسعوا له المكان، فان قصر في ذلك مقصر، ثقل ذلك على قلبه، كأن نفسه تتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها.

ومتى لم يكون وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق، لم يكن خالياً عن شوب خفي من الرياء، وكل ذلك يوشك أن يقص الأجر، ولا يسلم منه إلا الصديقون.

وقد روينا عن وهب بن منبه، أن رجلاً من العباد قال لأصحابه: إنا قد فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان، وأنا نخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا من هذا الطغيان أكثر مما دخل على الأهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه، وإن كان له حاجة أحب أن تقضى لمكان دينه: وإن اشترى شئياً أحب أن يرخص له لمكان دينه، فبلغ ذلك ملكهم، فركب في موكبه، فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس، فقال العابد: ما هذا؟ قيل: هذا الملك، فقال لصاحبه: ائتني بطعام، فأتاه ببقل وزبيب وقلوب الشجر، فجعل يحشو شدقيه ويأكل أكلاً عنيفاً، فقال الملك: أين صاحبكم؟ فقالوا: هذا، كيف أنت؟ قال: كالناس، فقال الملك ما عند هذا خير، وانصرف عنه، فقال: الحمد لله الذي صرفه عنى وهو لى لائم.

ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفى، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.

وشوائب الرياء الخفى كثيرة لا تنحصر، ومتى أدرك الإنسان من نفسه تفرقة بين أن يطلع على عبادته أو لا يطلع، ففيه شعبة من الرياء، ولكن ليس كل شوب محبطاً للأجر ومفسداً للعمل، بل فيه تفصيل.

فإن قيل: فما ترى أحداً ينفك عن السرور إذا عرفت طاعته، فهل جميع ذلك مذموم؟

فالجواب: أن السرور ينقسم إلى محمود ومذموم.

فالمحمود: أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله، ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله تعالى أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله، فيسر بحسن صنع الله ونظره له ولطفه به، حيث كان يستر الطاعة والمعصية، فأظهر الله سبحانه عليه الطاعة، وستر عليه المعصية، ولا لطف أعظم من ستر القبيح، وإظهار الجميل، فيكون فرحه بذلك، لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، أو يستدل بإظهار الله الجميل، وستر القبيح عليه في الدنيا، أنه كذلك يفعل به في الآخرة، فإنه قد جاء معنى ذلك في الحديث.

فأما إن كان فرحه باطلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم، حتى يمدحوه ويعظموه ويقضوا حوائجه، فهذا مكروه مذموم.

فإن قيل: فما وجه حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه، أعجبه، فقال: "له أجران: أجر السر، وأجر العلانية".

فالجواب: أن هذا الحديث ضعيف، وقد رواه الترمذي، وفسره بعض أهل العلم بأن معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير، لقوله عليه السلام: "أنتم شهداء الله في الأرض".

وقد روى في أفراد مسلم من حديث أبى ذر رضى الله عنه قال: قيل: يارسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن".

فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرموه عليه، فهذا رياء.

 

3 ـ فصل في بيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط

 

إذا ورد على العبد وراد الرياء، فلا يخلو:

إما أن يكون ورد بعد فراغه من العبادة أو قبله، فان ورد عليه بعد الفراغ سرور بالظهور من غير إظهار منه، فهذا لا يحبط العمل، لأنه قد تم على نعت الإخلاص فلا ينعطف ما طرأ عليه بعده، لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحديث به، فأما إن تحدث به بعد تمامه وأظهره، فهذا مخوف، والغالب عليه أنه كان في قلبه وقت مباشرة العمل نوع رياء، فإن سلم من الرياء نقص أجره، فإن بين عمل السر والعلانية سبعين درجة.

وأما إذا ورد الرياء قبل الفراغ من العبادة، كالصلاة التي عقدها على إخلاص فإن كان مجرد سرور، لم يؤثر في العمل، وإن كان رياء باعثاً على العمل، مثل أن يطيل الصلاة ليرى مكانه، فهذا يحبط الأجر.

وأما ما يقارن العبادة، مثل أن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن أتمها على ذلك لم يعتد بها، وإن ندم فيها على فعله، فالذي ينبغي له أن يبتدئها، والله أعلم.

وأما ما يقارن العبادة، مثل أن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن أتمها على ذلك لم يعتد بها، وإن ندم فيها على فعله، فالذي ينبغي له أن يبتدئها، والله أعلم.

 

4 ـ باب في دواء الرياء وطريقة معالجة القلب فيه

 

قد عرفت أن الرياء محبط للأعمال، وسبب لمقت الله تعالى، وأنه من المهلكات، ومن هذا حاله، فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته.

وفى معالجته مقامان:

أحدهما: في قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه.

والثاني: في دفع ما يخطر منه في الحال.

المقام الأول: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فصل، رجع إلى ثلاثة أصول.

وهى حب لذة الحمد، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس.

ويشهد لذلك ما في "الصحيحين" من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فقال يارسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله".

فمعنى قوله: "يقاتل شجاعة" أي: ليذكر ويحمد، ومعنى قوله "يقاتل حمية" أي: يأنف أن يقهر أو يذم، ومعنى: "يقاتل رياء" أي: ليرى مكانه، وهذه هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب.

وقد لا يشتهى الإنسان الحمد، ولكنه يحذر من الذم، كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفر لئلا يذم. وقد يفتى الإنسان بغير علم حذراً من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك إلى الرياء.

وعلاجه أن الإنسان إِنما يقصد الشيء ويرغب فيه إذا ظن أنه خير له ونافع، إما في الحال أو المآل، فإن علم أنه لذيذ في الحال ضارٌّ في المآل، سهل عليه اجتنابه وقطع عنه الرغبة، كمن يعلم أن العسل لذيذ، ولكن إِذا بان أن فيه سماً، أعرض عنه، فكذلك طريق هذه الرغبة أن تعلم ما فيها من المضرَّة، فإِن الإِنسان متى عرف مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه، ومن المنزلة في الآخرة، وما يتعرض له من العذاب والمقت والخزي، هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإنَّ رضى الناس غاية لا تدرك، فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق، ومن طلب رضاهم في سخط الله، سخط الله عليه وأسخطهم عليه. ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله له لأجل مدحهم؟ ولا يزيد مدحهم رزقاً ولا أجلاً، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته. وكذلك ذمهم لمَ يحذر منه؟ ولا يضره ذمهم شيئاً ولا يجعل أجله، ولا يؤخر رزقه، فإن العباد كلهم عجزة، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فإِذا قرر هذا في نفسه، فترت رغبته في الرياء، وأقبل على الله تعالى بقلبه، فإن العاقل لا يرغب فيما يضره ويقل نفعه.

وأما الطمع فيما في أيدي الناس، فيزيله بأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإِعطاء، وأنه لا رازق سواه، ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد، لم يخل من المنة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد.

ومن الدواء النافع أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما تغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال، وذلك يشق في بداية المجاهدة، فإذا صبر عليه مدة بالتكلف، سقط عنه ثقله، وأمده الله بالعون، فعلى العبد المجاهدة، ومن الله التوفيق.

المقام الثاني: في دفع العارض من الرياء أثناء العبادة، وذلك لا بد من تعلمه أيضاً، فإن من جاهد نفسه، وقلع مغارس الرياء من قلبه بالقناعة وإسقاط نفسه من أعين الناس، واحتقار مدحهم وذمهم، فإن الشيطان لا يتركه في أثناء العبادة، بل يعارضه بخطرات الرياء، فإذا خطر له معرفة الخلق بعبادته واطلاعهم عليها، دفع ذلك بأن يقول: مالك وللخلق علموا أو لم يعلموا، والله عالم بحالك، فأي فائدة في علم غيره؟

فإن هاجت الرغبة إلى آفة الحمد، ذكرها آفات الرياء والتعرض للمقت، فيقابل تلك الرغبة بكراهة المقت، فإن معرفة اطلاع الناس تثير شهوة، ومعرفة آفة الرياء تثير كراهة.

 

5 ـ فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات وبيان الرخصة في كتمان الذنوب، وكراهة اطلاع الناس على الذنب وذمهم له

 

أما الأول، فاعلم أن في إسرار الأعمال فائدة لإخلاص والنجاة من الرياء، وفي الإظهار فائدة الاقتداء، وترغيب الناس في الخير.

ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد.

والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه، حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي، بل ينوي الاقتداء به، ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، فإن مثال الضعيف مثل الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة، فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم، وأقبل عليهم حتى تشبثوا به، فهلكوا وهلك معهم.

فأما من قوي وتم إخلاصه، وصغر الناس في عينه، واستوى عنده مدحهم وذمهم، فلا بأس بالإظهار له، لأن الترغيب في الخير خير.

وقد روي ذلك عن جماعة من السلف أنهم كانوا يظهرون شيئاً من أحوالهم الشريفة ليقتدي بهم، كما قال بعضهم لأهله حين احتضر: لا تبكوا علي، فإني ما لفظت بخطيئة منذ أسلمت.

وقال أبو بكر بن عياش رحمه الله لابنه: إياك أن تعصي الله تعالى في هذه الغرفة، فإني ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة.

ونحو ذلك كثير من كلامهم، والله أعلم.

وأما الرخصة في كتمان الذنوب، فربما ظن ظان أن كتمان الخطايا رياء، وليس كذلك فإن الصادق الذي لا يرائي إذا وقعت منه معصية، كان له سترها، لأن الله يكره ظهور المعاصي ويحب سترها.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله عز وجل" (1).

فهذا وإن عصى بالذنب، لم يخل قلبه عن محبة ما أحبه الله عز وجل، وهذا ينشأ عن قوة الإيمان.

وينبغي أن يكره ظهور الذنب من غيره أيضاً، فهذا أثر الصدق فيه.

ومن ذلك أن يكره ذم الناس له، من حيث إن ذلك يشغل قلبه وعقله عن طاعة الله تعالى، فإن الطبع يتأذى بالذم، وبهذه العلة أيضاً ينبغي أن يكره المدح إذا كان يشغله عن الله تعالى، ويستغرق قلبه، ويصرفه عن الذكر، فإن هذا أيضاً من قوة الإيمان.

__________

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 383 من حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها، فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبدلنا صفحته، نقم عليه كتاب الله تعالى" واسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.


 

6 ـ فصل [في ترك الطاعات خوفاً من الرياء]

 

فأما ترك الطاعات خوفاً من الرياء، فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين، فهذا ينبغي أن يترك، لأنه معصية لا طاعة فيه.

وإن كان الباعث على ذلك الدين، وكان ذلك لأجل الله تعالى خالصاً، فلا ينبغي أن يترك العمل، لأن الباعث الدين.

وكذلك إذا ترك العمل خوفاً من أن يقال: إنه مراءٍ، فلا ينبغي ذلك، لأنه من مكائد الشيطان.

قال إبراهيم النخعي: إذا أتاك الشيطان وأنت في الصلاة فقال: إنك مراءٍ، فزدها طولاً.

وأما ما روي عن بعض السلف أنه ترك العبادة خوفاً من الرياء، كما روي عن إبراهيم النخعي أن إنساناً دخل عليه وهو يقرأ في المصحف، فأطبق المصحف وترك القراءة، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ كل ساعة، فيحمل هذا علي أنهم أحسوا من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا.

 

7 ـ فصل في بيان ما يصح من نشاط العبد بسبب رؤية الخلق وما لا يصح

 

قد يبيت الرجل مع المتهجدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة، فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط.

فربما ظن ظان أن هذا رياء، وليس كذلك على الإطلاق، بل فيه تفصيل، وهو أن كل مؤمن يرغب في عبادة الله تعالى، ولكن تعوقه العوائق، فإن الإنسان إذا كان في منزله تمكن من النوم على فراش وطيء وتمتع بزوجته، فإذا بات في مكان غريب، اندفعت هذه الشواغل، وحصلت له أسباب تبعث على الخير، منها مشاهدة العابدين.

وقد يعسر عليه الصوم في منزله لكثرة المطاعم، بخلاف غيره، ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصد عن الطاعة، ويقول: إذا عملت غير عادتك كنت مرائياً فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان.

ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياء، وقس على هذا.

فهذه جملة آفات الرياء، فكن بحاثاً عنها، وتفقد نيتك، فإن الرياء أخفى من دبيب النمل.

وينبغي للمريد أن يلزم قلبه القناعة بعلم الله في جميع طاعته.

وإنما يقنع بذلك من خاف الله ورجاه، ولا ينبغي أن يؤيس نفسه من الإخلاص

بأن يقول: إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء، وأنا من المخلطين، فيترك المجاهدة في تحصيل الإخلاص، لأن المخلط إلى ذلك أحوج.

قال إبراهيم بن أدهم: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان: دخلت على صومعته فقلت له: منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال منذ سبعين سنة، قلت: ما طعامك؟ قال: كل ليلة حمصة، قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى (الدير) الذي بحذائك؟ قلت: نعم، قال: إنهم يأتوني في كل سنة يوماً واحداً فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظموني بذلك، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة، ذكرتها عز تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل ياحنيفي جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: أزيدك؟ قلت: نعم، قال: أنزل عن الصومعة، فنزلت فأدلى إلي ركوة فيها عشرين حمصة، ثم قال لي: ادخل الدير، فقد رأوا ما أدليت إليك، فلما دخلت الدير، اجتمعت النصارى فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: شيئاً من قوته. قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به، ساوم به، قلت: عشرون ديناراً، فأعطوني عشرين ديناراً، فرجعت إلى الراهب، فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفاً لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف يكون عز من يعبده، يا حنيفي أقبل على عبادة ربك.

فقد بان بهذا أن استشعار النفوس عز العظمة في القلوب يكون باعثاً إلى الخلوة، فهذه آفة عظيمة، وعلامة سلامته منها أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة، ويكون عمله عمل من ليس على الأرض غيره، فإذا خطرت خطرات ضعيفة ردها الله، والله تعالى أعلم.

---

(انتهى)

الحمد لله الذى بنعمتة تتم الصالحات

 

 

 


السراج المنير صلى الله علية وسلم

السراج المنير صلى الله علية وسلم اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك  هو معرفة ربك ومعرفة نبيك ومعرفة دينك ، وهى اول اسئلة القبر، وال...

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *