google.com, pub-3766738376414477, DIRECT, f08c47fec0942fa0 فوائد: أكتوبر 2020

السراج المنير صلى الله علية وسلم

السراج المنير صلى الله علية وسلم

السراج المنير صلى الله علية وسلم

اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك  هو معرفة ربك ومعرفة نبيك ومعرفة دينك ، وهى اول اسئلة القبر، والمعرفة بهذة الاصول والعمل بها سبباً لدخول الجنة ، والجهل بها وإضاعتها سبباً لدخول النار ، وفى هذا البحث سنختص بتعريف موجز ميسر عن نبينا محمد صلى الله علية وسلم الرسول الخاتم الذى ختم الله بة الرسالات الي العالمين، فإن من حكمة الله ورحمته أن أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، واقتضت حكمته أن يكون الرسل أكمل الخلق في الصفات الخلقية والخلقية، كما اقتضت حكمته جل ثناؤه أن يكون آخر الرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأن يكون أعظمهم كمالاً وأوفاهم خصالاً ، فيكون من اسباب سعادة الدارين الاقتداء به صلى الله عليه وسلم .

وسينقسم البحث الى الاتى :-

اولاً : موجز للسيرة النبوية الشريفة .

ثانياً : تعريف بشمائل الرسول صلى الله علية وسلم .

ثالثاً : تعريف بخصائص الرسول صلى الله علية وسلم .


اولا ً: موجز السيرة النبوية الشريفة

ذكر سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب ربِّ العالمين محمدٍ البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه السراج المنير .

نسبة الشريف

هو ابو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب ببن لؤي بن غالب بن فِهْر.

ففهر المذكور هو قريش، فكل من كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده، فليس قرشيًّا.

وقيل: سمي قريشاً؛ لشدة شبهه بدابة من دواب البحر يقال لها: القِرْش، تأكل دواب البحر، وتقهرهم.

وقيل: إن قصي بن كلاب لما استولى على البيت، وجمع أشتات بني فهر، سموا قريشاً؛ لأنه قَرَّشَ بني فهر؛ أي: جمعهم حول الحرم، فقيل لهم: قريش، فعلى هذا يكون لفظ قريش اسماً لبني فهر، لا لفهر نفسه.

وفهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس ابن مُضر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان، هذا هو المتفَقُ على صحته من غير خلاف.

وعدنانُ من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل - عليهما السلام - من غير خلاف، ولكن الخلاف في عدة الآباء الذين بين عدنان وإسماعيل - عليه السلام -، فعدَّ بعضُهم بينهما نحوَ أربعين رجلاً، وعدَّ بعضهم سبعة.

زواج عبدلله ابو النبى- صلى الله عليه وسلم - بآمنة

قال علماء السِّيَرِ والمؤرخون: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف في حِجْر عمها وهيب بن عبد مناف، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بابنه عبد الله، فخطب عليه آمنة بنت وهب، فعقد العقد، وأخذ الميثاق والعهد، ولم يُر مثل ذلك اليوم المشهود، الذي طلعت فيه نجوم السعود، وكملت المسرات وأضاء الوجود، ثم خطب عبدُ المطلب في مجلسه ذلك هالةَ بنتَ وهيب ابنةَ عم آمنة من أبيها لنفسه، فزَوَّجه إياها، فتزوج عبدُ المطلب وابنُه عبد الله في مجلس واحد.

فولدت هالةُ بنتُ وهيب لعبد المطلب: حمزةَ، والمقوم، وصفية أم الزبير.

ولما دخل عبد الله بآمنة، واجتمع شمله بشملها، ظهر صفاء يقينها، وطلع طالع سعد تمكينها، وحملت بسيد العالم، وأشرفِ بني آدم، وتلألأت الأنوار النبوية في غُرَّة آمنة التقية.

موت عبدالله ابو النبي- صلى الله عليه وسلم -

ثم خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجارتهم، ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة، وعبد الله بنُ عبد المطلب يومئذ مريض، فتخلف عند أخواله بني عَدِيِّ بن النجَّار، فأقام عندهم مريضاً شهراً، فتوفي ودُفِنَ في دار النَّابغةَ رجلٌ من بني عديِّ بن النجار فأُخبر عبدُ المطلب بذلك، فوَجَدَ عليه عبدُ المطلب وإخوته وأخواته وَجْداً شديداً، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ابنُ شهرين، وقيل: كان حِمْلاً، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة.

وجميع ما خلَّفه عبدُ الله: خمسة جمال، وجارية حبشية اسمها بركة، وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين ، لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النصف من المحرم، فبين الفيل وبين مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس وخمسون ليلة ،

ولد - صلى الله عليه وسلم - مختوناً مسروراً، ففرح به عبد المطلب، وحظي عنده، وقال: لَيكونَنَّ لابني هذا شأن، فكان له شأن وأيُّ شأن - صلى الله عليه وسلم -.

ذكر رضاع النبي - صلى الله عليه وسلم -

أولُ من أرضع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ثويبةُ بلبن ابنٍ لها يقال له: مسروح

أياماً، قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبلَه حمزةَ بنَ عبد المطلب، وأرضعت بعدَه أبا سلمةَ بنَ عبد الأسد المخزومي، فحمزةُ عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو سلمةَ أَخَوا رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاع.

ثم قدمت حليمة إلى مكة، وكانت المراضع يقدمْنَ من البادية إلى مكة يطلبن أن يُرضعن الأطفال، فقدمت عِدَّةٌ منهن، ولم تجد حليمةُ طفلاً تأخذه غيرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يتيماً، فلذلك لم يرغبن في أخذه، فأخذته حليمةُ بنتُ أبي ذؤيبِ بنِ الحارث السعديةُ، وتسلَّمته من أمه آمنة، ومضت به إلى بلادها، وهي باديةُ بني سعد، فوجدت من الخير والبركة ما لم تعهده من قبل ذلك، وبعد سنتين من مولده - صلى الله عليه وسلم -: ولد أبو بكر الصديق - صلى الله عليه وسلم -.

ثم قدمت به حليمةُ إلى مكة، وهي أحرصُ الناس على مكثه عندها، فقالت لأمه آمنة: لو تركتِ ابني عندي حتى يغلُظَ؛ فإني أخشى عليه وباءَ مكة، ولم تزل بها حتى تركته معها، فأخذته، وعادت به إلى بلاد بني سعد، وبقي هناك.

حادثة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم -

ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين: كان يغدو مع أخيه وأخته في البُهْم قريبًا من الحي، فأتاه الملكان هناك، فشقا بطنه، واستخرجا عَلَقَة سوداء، فطرحاها، وغسلا بطنه بماء الثلج في طَسْت من ذهب.

قال الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في "مسنده" بسند متصل إلى عتبة بن عبد السلمي: إن رجلًا سأل رسول الله: كيف كان أولُ شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعدِ بنِ بكر، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بُهْم لنا، ولم نأخذْ معنا زادًا، فقلتُ: يا أخي! اذهبْ فأْتِنا بزادٍ من عندِ أُمِّنا، فانطلق أخي، ومكثتُ عندَ البُهْم، فأقبل طائرانِ أبيضانِ كأنهما نَسْران، فقال أحدُهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يَبْتَدِراني، فأخذاني فأضجعاني، وشَقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، وأخرجا منه عَلَقَتين سَوْدَاوينِ، فقالَ أحدُهما لصاحبه: ائتني بماءٍ وثلجٍ، فغسلا به جَوْفي، ثم قال: ائتني بماءِ بَرَدٍ، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكِينة، فذراها في قلبي، وختما بين كتفيَّ بخاتمِ النبوة، وقال أحدُهما لصاحبه: اجعلْه في كِفَّة، واجعل الفًا من أمته في كِفَّة، فإذا أنا أنظرُ إلى الألفِ فوقي أُشْفِقُ أن يَخِرَّ عَلَيَّ بعضُهم. ثم قال: لو أن أمته وُزِنتَ به، لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وقد فرقْتُ فَرَقا شديدًا، ثم انطلقتُ إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيتُه، فأشفقتْ عليَّ، فقالت: أعيذُك بالله، وحملتني على الرحل، وركبَتْ خلفي حتى بلغَتْ إلى أمي، فقالت: أَدَّيْتُ أمانتي وذِمَّتي، وحَدَّثتها بالذي لقيتُ، فلم يَرُعْها ذلك، وقالت: إني رأيتُ حينَ خرجَ مني نورًا أضاءتْ منه قصورُ الشام".

ثم رجعت به حليمة - أيضًا -، فكان عندها سنة أو نحوَها، لا تَدَعُه يذهب مكانا بعيدًا، ثم رأت غمامة تُظِلُّه، إذا وقف، وقفت، وإذا سار، سارت، فأفزعها ذلك من أمره، فذهبت به إلى أمه لتردَّه وهو ابن خمس سنين، قالت: فبينما أنا ذاهبة به، وهو معي بمكة، إذ سمعت هَدَّة عظيمة، فالتفتُّ فلم أجد محمدًا، فصرت كالوالهة، وأنا أنادي في الناس: من رأى لي ولدًا كالبدر في تمامه، والغصن في قَوامه؛ فلقيني عبد المطلب جدُّه، فقال: مالك يا حليمة؟ فقلت: يا عبد المطلب! إن محمدًا قد ذهب مني، فصعد على الصفا، ونادى: يا صباحاه! فاجتمعَتْ إليه رؤساء قريش، ففرقهم في أركان مكة وما حولها يطلبون محمدًا، فلم يجدوه، فرجع عبد المطلب إلى بيته، فلبس أثوابه، وأتى إلى الكعبة، فطاف وهو يقول:

رُدَّ إِلَيَّ وَلَدِي مُحَمَّدَا ... ارْدُدْهُ رَبِّي وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا

فلم يلبث أن جاء محمد، فلما رآه عبد المطلب، ضمه إلى صدره، وقال: يا بني! حزنت عليك حزنا لا يفارقني أبدًا.

ثم قدمت حليمةُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تزوج خديجةَ بنتَ خويلد،

فشكَتْ جدبَ البلاد، وهلاكَ الماشية، فكلَّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خديجةَ فيها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا، وانصرفت إلى أهلها.

ثم قدمت حليمةُ وزوجُها الحارثُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ النبوة، فأسلمتْ هي وزوجُها الحارث .

وقال بعض المؤرخين: إنه لا يُعرف لها صحبة ولا إسلام .

وإخوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاع: عبد الله، وأنيسة، وجذامة - وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها -، وأمُّهم حليمةُ السعدية، وأبوهم الحارثُ ابنُ عبد العُزَّى السعدي، وهو أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاع.

وفي سنة خمس من مولده قدم كاهن إلى مكة، فنظر إليه الكاهن مع جده عبد المطلب، فقال: يا معشر قريش! اقتلوا هذا الصبي؛ فإنه يفرقكم، ويقتلكم، فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش تخشى ما كان الكاهن حذَّرهم .

فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست سنين: خرجت به أمه إلى أخواله بني عَدِيِّ بنِ النجَّار بالمدينة تزورهم به، ومعه أُم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرًا، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كان بالأبواء، توفيت أمه آمنة، فَقَبْرُها هناك، فرجعت به أم أيمن إلى مكة، فضم عبدُ المطلب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورَقَّ عليه رقةً لم يرقَّها على ولده، فلما حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ، أوصى أبا طالب بحفظِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحياطتهِ.

ولسبعة مضت من عمره: خرج به عبد المطلب يستسقي، وقد كانت تتابعتْ على قريش سنون أقحلَتِ الضرعَ، وأدقَّت العظمَ، فصعِدَ عبدُ المطلب أعلى ذروة الجبل، ومعه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا الله، فتفجرت السماء بمائها، واكتظَّ الوادي بثجيجه، فهُنئَ عبدُ المطلب من أكابر قريش .

وأنشدَ بعضُهم يمدح رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الأَيَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِل

وفي هذه السنة خرج عبدُ المطلب لتهنئة سيفِ بنِ ذي يزن بالظفر لمَّا ملكَ أرضَ اليمن، وقتلَ الحبشَ وأبادهم، وبشَّر سيفًا عبدَ المطلب بأنه سيظهر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من نسله.

وفي سنة ثمانية من مولده: كان موتُ عبد المطلب، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: مئة وعشر سنين، وقيل: مئة وعشرين سنة.

وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتذكر موتَ عبد المطلب؟ قال: "نعم، كنتُ ابنَ ثمانِ سنينَ".

كفالة عمة ابو طالب

وضمه أبو طالب، وكان فقيرًا لا مالَ له، وكان إذا أكل عيالُه جميعًا، أو فرادى، لم يشبعوا، فإذا أكل معهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَضَلَ من طعامهم، فيقول أبو طالب: إنه لمبارك، وأَحبَّه حبًا شديدًا.

رحلة الشام ولقاء بحيرا الراهب

ولمّا صار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتا عشرة سنة وشهران: ارتحل أبو طالب إلى الشام، فحمل معه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما نزل الركبُ بِبُصْرى من أرض الشام، وبها راهبٌ يقال له: بَحيرا في صومعة له، وكان ذا علم في النصرانية، وكان كثيرًا ما يمرون عليه، ولا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلًا قريبا من صومعته، كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما، ثم دعاهم، وكان قد رآهم حين طلعوا، وغمامةٌ تُظِلُّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - من بين القوم، حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة قد أظلَّت تلك الشجرة، واخضرَّتْ أغصانُ الشجرة حين استظل تحتَها، فنزلَ بحيرا من صومعته، وأمر بذلك الطعام، فأُتي به، وأرسل إليهم، وقال: إني صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أحبُّ أن تحضروا كلكم، ولا يتخلف منكم صغير ولا كبير، ولا حر ولا عبد؛ فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرا.

ثم اجتمعوا إليه، وتخلَّفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، لحداثة سنه، فلما نظر بحيرا إلى القوم، لم ير الصفة التي يجدها عنده، ورأى الغمامة متخلفةً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال بحيرا: يا معشر قريش! ألم أقل لكم: لا يتخلف أحد عن طعامي؟ قالوا: ما تخلف إلا غلام حَدَث، قال: ادعوه فليحضُرْ طعامي، مع أني أراه من أنفَسكم، قالوا: هو - والله - من أوسطنا نسبًا، وهو ابنُ أخي هذا الرجل - يعنون: أبا طالب -، فقام إليه الحارث بن عبد المطلب، فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامةُ تسير على رأسه، فجعل بَحيرا يلحظه لحظا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدُها عنده من صفته.

فلما تفرقوا عن الطعام، قام إليه الراهب، وقال: يا غلام! أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَسْأَلْني بالَّلاتِ والعُزَّى، فَوَاللهِ! ما أبغضْتُ شَيْئًا بُغْضَهَا".

قال: فبالله! إلا أخبرتني عما أسألك عنه، قال: "سَلْني عَمَّا بَدَا لَكَ"، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخبره، فيوافقُ ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فقبَّلَ موضعَ الخاتم.

وقال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حيًّا، قال: ابنُ أخي، قال: ما فعل أبوه؟ قال: هلك وأُمُّه حُبلى، قال: فما فعلَتْ أُمُّه؟ قال: توفيت قريبًا، قال: صدقْتَ، ارجعْ بابن أخيك إلى بلده، واحذرْ عليه اليهود، فوالله! لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفتُ، ليَبْغِينَّهُ بغيًا؛ فإن لابن أخيك شأنًا عظيمًا، واعلمْ أني قد أديت إليك النصيحةَ.

فرجع به أبو طالب بعد ما فرغوا من تجارتهم، وما خرج به سفرًا بعد ذلك خوفًا عليه.

وشبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ، وكان أعظمَ الناس مروءة وحلمًا، وأحسنَهم جوابًا، وأصدقَهم حديثًا، وأعظمَهم أمانة، وأبعدَهم عن الفحش، حتى صار اسمُه في قومه: الأمين؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.

حربَ الفُجَّار

وحضر مع عمومته حربَ الفُجَّار وعمُره أربعَ عشرةَ سنة: وهي حرب كانت بين قريش وكنانة، وبين هوازن، وسميت بالفجار؛ لما انتهكت فيها هوازنُ حرمةَ الحرم، وكانت الكَرَّة في هذه الحرب أولًا على قريش وكنانة، ثم كانت على هوازن، وانتصرت قريش.

وفي سنة خمس عشرة من مولده: كان قيام قُسِّ بنِ ساعدة الإياديِّ بسوق عكاظ: وهو سوق كانوا يبيعون فيه ويشترون، وكان قُسٌّ خطيبًا بليغًا حكيمًا.

روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما وَفَدَ وَفْدُ إيادٍ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لهم: "ما فعلَ قُسُّ بنُ ساعِدَةَ؟ "، قالوا: مات، قال: "كَأَنِّي أنظُرُ إليهِ بسوقِ عُكاظٍ على جملٍ أَوْرَقَ يتكلَّمُ بكلام له حلاوةٌ، ما أجِدُني أحفَظُه"، فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول الله، سمعته يقول: أيها الناس! احفظوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج، وبحارٌ تزخر، ونجوم تزهر، وضوءٌ وظلام، وبرٌّ وآثام، ومطعمٌ ومشربٌ، وملبسٌ ومركبٌ، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أَرَضُوا بالمقامِ فأقاموا، أم تُركوا فناموا؟ وإلهِ قُسٍّ! ما على وجه الأرض دينٌ أفضل من دينٍ قد أَظَلَّكم زمانُه، وأدرككم أوانُه، فطوبى لمن أدركه فاتَّبعه، وويل لمن خالفه، ثم أنشأ يقول:

في الذَّاهِبِينَ الأَوَّلِيـ ... ـــنَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ

لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ

وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا ... تَمْضِي الأَصاغِرُ وَالأكَابِرْ

لا يَرْجِعُ الماضِي إِلَيَّ ... وَلا مِنَ الباقِينَ غَابِرْ

أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَا ... لَة حَيْثُ صَارَ القَوْمُ صَائِرْ

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يرحمُ اللهُ قُسًّا، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يبعَثَهُ اللهُ أُمَّةً وَحْدَهُ"

حِلْفُ الفُضول

وفي سنة عشرين من مولده - صلى الله عليه وسلم -: كان حِلْفُ الفُضول، وحضره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وسببه: أن قيسَ بنَ شيبة السلميَّ باع متاعًا من أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، فلواه، وذهبَ بحقه، فاستجار برجل من بني جُمَح، فلم يقم بجواره، فقال قيس:

يَالَ قُصَيٍّ كَيْفَ هَذَا فِي الحَرَمْ ... وَحُرْمَةِ البَيْتِ وَأَخْلاقِ الكَرَمْ

أُظْلَمُ وَلَا يُمْنَعُ مِنِّي مَنْ ظَلَمْ

فقام إليه العباسُ وأبو سفيان حتى ردًّا عليه ظلامته، فاجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان، وتحالفوا على ردِّ المظالم بمكة، وأن لا يُظلم أحدٌ إلا منعوه.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَدْ شَهِدْتُ حِلْفًا في دارِ ابنِ جُدْعَانَ ما أُحِبُّ أَنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، ولو دُعِيتُ به لأَجَبْتُ".

زواجة- صلى الله عليه وسلم –بخديجة

وفي سنة خمس وعشرين من مولده - صلى الله عليه وسلم -: كان خروجه في تجارة خديجة، وتزويجه بها، وذلك أن خديجة كانت ذات شرف ومال، فلما بلغها صدقُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمانتُه، عرضت عليه الخروج في تجارتها إلى الشام، فأجاب إلى ذلك، وخرج ومعه غلامها مَيْسَرَة، وجعل عمومتُه يوصون به أهلَ العير، وساروا حتى وصلوا بُصْرى من أرض الشام، فنزلا في ظل شجرة، فرآه راهبٌ يقال له: نَسْطورا، فعرفه بالعلائم، وقال لميسرة: هذا - والله - الذي تجده أحبارُنا منعوتًا في كتبهم.

فلما رجعوا، ودخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخبرها بما ربحوا، فسرَّتْ بذلك، ودخل عليها ميسرةُ، وأخبرها بما رأى منه، وبما قال له الراهب نسطورا، فأرسلَتْ دسيسًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتحدَّث له في تزويجها.

وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وأبو طالب، وغيرُهما من عمومته، حتى دخل على خُوَيْلِدِ بنِ أَسَدٍ، فخطبها إليه، فزوَّجها منه، وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة، وخديجةُ يومئذ ابنةُ أربعين سنة، وأصدَقَها عشرين بكرةً، وهي أولُ امرأة تزوجها، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، ولم يتزوج بِكْرًا غيرَ عائشة.

وولدت له خديجة أولاده كلَّهم إلا إبراهيم؛ فإنه من مارية القِبْطية، وبقيةُ الأولاد من خديجة، وهم: زينب، ورُقَية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، والقاسم، وبه كان يُكنّى، وعبد الله، والطاهر، والطيب.

فأما القاسم والطاهر، فماتا قبل الإسلام، وقيل: إن عبد الله وُلِد في الإسلام، وهو الطيب، وأما بناته، فكلهن أدركْنَ الإسلام، فأسلَمْن، وهاجرن معه، وكان الرسولُ بين خديجة والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفيسةَ بنت مُنْيَة - أخت يعلى بن مُنْية - أسلمت يوم الفتح، فبرّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكرمها.

مشاركتة - صلى الله عليه وسلم –فى بناء الكعبة

وفي سنة خمس وثلاثين من مولده - صلى الله عليه وسلم -: هدمَتْ قريشٌ الكعبة، وكان سببُ هدمهم إياها: أنها كانت رضمة فوقَ القامة، فأرادوا رفعَها وسَقْفَها، فلما أرادوا هدمَها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، فتناول حجرًا من الكعبة، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تُدخلوا في بنائها إلا طيّبًا، ثم إن الناس هابوا هدمَها، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم به، فأخذ المعول فهدَم، وتربَّص الناسُ تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أُصيب، لم نهدم منها شيئًا، فأصبح الوليد سالما، وغدا إلى عمله، فهدم الناسُ معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس، ثم أَفْضَتْ إلى حجارة خُضْرٍ أَخذٍ بعضُها ببعض، فأدخل رجل من قريش عتلتين بين حجرتين منها؛ ليقلع أحدهما، فلما تحرك الحجر، انتفضت مكةُ بأسرها، فتركه، ثم جمعوا الحجارة لبنائها، وبنوا حتى بلغ البنيانُ موضعَ الحَجَر الأسود، فأراد كلُّ قبيلة رفْعَه إلى موضعه، حتى تخالفوا وتواعدوا القتال، فقرَّبَتْ بنو عبد الدار جَفْنَةً مملوءةً دمًا، ثم تعاقدوا هم وبني عَدِيٍّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسُمُّوا: لَعَقَةَ الدم؛ بذلك، فمكثوا على ذلك أربع ليال، ثم تشاوروا، فقال أبو أمية بنُ المغيرة، وكان أسنّ قريش: اجعلوا بينكم حَكَمًا أولَ من يدخل من باب الحرم يقضي بينكم، فكان أولُ من دخلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا به، وأخبروه الخبر، فقال: "هَلُمُّوا لي ثوبًا"، فأُتي به، فأخذ الحجر، فوضعه فيه بيده، ثم قال: "ليأخُذْ كلُّ قبيلة بناحية من الثوبِ، ثُمَّ ارْفَعوه جميعًا"، ففعلوا، فلما بلغوا به موضعه، وضعه بيده - صلى الله عليه وسلم -، ثم بني عليه.

وكانت تُكْسى القَباطِيَّ، ثم كُسيت البُرودَ، وأولُ من كساها الديباجَ الحجاجُ بنُ يوسف.

ذكر مبعثه - صلى الله عليه وسلم - وابتداء الوحي

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأُنزِلَ عليه الوحيُ وهو ابن أربعين سنة ، وقيل: ابن ثلاث وأربعين، وكان يوم الاثنين بلا خلاف، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان.

قالت عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي: الرؤيا الصالحةُ في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِرَاء، فيتحنّث فيه - وهو التعبُّدُ - اللياليَ ذوات العددِ قبلَ أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حِرَاء، فجاءه الملك، فقال: اقرأْ، فقال: قُلْتُ: "ما أنا بقارئ"، قال: "فأخذني فَغَطَّني حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلَني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانيةَ حتى بلغَ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأْ، فقلت ما أنا بقارى"، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 1 - 3]، فرجع بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يرجُفُ فؤادُه، فدخل على خديجةَ بنتِ خُوَيلد، فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقدْ خَشِيتُ على نفسي"، فقالت خديجة: كلا، والله! ما يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتصلُ الرحم، وتَحمل الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحقِّ.

فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفلِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى ابنَ عمّ خديجة، وكان امرأً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بنَ عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بنَ أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموسُ الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومُك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أو مخرجيّ هم؟ "، قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثلِ ما جئت به، إلا عوديَ، وإن يدركْني يومُك، أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

ثم كان أول ما أُنزِل عليه من القرآن بعد {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]، ثم {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، ثم {وَالضُّحَى} [الضحى: 1].

قالت خديجة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا بن عم! هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاء؟ قال: "نعم"، فجاءه جبريل، فأعلمها، فقالت: قم فاجلسْ على فخذي اليسرى، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم"، فتحَسَّرَتْ، وألقت خِمارها، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حِجْرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: "لا"، قالت: يا بن عم! اثْبُتْ وأبشر، فوالله! إنه لَمَلَكٌ، وما هو شيطان.

وقال الزهري: فتر الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترة، فحزن حزنًا شديدًا.

الامر بأنذار قومة

فلما أمر الله نبيه - عليه السلام - أن يُنْذِر قومَه عذابَ الله على ما هم فيه من عبادة الأصنام دون الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم، وأن يُحَدّث بنعمة ربه عليه، وهي النبوة.

فكان أول من آمن به وصدّقه: خديجة زوجته.

ثم كان أول شيء فرض من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد، والبراءة من الأوثان: الصلاة: أتاه جبريل - عليه السلام - وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت فيه عين، فتوضأ جبريل، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليه؛ ليُريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام جبريلُ فصلى به، وصلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاته، وانصرف جبريل، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خديجة، فعلَّمها الوضوءَ، ثم صلَّى بها، فصلت بصلاته.

ذكر رمي الشياطين بالشهب لمبعثه

قال العلماء بالسِّيَر: رأت قريش النجومَ تُرْمى بعد عشرين يومًا من مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: انطلق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهبُ، فرجعت الشياطينُ إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، [وأرسلت علينا الشهب]، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء  حدثَ، فاضربوا مشارقَ الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قال: فانطلَقَ الذين اتجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخلةَ وهو عائدٌ إلى سوق عُكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاةَ الفجر، فلما سمعوا القرآن، تسمَّعوا له، فقالوا: هذا الذي حالَ بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن 1: 2]، فأنزل الله على نبيه: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 1]، أخرجاه في "الصحيحين".

وعن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس - رضي الله عنهما -، قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًا، وما زادوه باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان أحدهم لا يقعد مقعده إلا رُمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمرٍ قد حدث، فبثَّ جنودَه، فإذا هم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بين جبلَي نخلةَ، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدثُ الذي حدث في الأرض.

قال ابن الجوزي: قلت: وهذا الحديث يدل على أن النجوم لم يُرم بها إلا لمبعث نبينا - صلى الله عليه وسلم -.

ذكر الاختلاف في أول من أسلم

اختلف العلماء في أول من أسلم، مع الاتفاق: أن خديجة أولُ خلقِ الله إسلامًا، وهي أول من آمن به وصدَّقه.

قال الكلبي: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره تسع سنين.

وقال ابن إسحاق: أولُ من أسلم: عليٌّ، وكان عمره إحدى عشرة سنة.

وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: أنه قال: أنا عبدُ الله، وأخو رسوله، وأنا الصدِّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفترٍ، صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الناس.

وقال ابن عباس: أولُ من صلَّى: عليٌّ.

وقيل: أول من أسلم: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -.

وقال ابن إسحاق: أول ذَكَرِ أسلم بعد عليِّ: زيدُ بن حارثة، ثم أسلم أبو بكر - رضي الله عنه -، وأسلم على يده عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن إلى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأسلموا، وصلَّوا، وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا للإسلام، فأسلم مِنْ بَعْدِهِم مَنْ أسلم.

ذكري أمر الله تعالى نبيه بإظهار دعوته

أمر الله سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما يؤمر، وكان قبل ذلك في السنين الثلاثة مستترًا بدعوته، لا يُظهرها إلا إلى من يثق إليه، وكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة، ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستَخْفَوا، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدع بأمر الله تعالى، وبادأ قومه بالإسلام.

ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين

وهم قوم سبقوا إلى الإسلام، لا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمتنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه، فلم تصلِ الكفار منه إلى ما يريدون، ومِمَّنْ لا عشيرة له تمنعه؛ بلال بن رباح الحبشي مولى أُمية ابنِ خَلَف - وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه حمامة أيضًا سبية - كان الكفار يعذبونه بإلقائه في الرَّمْضاء على ظهره وقتَ الظهيرة، ولإلقاء الصخرة العظيمة على صدره، ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبدَ اللاتَ والعزى، ثم صار إلى مُلك أبي بكر - رضي الله عنه -، فأعتقه، فهاجر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومنهم: عمار بن ياسر : أسلم عمار هو وأبوه ياسر، وأمه سمية، فكانوا يُخرِجون عمارًا وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الشمس، يعذبونهم بحرِّ الرمضاء، فمات ياسرٌ في العذاب، وأغلظَتْ سميةُ القولَ لأبي جهل، فطعنها في فرجها بحربة، فماتت، فهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار حتى فعل ما أمروه به، فتركوه، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره بما كان. قال: "فكيفَ تَجِدُ قلبَكَ؟ "، قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، فقال: "يا عَمَّارُ! فإنْ عَادُوا، فَعُدْ" ، فأنزل الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106].

وشهد عمارٌ المشاهدَ كلَّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقُتِل بِصِفِّين مع عليٍّ - رضي الله عنه -، وعمره نَيِّفٌ وتسعون سنة.

ومنهم: خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ: وكان إسلامه قديمًا، قيل: سادس ستة، فأخذه الكفار وعذبوه عذابًا شديدًا، فكانوا يُعرونه، ويُلصقون ظهره بالرمضاء بالرَّضْف، وهي الحجارة المحمَّاة بالنار، ثم كووا رأسه، فلم يُجبهم إلى شيء مما أرادوا.

ومنهم: صُهَيْب بنُ سنانٍ الروميُّ: كان ممن يُعَذَّب في الله، فلم يرجع عن دينه.

ومنهم: عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ: مرَّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه.

ومنهم: أبو فُكَيْهَة: واسمه أفلح، وكان عبدًا لصفوانَ بنِ أمية، مرّ به أبو بكر وهو يُعَذَّب، فاشتراه وأعتقه.

ومنهم: النَّهْدِيَّةُ [مولاة] لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار، فأسلمت، فكانت تعذبها، فابتاعها أبو بكر، وأعتقها.

ومنهم: جماعة غير هؤلاء.

ذكر المستهزئين، ومن كان شديد الأذى للنبي - صلى الله عليه وسلم -

فمنهم: أبو لهب عبدُ العزى بنُ عبدِ المطلب: كان شديد الأذى للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان جاره، وكان يطرح العَذِرَةَ والنتن على بابه، فكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أَيُّ جِوارٍ هَذَا يا بَني عبدِ المُطَّلِبِ؟ ! " ، فرأَه يومًا حمزةُ - رضي الله عنه -، فأخذ العَذِرة وطرحها على رأس أبي لهب، فجعل ينفضها عن رأسه، ويقول: صابئ أحمق، وأقصرَ عما كان يفعل.

مات أبو لهب بمكة عند وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر، بمرض يُعرَف بالعدسة.

ومنهم: الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ بنِ وهبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زهرةَ: وهو ابنُ خال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان من المستهزئين، وكان يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -:

أما كُلِّمتَ اليومَ من السماء يا محمد؟ فخرج من عند أهله، فأصابه السموم، فاسودَّ وجهه، فلما عاد إليهم، لم يعرفوه، وأغلقوا الباب دونه، فرجع متحيرًا حتى مات عطشًا.

ومنهم: أُميَّة وأُبَيُّ ابنا خَلَفٍ: وكانا من شَرِّ الناس على النبي - صلى الله عليه وسلم -، قُتِل أُبي يوم بدر كافرًا، وأما أخوه أُميَّة، فقتله النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحُد.

ومنهم: عُقْبَة بنُ أَبي مُعَيْط: واسمُ أبي معيط: أبانُ بنُ أبي عمرِو ابنِ أميةَ بنِ عبدِ شمس، أُسِر ببدر، قتله عاصمُ بن ثابتِ بنِ أبي الأفلح الأنصاريُّ بالصفراء، وصُلِب، وهو أول مصلوب صُلِب في الإسلام.

ومنهم: أبو قَيْسِ بنُ الفاكهِ بنِ المغيرة: كان ممن يُعين أبا جهل على أذاه، قتله حمزةُ - رضي الله عنه - يومَ بدر.

ومنهم: العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ: والدُ عمرِو بنِ العاص، وهو القائلُ - لما مات عبد الله بن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ محمدًا أبتر، لا يعيش له ولد ذَكَر، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} [الكوثر: 3]، فركب حمارًا له، فربض به، فلُدِغ في رجله، فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، فمات منها بعد الهجرة، وهو ابن خمس وثمانين سنة.

ومنهم: النَّضْر بنُ الحارثِ بنِ كَلَدَةَ بنِ عبدِ منافِ بنِ عبدِ الدار: كان يقول: إنما يأتيكم محمدٌ بأساطير الأولين، فنزلت فيه عدة آيات، أسره المقدادُ يومَ بدر، فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه، فقتله عليٌّ - رضي الله عنه - بالأُثيل.

ومنهم: أبو جَهْل بنُ هشامٍ المخزوميُّ: واسمه عمرو، وكنيته أبو الحكم، وأما أبو جهل، فالمسلمون كنوه بذلك، قُتِل ببدر، قتله ابنا عَفْراء.

ومنهم: رُكانَة بنُ عبدِ يزيدَ بنِ هاشم.

فهؤلاء أشدُّ عداوةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ عداهم من رؤساء قريش كانوا أقلَّ عداوة من هؤلاء؛ كعُتبةَ وشيبةَ ابني ربيعة، وغيرِهما.

وكان جماعة من قريش من أشدِّ الناس عليه، فأسلموا، منهم: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبدُ الله بنُ أبي أميةَ المخزوميُّ أخو أمِّ سلمةَ، وأبو سفيان صخرُ بنُ حرسب، والحكمُ بنُ أبي العاص، وغيرُهم، أسلموا يوم فتح مكة.

 ذكر إسلام حمزة

عن ابن إسحاق روى: أن أبا جهل مرَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الصفا، فآذاه وشتمه، فلم يُكلمه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم انصرف أبو جهل - لعنه الله -، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزةُ بنُ عبد المطلب أن أقبل متوشِّحًا بقوسه، راجعًا من قَنْصٍ له، وكان أعزّ فتى في قريش، وأشدَّهم شكيمةً، فأخبر بما لقيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من أبي الحكم بن هشام، وهو أبو جهل، فاحتمل حمزةَ الغضبُ؛ لما أراده الله من كرامته، فخرج يسعى متعمدًا لأبي جهل، فلما دخل الحرم، نظر إلى أبي جهل

جالسًا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، وضربه، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه  وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعتَ، فقام رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني - والله - قد سببتُ ابنَ أخيه سبًا قبيحًا، فلما أسلم حمزة، عرفتْ قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عزَّ وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.

 

 ذكر إسلام عمر بن الخطاب

كان شديد البأس والعداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ بعمرَ بنِ الخطابِ، أو بأبي الحكمِ بنِ هشامِ" ، وهو أبو جهل، فهدى الله تعالى عمر.

وكان سبب إسلامه: أن أخته فاطمةَ بنتَ الخطاب أسلمت هي وزوجُها سعيدُ بنُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفيلٍ، وكانا يخفيان إسلامهما من عمر، فلما علم عمر، دخل على أخته، وقد سمع قراءة خبّاب عندها، فلما دخل، قال: ما هذه الهينمة التي سمعتها؟ قالت: ما سمعتَ شيئًا،

قال: بلى والله! لقد أُخبِرتُ أنكما تابعتما محمدًا، وبطشَ بسعيد بن زيد، فقامت أختُه لتكفَّه عنه، فضربها فشجَّها، فلما فعل ذلك، قالت أخته: نعم، والله! قد أسلَمْنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنعْ ما شئتَ، فندم، وطلب الصحيفة التي يقرؤونها، قالت: إنك نجس على شركك، فلا تمسها، فكان عمر يقول: ما عرفتُ ذُلّ الشرك إلا ذلك اليوم، فقام واغتسل، فأعطته الصحيفة فقرأها، وفيها: {طه} [طه: 1]، فلما قرأ بعضها، قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ وأكرمَه! ثم أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بدارٍ عندَ الصفا، وعنده قريبُ أربعين نفسًا، ما بين رجال ونساء، منهم: حمزة، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، فقصدهم عمر وهو متوشِّح بسيفه، واستأذن في الدخول، فأذن له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما دخل، نهض إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لقيه، وأخذ بمجمع ردائه، ثم جذبه جذبة شديدة، وقال: "ما جاءَ بكَ يا بنَ الخَطَّاب؟ ما أراكَ تنتهي حتى تَنْزِلَ بكَ قارعَةٌ"، فقال عمر: يا رسول الله! جئت لأومن بالله ورسوله، فكبّر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تكبيرة، علم مَنْ في البيت أن عمر قد أسلم، ثم قال عمر: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: "إي والذي بعثني بالحقِّ نبيًا"، قال: أما والذي بعثك بالحق نبيًا! لا يُعبد الله بَعدَ اليوم سِرًّا.

ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة

لما رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من

العافية؛ بمكانه من الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وعمِّه أبو طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم، قال لأصحابه: "لو خَرَجْتُم إلى أرضِ الحبشة؛ فإنَّ بها ملكًا لا يُظلَم أحدٌ عندَه، حتى يجعلَ اللهُ لكم فَرَجًا ومَخْرَجًا مما أنتمْ فيه".

فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، فخرج عثمان بن عفان، وزوجته رقيةُ بنتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - معه، وأبو حذيفة بنُ عتبةَ بنِ ربيعة، وزوجتُه سهلَةُ بنتُ سهيلِ بنِ عمرٍو معه، والزبيرُ بن العوام، وتمامُ الأحدَ عشرَ رجلًا، وأربعُ نسوة، وكان مسيرُهم في رجب، سنة خمس من النبوة، فأقاموا شعبان، وشهر رمضان، ثم بلغهم أن قريشًا أسلموا، فقدِموا في شوال، فلما قربوا من مكة، بلغهم أن قريشا على ما هم عليه، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوارٍ، أو مستخفيًا.

وأقام المسلمون بمكة يُؤْذَون، فلما رأوا ذلك، رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانية، فخرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحبشة، فكمل بها اثنان وثمانون رجلًا، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بمكة يدعو إلى الله سرًا وجهرًا.

ولما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمِنوا، وأن النجاشي قد أحسن إليهم، ائتمروا بينهم، فبعثوا عَمْرَو بنَ العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهما هديةٌ إلى النجاشي وإلى أصحابه؛ ليردَّ المهاجرين إليهم، فلم يفعل، وقال للمسلمين: اذهبوا، فأنتم آمنون، وردَّ هديةَ قريش، وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذَها منكم، ولا أطاع الناسَ حتى أُطيعهم فيه.

وأقام المسلمون بخيرِ دارٍ عند النجاشي، فظهر ملكٌ من ملوك الحبشة، ونازع النجاشيَّ فى ملكه، فظفر النجاشيُّ بعدوِّه، فما سُرَّ المسلمون بشيء سرورَهم بظفره، ثم أسلم النجاشِيُّ بعد ذلك، ولما مات النجاشي، كانوا لا يزالون يرون على قبره نورًا - رحمه الله، وعفا عنه -.

 ذكر أمر الصحيفة

فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قَوُوا بإسلام حمزةَ وعمرَ - رضي الله عنهما -، وعاد إليهم عمرُو بنُ العاص، وعبدُ الله بن أبي ربيعة من النجاشي بما يكرهون من أمر المسلمين، وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابًا، يتعاقدون فيه على: أن لا يُنكِحوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يَنكحوا منهم، ولا يبيعوهم، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا لذلك الأمر على أنفسهم.

وانحازت بنو هاشم كافرُهم ومسلمُهم إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شِعْبه، وخرج من بني هاشم أبو لهبٍ عبدُ العزَّى بنُ عبدِ المطلب إلى قريش مضارًّا لهم، وكانت امرأته أمُّ جميل بنتُ حربٍ - وهي أختُ أبي سفيان - على رأيه في عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي التي سماها الله تعالى: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4]؛ لأنها كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأقامت بنو هاشم في الشِّعْب، ومعهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، هذا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدعُو الناس سرًا وجهرًا، والوحُي متتابع إليه.

ذكر نقض الصحيفة

وقام في نقض الصحيفة نَفَر من قريش، فاجتمعوا بمكان، وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة، ووقع بين القوم خلاف، فقام مُطْعِم بنُ عدي إلى الصحيفة ليشقَّها، فوجد الأرضَةَ قد أكلتها، إلا ما كان من: (باسمك اللهم)، كانت قريش تستفتح بهذا كتابها، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة من بني عبد الدار، فشلّت يده، وكان الله تعالى أرسل الأَرَضَةَ-حشرة صغيرة-، فأكلت ما فيها من ظلمٍ وقطعِ رحم، وتركتْ ما فيها من أسماء الله تعالى، فجاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمه بذلك، فتكلم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فاجتمع الملأ من قريش، وأحضروا الصحيفة، فوجدوا الأمر كما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنكسوا رؤوسهم، فاتفق جماعة من قريش، ونقضوا

ما تعاهدوا عليه في الصحيفة؛ من قطيعة بني عبد المطلب.

 ذكر المعراج

اختلف الناس في وقت المعراج، فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بسنة واحدة.

واختلفوا في الموضع الذي أُسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه، فقيل: كان نائمًا في المسجد الحرام، فأُسري به منه.

وقيل: كان في بيت أم هانئ بنت أبي طالب.

وقد روى جماعة من الصحابة حديثَ المعراج بأسانيد صحيحة، قالوا:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَتاني جبريلُ - عليه السلام - ومعه البُراقُ، وهي دابةٌ فوقَ الحمارِ ودونَ البَغْل، يضعُ خَطْوَهُ عندَ مُنتهى طَرْفه، فلما وضعتُ يدي عليه تَشَامَسَ، واستَصْعَبَ، فقال جبريل - عليه السلام -: يا بُراقُ! ما ركبكَ نبيٌّ أكرمُ على الله تعالى من محمد، فانصبَّ عَرَقًا، وانخفضَ لي حتى ركبتهُ، وسار بي جبريلُ نحوَ المسجدِ الأقصى، فأُتيت بإناءَيْنِ، أحدُهما لبنٌ، والآخرُ خمر، فقيل: اخترْ أحدَهما، فأخذتُ اللبنَ فشربتُه، فقال لي: أصبتَ الفطرة، أما إنَّك لو شربتَ الخمرَ، - لَغَوَتْ أمتك بعدَك، ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ، فصلِّ، فصلَّيتُ، فقال لي: هذه طَيْبَةُ، وإليها المهاجَرُ، ثم سرْنا، فقال لي: أنزلْ فَصَلِّ، فنزلتُ فصلَّيت فقال لي: هذا طورُ سيناءَ، حيثُ كلَّمَ الله موسى - عليه السلام -، ثم سرْنا، فقال لي: انزلْ فصلِّ، فنزلتُ فصلَّيت، فقال لي: هذا بيتُ لحم حيثُ وُلد عيسى - عليه السلام -، ثم سرنا حتى أتينا البيتَ المقدَّس، فلما انتهينا إلى باب المسجد، أنزلني جبريلُ، وربط البراقَ بالحَلْقة التي كانت تربط بها الأنبياءُ - عليهم السلام -، فلما دخلت المسجد، إذا أنا بالأنبياء - وقيل: بأرواح الأنبياء - الذين بعثهم الله تعالى قبلي، فسلَّموا عليَّ، فقلت: يا جبريلُ! من هؤلاء؟ قال: إخوتك من الأنبياء، زعمتْ قريشٌ أنّ لله شريكًا، وزعمتِ النصارى أن لله ولدًا، اسأل هؤلاء النبيين: هل كان لله - عَزَّ وَجَلَّ - شريك؟ فذلك قوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، فأقروا، بالوحدانية لله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم جمعهم جبريل، وقدّمني، فصليت بهم ركعتين.

ثم انطلق بي جبريل إلى الصخرة، فصعِدَ بي عليها، فإذا معراجٌ إلى السماء، لا ينظر الناظرون إلى شيء أحسنَ منه، ومنه تعرجُ الملائكة، أصلُه في صخرة بيتِ المقدس، ورأسُه ملتصقٌ بالسماء، فاحتملني جبريل، ووضعني على جناحه، وصَعِدَ بي إلى سماء الدنيا، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، ففتح، فدخلنا.

فإذا أنا برجل تام الخَلْق، عن يمينه بابٌ يخرج منه ريحٌ طيبة، وعن شماله بابٌ تخرج منه ريحٌ خبيثة، فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه، ضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله، بكى، فقلت: من هذا؟

وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، والباب الذي عن يمينه الجنة، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته، ضحك، والباب الذي عن يساره جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته، بكى وحزن.

ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا [به]، ونعم المجيء جاء، ففتح لنا، فدخلنا، فإذا بشابّين، قلت: يا جبريل! من هذان؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا.

ثم صعد [بي] إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل قد فَضَل الناسَ بالحسن، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف.

ثم صَعِدَ بي إلى السماء الرابعة، واستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: أخوك إدريس، رفعه الله مكانًا عليًّا.

ثم صَعِدَ بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، وإذا رجل جالس، وحوله قومٌ يقصُّ عليهم، قلت: من هذا؟ قال: هارون، والذين حوله بنو إسرائيل.

قال: ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فاستفتحَ، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: مرحبًا به، ونعمَ المجيءُ جاء، فدخلنا، فإذا برجل جالس، فلما جاوزناه، بكى، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قلت: فما له يبكي؟ قال: تزعمُ بنو إسرائيل أنه أكرمُ على الله من آدم، وأنت من بني آدم قد خَلَّفته وراءك.

قال: ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ونعم المجيء جاء، فدخلنا، فإذا برجل أشمطَ جالس على كرسيٍّ على باب الجنة، وحوله قوم بيضُ الوجوه، أمثال القراطيس، وقومٌ في الوانهم شيء، فقام الذين في ألوانهم شيء، فاغتسلوا في نهر، وخرجوا، وقد صارت وجوههم مثل وجوه أصحابهم، فقلت: من هذا؟ فقال: أبوك إبراهيم، وهؤلاء البِيضُ الوجوهِ قومٌ لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم، وأما الذين في ألوانهم شيء، فقوم خَلَطوا عملَا صالحًا وآخرَ سيئًا، وتابوا، فتاب الله عليهم.

وإذا إبراهيم مستند إلى بيت، فقال: هذا البيتُ المعمور، يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، لا يعودون إليه.

وأخذني جبريل، فانتهينا إلى سِدرة المنتهى، وإذا نَبْقُها مثلُ قِلال هَجْر، يخرج من أصلها أربعةُ أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فأما الباطنان، ففي الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات، قال: وغشيَها من نور الله تعالى ما غشيَها، فقال جبريل: تقدم يا محمد، فتقدمت، وجبريل معي إلى حجاب، فأخذني الملك، وتخلف عني جبريل، فقلت: إلى أين؟ فقال: وما منّا إلا له مقام معلوم، وهذا منتهى الخلائق.

فلم أزل كذلك، حتى وصلت إلى العرش، فاتّضع كلُّ شيء عند العرش، وكَلَّ لساني من هيبة السلطان، ثم أطلقَ الله لساني، فقلت: التحيات المباركات، والصلوات الطيبات لله.

وفرض الله عليَّ، وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسين صلاة.

ورجعت إلى جبريل، فأخذني وأدخلني الجنة، فرأيت القصور من الدرّ والياقوت والزبرجد، ورأيت نهرًا يخرج من أصله ماء أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، على رَضْراض من الدِّر والياقوت والمسك، فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك.

ثم عرض علي النار، فنظرت في أغلالها وسلاسلها، وحَيَّاتها وعقاربها، وما فيها من العذاب.

ثم أخرجني حتى أتينا على موسى - عليه السلام -، فقال: ماذا فرض عليك وعلى أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، فقال: إني قد بَلَوْتُ بني إسرائيل، وعالجتُهم أشدَّ معالجة، على أقلَّ من هذا، فلم يفعلوا. ارجعْ إلى ربك، فسَلْه التخفيف.

فرجعتُ إلى ربي، وسألته، فخفف عني عَشْرًا، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُه، فقال: ارجعْ وسلِ التخفيفَ، فرجعتُ، فخفف عني عشرًا، فلم أزلْ بين ربي وموسى حتى جعلَها خمسًا، فقال: ارجعْ، فقلتُ: إنني قد استَحْييت من ربي، وما أنا براجع، فنوديت: إني فرضت عليك وعلى أمّتك خمسين صلاة، والخمسُ بخمسين، وقد أمضيتُ فريضتي، وخففت عن عبادي.

ثم انحدرتُ أنا وجبريل إلى مضجعي، وكان ذلك في بعض ليلة".

فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، علم أن الناس لا يصدقونه، فقعد في الحرم مغمومًا، فمر به أبو جهل، فقال له كالمُسْتهزِئِ: هل استفدت الليلة شيئًا؟ قال: "نعم، أُسري بي الليلةَ إلى البيت المقدَّس"، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ ! قال: "نعم"، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب ابن لؤي! هلمّوا، فأقبلوا، فحدثهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فمِنْ بينِ مصدّقٍ ومكذّبٍ واضعٍ يدَه على رأسه.

وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، فقالوا: إنّ صاحبك يزعم كذا وكذا، قال: إن كان قال ذلك، فقد صدق، وإني لأصدِّقه بما هو أبعدُ من ذلك، فسُمّي أبو بكر: الصدِّيق من يومئذ - رضي الله عنه -.

فقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انعتْ لنا المسجد الأقصى، قال: "فذهبتُ أنعَتُ حتى التبسَ عليَّ الأمر"، قال: "فجيء بالمسجد الأقصى، وأنا أنظرُ إليه، فجعلتُ أنعته".

قالوا: فأَخْبِرْنا عن عِيرنا، قال: "نعم، مررتُ على عيرِ بني فلانٍ بالرَّوحاء، وقد أضلّوا بعيرًا لهم، وهم في طلبه، وأخذتُ قدحًا فيه ماء، فشربتُه، فسلوهم عن ذلك، ومررت بعيرِ بني فلانٍ، وفلانٌ وفلانٌ راكبان قَعودًا، فنفر قَعودُهما مني، فسقطَ فلانٌ، فانكسرت يدُه، فاسألوهما، ومررتُ بعيرِكم بالتنعيم، يقدمُها جملٌ أَوْرَقُ، عليه غِرارتانِ، تطلُعُ عليكم معَ طلوع الشمس"، فخرجوا إلى الثنية، وجلسوا ينتظرون طلوعَ الشمس؛ ليُكذّبوه، إذ قال قائل: هذه الشمسُ قد طلعت، قال آخر: هذه العيرُ قد أقبلت، يقدَمُها بعير أَوْرَق كما قال، فقالوا: إن هذا إلا سحر مبين.

واختلف الناس في وقت المِعْرَاج، فقيل: كان ليلة السبت، لسبعَ عشرةَ ليلة خلت من رمضان، في السنة الثالثةَ عشرةَ للنبوة.

وقيل: كان في ربيع الأول.

وقيل: كان في رجب.

واختلف - أيضًا - أهل العلم فيه، هل كان بجسده، أم كان رؤيا صادقة؟

فالذي عليه الجمهور: أنه كان بجسده.

وذهب آخرون أنه كان رؤيا صادقة، ورووا عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تقول: ما فُقِد جسدُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنَّ الله أسرى بروحه.

ومنهم من جعل الإسراء إلى بيت المقدس جسدانيًا، ومنه إلى السماوات السبع وسدرة المنتهى روحانيًّا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.

 ذكر وفاة أبي طالب، وخديجة رضي الله عنها، وعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه على قبائل العرب

توفي أبو طالب وخديجةُ قبل الهجرة بثلاث سنين، بعد خروجهم من الشعب، توفي أبو طالب في شوال، وعمرهُ بضعٌ وثمانون سنة، وماتت خديجة قبلَه بخمسة وثمانين يومًا.

وقيل: كان بينهما خمسة وعشرون يومًا.

وقيل: ثلاثة أيام.

فعظُمت المصيبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموتهما، وقال رسول الله: "ما نالَتْ قريشٌ مني شيئًا أكرهُه، حتى ماتَ أبو طالبٍ" ، وذلك أن قريشًا وصلوا مِنْ أذاه بعدَ موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته.

ولما اشتدَّ عليه الأمر، خرج ومعه زيدُ بنُ حارثة إلى ثقيف، يلتمس منهم النصر، فلما انتهى إليهم، عمد إلى ثلاثةِ نفرٍ منهم، وهم يومئذ سادةُ ثقيف، وكانوا إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير. فدعاهم إلى الله تعالى، وكلّمهم في نصرته، والقيام معه على من خالفه، فلم يجيبوه، فقال له واحدٌ منهم: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله! لا أكلمك أبدًا، لئن كنتَ رسولًا من الله - كما تقول - لأنتَ أعظمُ خطرأمن أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك.

فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد يئس من خير ثقيف، وقال: "إذا أَبيتُم، فاكتُموه علَيّ".

وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كِنْدةَ، وإلى بني حَنيفة، وعرض عليهم نفسَه، ودعاهم إلى الله، فلم يقبلوا.

ولم يزل - صلى الله عليه وسلم -[يعرِضُ نفسه] على كلِّ قادمٍ له اسم وشَرَف، ويدعوه إلى الله تعالى.

وكلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام، تبعه عمُّه أبو لهب، فمنعهم من طاعته، فيقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يا بني فلان! إني رسولُ الله إليكم، يأمرُكم أن تعبدوا الله، ولا تشُركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي، وتصدِّقوني"، وعمه أبو لهب ينادي: إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللاتَ والعُزَّى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، وكان أبو لهب أحولَ، له غديرتان.

ذكر تزويج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشةَ رضي الله عنها

جاءت خَوْلَة بنتُ حَكيمٍ امرأةُ عثمانَ بنِ مَظْعونٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكلَّمت معه في تزويجِ عائشة رضي الله عنها، وسودَةَ بنتِ زَمعةَ.

ثم رجعتْ إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، وذكرت له ذلك، فزوَّجه إياها.

ثم خرجت خولةُ، فدخلت على سَوْدَةَ، وأخبرتها بذلك، فقالت: وددتُ ذلك، ادخلي على أبي، فاذكري له ذلك، فذكرتْ له ذلك، قال: كفؤ كريم، فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فزوجه إياها.

ذكر ابتداء أمر الأنصار

فلما أراد الله تعالى إظهارَ دينه، وإنجازَ وعده، خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الموسم، فعرض نفسه على القبائل كما كان يفعل، فبينما هو عند العقبة، لقي رهطًا من الخزرج، فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، فأجابوه إلى ما دعاهم؛ بأن صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا تركنا قومنا، وبينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجلَ أعزُّ منك.

ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدَّقوا، وكانوا سبعةَ نفر من الخزرج: أسعدُ بنُ زُرارةَ ، وعوفُ بنُ الحارثِ بنِ رفاعة، ورافعُ بنُ مالكٍ، وعامرُ بنُ عبدِ بن حارثةَ ابنِ ثعلبة، وقطبةُ بنُ عامر بن حديدة، وعُقْبةُ بن عامر، وجابرُ بنُ عبدِ الله.

فلما قدموا المدينة، ذكروا لهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ودَعَوْهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم. 

 ذكر بيعة العقبة الأولى

فلما كان العام المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة - وهي العقبة الأولى -، فبايعوه بيعةَ النساء: وهي: أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم.

فلما انصرفوا عنه، بعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعبَ بنَ عُمير بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ عبدِ الدار، وأمره أن يُقرئهم القرآن، ويُعَلِّمهم الإسلامَ فنزل بالمدينة، ولم يزل يدعو إلى الإسلام، حتى لم يبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رجالٌ ونساء مسلمون، إلا مَنْ كان من بني أميةَ بنِ زيد ووائل، فإنهم أطاعوا أبا قيسِ بنَ الأسلت، فوقف بهم عن الإسلام، وكان شاعرًا لهم وقائدًا، يستمعون له ويطيعونه.

 ذكر بيعة العقبة الثانية

ولما فشا الإسلام في الأنصار، اتفق جماعة منهم على المسير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفين، لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم، في ذي الحجة، مع كفار قومهم، واجتمعوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وواعدوه أوسطَ أيامِ التشريق بالعقبة، فلما كان الليل، خرجوا بعد مضي ثُلُثِهِ مستخفين، يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم سبعون رجلًا، معهم امرأتان: نُسيبة بنتُ كعب، وأسماءُ أم عمرِو بنِ عديٍّ من بني سَلِمة.

وجاءهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه عمُّه العباس، وهو يومئذٍ كافرٌ، أحبَّ أن يتوثَّق لابن أخيه، فكان العباس أولَ من تكلم.

فبايعوه، فكان أول من بايعه: أبو أمامة أسعدُ بنُ زُرارة، وقيل: أبو الهيثم بنُ التيهان، وقيل: البراء بن مَعْرور، ثم تتابع القوم.

فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتلا القرآن، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم"، ودار الكلام بينهم، واستوثق كلُّ فريق من الآخر.

ثم سألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إن قُتِلنا دونَك مالنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: فابسطْ يدك، فبسط يده، ويايعوه، فلما بايعوه، رجعوا إلى المدينة.

وكان قدومُهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقيةَ ذي الحجة، والمحرم، وصفر.

ذكر الهجرة الشريفة النبوية - على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام -

وكانت الهجرة من مكة إلى المدينة - شرفها الله تعالى - وقد تَصَرَّمَ من شهور هذه السنة وأيامها المحرمُ، وصفرُ، وثمانيةُ أيام من ربيع الأول ،

وأما ما كان من حديث الهجرة، فإن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول.

ثم أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالمهاجرة إلى المدينة.

فكان أولَ من قدمها: أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الأسد، ثم هاجر من بعده عامرُ بن ربيعة، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي خيثمة، ثم عبدُ الله بن جحش وأخوه، وجميعُ أهله، وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فلما تتابع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أقام هو بمكة، ينتظر ما يؤمر به، وتخلف معه أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

فلما رأت قريش ذلك، حذروا خروجَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار قُصَيِّ بنِ كِلابٍ - وأجمعوا على مكيدةٍ يفعلونها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنجاه الله من مكرهم، وأنزل الله تعالى في ذلك: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] الآية. وأمره بالهجرة.

وكان اتفاق الكفار أن يأخذوا من كل قبيلة رجلًا؛ ليضربوه بسيوفهم ضربة واحدة، ليضيع دمُه في القبائل، وبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وأن يَتَّشِح ببردِه الأخضر، وأن يتخلَّف عنه؛ ليؤدِّي ما كان عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الودائع إلى أربابها.

وكان الكفار قد اجتمعوا على باب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يرصدونه؛ ليثبوا عليه، وأخذ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حفنةً من تراب، وتلا أولَ {يس} {يس: 1]، وجعل ذلك الترابَ على رؤوس الكفار، فلم يروه، فأتاهم آتٍ، وقال: إن محمدًا خرج، ووضعَ على رؤوسكم الترابَ، وجعلوا ينظرون، فيرون عليًّا عليه بُرْدَةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيقولون: [إن] محمدًا نائم، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام عليٌّ، فعرفوه.

وأقام عليٌّ بمكة حتى أَدَّى ودائعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

وقصد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من داره دار أبي بكر - رضي الله عنه -، وأعلمه أن الله تعالى قد أذن في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله، قال: "الصحبة"، فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - فرحًا، واستأجرَ عبدَ الله بنَ أُريقط - وكان مشركًا - ليدلَّهما على الطريق، ومضى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى غارٍ بثورٍ - وهو جبل أسفل مكة -، فأقاما فيه، ثم خرجا من الغار بعد ثلاثة أيام، وتوجها إلى المدينة، ومعهما عامرُ بنُ فُهيرةَ مولى أبي بكر الصديق، وعبدُ الله بنُ أُريقط الدليلُ، وهو كافر.

وجدّتْ قريشٌ في طلبه، فتبعه سُراقَةُ بن مالكٍ المُدْلِجِيُّ، فلحق النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر: يا رسول الله! أدركنا الطلب، فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحزنْ إنَّ اللهَ معنا"، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سُراقة، فارتطمت فَرَسُه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: ادعُ اللهَ يا محمدُ؛ لتخلصني، ولكَ أن أردَّ الطلبَ عنك، فدعا له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فخلص، ثم تبعه، فدعا عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فارتطمت ثانية، وسأل الخلاصَ، وأن يردَّ الطلبَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأجابه النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ودعا له، وقال: "كيفَ بكَ يا سُراقَةُ إذا سُوِّرْتَ بِسِوارِ كِسْرى برويز؟ "، فرجع سراقة، وردَّ كلَّ من لقيه عن الطلب، بأن يقول: كفيتم ما هاهنا .

وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاثنتي عشرةَ ليلةً خلت من ربيع الأول، من سنة إحدى، وذلك يوم الاثنين، الظهر، فنزل قباء على كُلْثوم بنِ الهَدْمِ، وأقام بقباء: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وأسّس مسجدَ قُباء، وهو الذي نزل فيه: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108].

ثم خرج من قباء يومَ الجمعة، وأدركَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعةُ في بني سالمِ بنِ عوفٍ، فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، وكانت أولَ جمعةٍ صلَّاها بالمدينة.

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقُبض يوم الاثنين .

واختلف العلماء في مقامه بمكة، بعد أن أوحي إليه، فقال أنس، وابن عباس  - في رواية -: إنه أقام بمكة عشر سنين، وقيل: أقام ثلاثَ عشرةَ سنة.

ولعل الذي قال: عشر سنين، أراد: بعد إظهار الدعوة؛ فإنه بقي

ثلاثَ سنين يُسِرُّها، ومما يؤيد هذا قولُ أبي قيس بنِ الأسلت:

ثَوَى في قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيا

فهذا يدل على أن مقامه ثلاثَ عشرةَ سنة.

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحل من قباء، يريد المدينة، فما مر على دار من دور الأنصار، إلا قالوا: هَلُمَّ يا رسولَ الله إلى العدد والعدة، ويعترضون ناقته، فيقول: "خَلُّوا سَبيلَها، فإنّهَا مَأْمورَةٌ" حتى انتهت إلى موضع مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فبركت هناك، ووضعت جِرانَها، فنزل عنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، واحتمل أبو أيوبَ الأنصاريُّ الناقةَ إلى بيته.

وكان موضعُ المسجد مِرْبَدًا لسهلٍ وسُهيلٍ ابني عمرٍو، يتيمين في حِجْر معاذِ بنِ عفراءَ، وقيل: بل كان لبني النجَّار، وكان فيه نخلٌ، وخِرَبٌ، وقبور المشركين.

وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي أيوب، حتى بنى مسجدَه ومساكنَه، وكان قبلَه يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويناه هو والمهاجرون والأنصار - رضي الله عنهم أجمعين -.

وبين الهجرة ومولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث وخمسون سنة، وشهران.

وبين الهجرة ومبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث عشرة سنة، وشهران وثمانية أيام.

وبين الهجرة ووفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تسع سنين، وأحد عشر شهرًا، واثنان وعشرون يوما، وهي بعد الهجرة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.

 ذكر الحوادث في السنة الأولى من الهجرة

 فيها: بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة رضي الله عنها بعد قدومه المدينة بثمانية أشهر في ذي القعدة، وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة .

وقال ابن الجوزي: بنى بها في السنة الثانية.

 وفيها: كانت المؤاخاة بين المسلمين: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،

فاتخذ هو عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - آخًا، فكان عليٌّ يقول على منبر الكوفة أيام خلافته: أنا عبد الله، وأخو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وصار أبو بكر - رضي الله عنه -، وخارجة بن زيد بن أبي زهير الأنصاري أخوين، وأبو عبيدة بنُ الجراح، وسعدُ بن معاذ الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعِتبان بن مالك الأنصاري، وطلحة بن عبد الله، وكعب بن مالك الأنصاري، وسعيد بن زيد، وأُبي بن كعب الأنصاري - رضي الله عنهم أجمعين -.

 وفيها: ولد عبد الله بن الزبير: وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة.

وقال ابن الجوزي: إنه ولد في السنة الثانية.

 وفيها: كانت غزوة (بواط): فغنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجع، ولم يلقَ كيدًا، وكان حامل لوائه سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ.

 وفيها: هلَك الوليد بن المغيرة، والعاصُ بنُ وائل السهمي، شيخا قريش، ماتا مشركين.

وفيها: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة (الأبواء): ورجع منصورًا، ولم يلقَ كيدًا، وغزوة العشيرة.

 السنة الثانية من الهجرة

 فيها: حُوِّلت الصلاة إلى الكعبة: وكانت الصلاة بمكة، وبعد مقدمه بثمانية عشر شهرًا، إلى بيت المقدس، وذلك يوم الثلاثاء منتصف شعبان، فاستقبل الكعبة في صلاة [العصر] ، وبلغ أهلَ قُباء ذلك، فتحولوا إلى جهة الكعبة، وهم في الصلاة.

 وفيها: في شعبان، فرض صوم شهر رمضان.

 وفيها: أمر الناس بإخراج زكاة الفطر، قبل الفطر بيوم أو يومين.

 وفيها: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى، فصلى صلاة العيد، وحُملت بين يديه العَنَزَةُ، وكانت للزبير، وَهَبَها له النجاشيُّ.

 وفيها: أُري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به.

وقال ابن الجوزي: في السنة الأولى.

وفيها: تزوج علي - رضي الله عنه - بفاطمة بنتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

 وفيها: كانت غزوة بدر الكبرى، وهي الغزوة التي أظهر الله بها الدين.

وكان سببها: قتل عمرو بن الحضرمي، وإقبال أبي سفيان بن حرب في عيرٍ لقريش عظيمة من الشام، وفيها أموال كثيرة، ومعها ثمانون رجُلًا من قريش، منهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن العاص.

فلما سمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ندب المسلمين إليهم، وقال: "هذهِ عِيرُ قُرَيشٍ، فيها أموالُهم، فاخْرُجوا إليهم، لعلَّ الله تعالى أن يُنَفِّلَكُمُوها"، فانتدب الناس، فخفَّ بعضهم، وثقل بعضهم.

وبلغ أبا سفيان ذلك، فبعث إلى مكة، وأعلم قريشًا بذلك، فخرج الناس من مكة سِراعًا، ولم يتخلف سوى أبي لهب، وكانت عِدَّتهم تسع مئة وخمسين رجلًا، فيهم مئة فرس.

وخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة لثلاثٍ خلوْنَ من رمضان، ومعه ثلاث مئة، وثلاثة عشر رجلًا ، ولم يكن فيهم إلا فارسان، وكانت الإبل سبعين، يتعاقبون عليها.

ونزل النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفراء، وجاءته الأخبار بأن العير قاربت بدرًا، وأن المشركين خرجوا ليمنعوا عنها، ثم ارتحل - عليه السلام -، ونزل في بدر، وأشار سعدُ بنُ معاذ ببناء عريشٍ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعُمِل، وجلس عليه، ومعه أبو بكر.

وأقبلت قريش، فلما رآهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اللهمَّ هذهِ قريشٌ قد أقبلَتْ بِخُيَلاَئِها وفَخْرِها تُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي بِه".

وتقاربوا، وبرز من المشركين عُتبةُ بن ربيعة، وشَيبةُ بن ربيعة، والوليدُ بن عتبة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبارز عُبيدةُ بنُ الحارث بنِ المطلبِ عتبةَ، وحمزُة عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - شيبةَ، وعليُّ بن أبي طالب الوليدَ بنَ عُتبة. فقَتَل حمزةُ شيبةَ، وعليٌّ الوليدَ، وضَرَب كلُّ واحد من عُبيدة وعُتبة صاحبَه، وكرَّ عليٌّ وحمزةُ على عتبةَ، فقتلاه، واحتملا عُبيدة، وقد قُطِعت رجلُه، ثم مات.

وتراجف القوم، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر على العريش، وهو يدعو ويقول: "اللهمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ، لا تُعْبَدْ في الأَرْضِ، اللهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي".

ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فوضعها أبو بكر عليه، وخفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم انتبه، فقال: "أَبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ؛ فقدْ أتى نصرُ الله".

ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العريش يحرّض المسلمين على القتال،

وأخذ حفنةً من الحصا، ورمى بها قريشًا، وقال: "شاهَتِ الوجوهُ" ، وقال لأصحابه: "شُدُّوا عليهم"، فكانت الهزيمة.

وكانت الوقعة صبيحة الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.

وحمل عبدُ الله بنُ مسعود رأسَ أبي جهل بنِ هشام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسجد شكرًا لله تعالى، وقُتِل أبو جهل وله سبعون سنة، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وقُتل أخو أبي جهل، وهو العاص بن هشام.

ونَصَر الله نبيه بالملائكة، قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [الأنفال: 9].

وكان عدة قتلى بدر من المشركين سبعين رجلًا، والأسرى كذلك.

فمن القتلى غير من ذكر: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعُبيدة ابن سعيد بن العاص بن أمية، قتله علي بن أبي طالب، وزمعةُ بن الأسود، قتله حمزة، وغيرهم جماعة من أكابر قريش.

وكان من جملة الأسرى: العباسُ عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابنا أخيه: عَقيلُ ابن أبي طالب، ونوفلُ بن الحارث بن عبد المطلب.

ولما انقضى القتال، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسحب القتلى إلى القَليب، وكانوا أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا فيه.

وأقام - عليه السلام - بعَرَصَة بدر ثلاثَ ليال، وجميع من استُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

ولما وصل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفراء راجعًا من بدر، أمر عليًا بضرب عنق النَّضْر بن الحارث، وكان من شدة عداوته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، إذا تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن، يقول لقريش: ما يأتيكم محمدٌ إلا بأساطيرِ الأولين.

ثم أمر بضرب عنق عُقبة بن أبي مُعَيْطِ بنِ أمية.

وكان عثمان بن عفان قد تخلَّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بأمره، بسبب مرض زوجته رقيةَ بنتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وماتت رقيةُ في غيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت مدةُ غيبةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعة عشر يومًا.

 وفيها: هلك أبو لهب عبدُ العُزَّى بنُ عبد المطلب بن هشام، لما جاءه الخبر بمكة، وما وقع في غزوة بدر، فلم يبقَ غير سبع ليال، ومات كَمَدًا وحزنًا، بمرض العدسة، وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تُعدي أشدَّ العدوى، فلما أصابت أبا لهب، تباعدَ عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثًا، لا يَقْرَبُه أحد، فلما خافوا السُّبَّة في تركه، حفروا له حفرةً، ثم دفعوه بعُود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيدٍ حتى وارَوْه.

 وفيها: غزوةُ بني قينقاع من اليهود، وكان سببها نقضهم العهد مع المسلمين ، وما فعلوة مع المراة المسلمة بالسوق ، فسار اليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم وحاصرهم خمس عشرة ليلة وأمر بإجلائهم، وغنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون جميع أموالهم.

 وفيها: غزوة السويق، وكان من أمرها: أن أبا سفيان حلف أن لا يمسَّ الطيبَ والنساء، حتى يغزو محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، بسبب قتلى بدر، فخرج في مئتي راكب، وبعث قُدَّامه رجالًا إلى المدينة، فوصلوا إلى العريض، وقتلوا رجالًا من الأنصار، فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ركب في طلبه، وهرب أبو سفيان وأصحابُه، وجعلوا يُلقون جُرُبَ السَّويق تخفيفًا، فسميت: غزوة السويق.

وفيها: غزوة قرقرة الكدر، وقرقرة الكدر: ماء، مما يلي جادة العراق إلى مكة، بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أن بهذا الموضع جمعًا من سليم وغطفان، فخرج لقتالهم، فلم يجد أحدًا، فاستاق ما وجد من النَّعَم، ثم قدم المدينة.

 وفيها - أعني: سنة اثنتين -: توفي عثمان بن مظعون، وكان عابدًا مجتهدًا، من فضلاء الصحابة، وهو أحد من حرّم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابًا يُذهِب عقلي، ويضحك بي مَنْ هو أدنى مني.

 وفيها: قُتِل كَعْبُ بنُ الأَشْرَف اليهوديُّ، وهو أحد بني نبهان من طَيِّئ، وكانت أمه من بني النضير، وكان قد كبُر عليه من قُتِل ببدر من قريش، فصار إلى مكة، وحرّض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبكى أصحاب بدر، وكان يُشَبِّبُ بنساء المسلمين حتى آذاهم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فقُتل، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ ظَفِرْتُمْ بهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، فَاقْتُلوُهُ" ، وكانت قَتَلةُ ابنِ الأشرف من الأوس.

وقيل: قتل في السنة الثالثة، قتله محمد بن مسلمة الأنصاري، والله تعالى أعلم.

 السنة الثالثة من الهجرة

 وفيها: كانت غزوة أحد: وكان من حديثها: أنه اجتمع [من] قريش ثلاثة آلاف، فيهم سبع مئة دارع ، ومعهم مئتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ومعه زوجته هندٌ بنتُ عُتبة، وكانت جملة النساء خمسَ عشرةَ امرأة، ومعهنَّ الدفوفُ يعزفْنَ بها، ويبكين على قتلى بدر، ويحرضْنَ المشركين على حرب المسلمين.

وساروا من مكة حتى نزلوا الحليفة، مقابل المدينة، يوم الأربعاء، لأربع مَضَين من شوال سنة ثلاث.

وكان رأيُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المقامَ بالمدينة، وقتالهم بها، ورأى الصحابةُ الخروجَ لقتالهم، فخرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في ألف من الصحابة، إلى أن صار بين المدينة وأُحد، ونزل الشِّعْبَ من أُحد، وجعل ظهره إلى أُحد.

ثمّ كانت الوقعة يوم السبت، لسبع مضين من شوال، وعِدَّةُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع مئة، فيهم مئة دارع ، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين: فرسُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفرسٌ لأبي بردة.

وكان لواءُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع مُصْعَب بن عُمَيْر من بني عبد الدار.

وكان على ميمنة المشركين خالدُ بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمةُ ابن أبي جهل، ولواؤهم مع بني عبد الدار.

ولما التقَى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وضربن بالدفوف خلف الرجال [يحرضن]:

هِيهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ... وِيهَا حُمَاةَ الأَدْبَارِ

ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارِ

وتقول:

نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ

إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ ... أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ

وقاتلَ حمزةُ عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ قتالًا شديدًا، فقتل أرطاةَ حاملَ لواء المشركين، وقصدَ قتلَ سباعِ بنِ عبدِ العزى، فبينما هو مشتغلٌ بسباعٍ، إذ ضربه وحشيٌّ عبدُ جُبيرِ بنِ مطعمٍ - وكان حبشيًا - بحربة، فقتل حمزةَ - رضي الله عنه -.

وقتل ابنُ قَمِئةَ الليثيُّ مُصْعَبًا حاملَ لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ظنَّ أنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لقريش: إني قتلت محمدًا.

ولما قُتِل مُصعب، أعطى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرايةَ لعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

وأنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين، وانهزم المشركون، فطمعت الرماةُ في الغنيمة، وفارقوا المكانَ الذي أمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بملازمته، فأتى خالدُ ابنُ الوليد مع خيل المشركين من خلفِ المسلمين، ووقع الصراخُ: أن محمدًا قُتِل، وانكشف المسلمون، وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء على المسلمين، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا.

ووصل العدو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمَتْ شفتُه، وكان الذي أصابَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عتبةُ بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، وجعل الدمُ يسيل على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "كيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ"، فنزل في ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].

ودخلت حلقتان من حِلَق المِغْفر في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشَّجَّة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسقطت ثنيته الواحدة، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، وكان أبو عبيدة ساقطَ الثنيتين، ومصّ مالك بن سنانُ أبو أبي سعيد الخدري الدمَ من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وازْدَرَدَهُ (1)، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ مَسَّ دَمِي [دَمَهُ] لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ".

ومَثَّلت هندٌ وصواحبُها بالقتلى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجدَ عْنَ الآذانَ والأنوف، واتخذنَ منها قلائدَ، وبقرت هندٌ عن كبد حمزةَ، ولاكتها.

وضرب زوجُها أبو سفيان بزُجِّ الرمح شدقَ حمزة، وصعِدَ الجبل، وصرخ بأعلى صوته: الحربُ سِجال، يومٌ بيوم بدر، اعْلُ هُبَلُ؛ أي: أظهر دينك.

ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدَكم بدرٌ العام القابل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لواحد: "قُلْ: هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، ثم سار المشركون.

ثم التمس رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عمه حمزةَ، فوجده، وقد بُقِر بطنُه، وجُدِع أَنفه وأُذناه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَئِنْ أَظْهَرَني الله عَلَى قُريشٍ، لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثينَ مِنْهُمْ" (2)، ثم قال: "جاءني جبريلُ، فأخبرَني أَنَّ حمزةَ مكتوبٌ في أهل السماواتِ السبعِ: حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ أسدُ الله وأسدُ رسولِه".

ثم أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فسُجِّي ببردة، ثم صلَّى عليه، فكبر سبعَ

تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه، حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة، وهذا دليل لأبي حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد؛ خلافًا للشافعي وأحمد - رحمهم الله -.

ثم أمر بحمزة فدُفِن، واحتُمِل ناسٌ من المسلمين إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "ادفنوهُم حيثُ صُرِعوا".

وأصيبت عينُ قَتادَةَ بنِ النعمان، فردّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فكانت أحسنَ عينيه، واستُشهد أنسُ بنُ النَّضْرِ بنِ ضمضم عمُّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاءً حسنًا، وفيه نزلت: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] الآية.

 ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان:

قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عمرو بن أمية الضمري إلى مكة، مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان صخر بن حرب، فلم يظفرا به، فقتل عمرٌو عثمانَ بنَ مالكٍ التّيميَّ، فركب صاحبُ عمرٍو البعيرَ، وأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبره الخبرَ، وأما عمرٌو، فسار حتى دخل دارًا بضجنان، ومعه قوسُه وأسهمه، فبينما هو فيه، إذ دخل عليه رجل من بني الديل، أعورُ طويلٌ، يسوق غنمًا له، فقال: من الرجل؟ قال: من بني الديل، فاضطجع معه، ورفع عقيرته يتغنى ويقول:

وَلَسْتُ بِمُسْلِمٍ مَادُمْتُ حَيًّا ... وَلَسْتُ أَدِينُ دِينَ المُسْلِمِينَا

ثم نام، فقتله، ثم سار، فإذا رجلان بعثتهما قريش، يتجسسان أمرَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فرمى أحدَهما بسهم، فقتله، واستأسر الآخرُ، فقدمَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره الخبرَ، فضحك، ودعا له بخير.

 وفيها - أعني السنة الثالثة من الهجرة -: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حفصةَ بنتَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، وبنى بها فيها.

وقيل: تزوجها سنة اثنتين - والله أعلم -.

وكانت قبل أن يتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت خُنَيس بن حُذافة السهمي.

 ودخلت السنة الرابعة من الهجرة

 وفيها: كانت غزوة بني النضير من اليهود، وسار إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ربيع الأول، ونزل تحريمُ الخمر، وهو محاصر لهم، وأجلاهم، وكانت أموالهم فيئًا، فقسمها على المهاجرين دون الأنصار، إلا أن سهلَ ابنَ حنيف وأبا دُجانة ذكرا فقرًا، فأعطاهما من ذلك شيئًا.

 وفيها: كانت غزوة ذات الرِّقاع، وسميت بذلك؛ لأنهم رقّعوا فيها جراباتهم، وتقارب الناس، ولم يكن بينهما حرب، وكان ذلك في جمادى الأولى.

وفي هذه الغزوة قال رجُل من غطفان لقومه: ألا أقتل لكم محمدًا؟ قالوا: بلى، وحضر إلى عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: يا محمد! أُريد أن أنظر إلى سيفك، وكان محلًّى بفضة، فدفعه إليه، فأخذه، واستلَّه، ثم جعل يهزُّه ويهمُّ، ويَكْبِتُه الله، ثم قال له: يا محمد! ما تخافني؟ فقال له: "لا أَخافُ منكَ"، ثم ردّ سيفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [المائدة: 11].

 وفيها: كانت غزوة بدر الثانية، وتسمى - أيضًا -: غزوة السَّويق.

ففي  شعبان من السنة الرابعة خرج رسولُ الله - رضي الله عنه - إلى بدر لميعاد أبي سفيان بن حرب حتى نزل بدرًا، فأقام عليها ثمانية ليالي ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة إلى مَرِّ الظَّهْران، وقيل: إلى عُسفان، ثم رجع، ورجعتْ قريشٌ معه، فسمّاهم أهلُ مكة جيشَ السَّويق، يقولون: إنما خرجتُم تشربون السويق، فلما لم يأت، انصرف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، والله سبحانه أعلم.

السنة الخامسة من الهجرة

 وفيها: كانت غزوة الخندق(الاحزاب): وكانت في شوال من هذه السنة ، وكان من حديثها: أن نفرًا من اليهود - وهم الذين حرّضوا الأحزاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، يدعونهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وقالوا: دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أَوْلى بالحقِّ منه، فأنزل الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} الآية إلى قوله: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 51 - 55].

ولما سمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بهم، وما أجمعوا عليه، أمر بحفر الخندق حولَ المدينة، قيل: إنه بإشارة سلمانَ الفارسيِّ، وهو أولُ مشهد شهدَه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وظهرت في حفر الخندق عدة معجزات:

 منها: ما رواه جابر، قال: اشتدَّت عليهم كديةٌ - أي: صخرة -، فدعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بماءٍ، وتفل فيه، ونضحه عليها، فانهالت تحت المعاول .

ومنها: أن أُبية بنتَ بشير بن سعيد الأنصاري، وهي أخت النعمان ابن بشير، بعثتها أمها بقليل تمر غداء أبيها بشير، وخالِها عبدِ الله بن رواحة، فمرّت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعاها، وقال: "هاتي ما مَعَك يا بُنَيَّة"، فصبّتْ ذلك التمر في كَفَّي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فما امتلأتا، ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب، وبدَّدَ ذلك التمر عليه، ثم قال لإنسان: "اصرخْ في أهلِ الخندقِ أَنْ هَلُمُّوا إلى الغداءِ"، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيدُ حتى صدر أهلُ الخندق عنه، وإنه ليسقطُ من أطراف الثوب.

 ومنها: ما رواه جابر، قال: كانت عندي شُوَيْهَةٌ غيرُ سمينة، فأمرتُ امرأتي أن تخبز قرصَ شعير، وأن تشوي تلكَ الشاةَ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكنا نعملُ في الخندق نهارًا، وننصرفُ إذا أمسينا، فلما انصرفنا من الخندق، قلت: يا رسول الله! صنعتُ لكَ شويهةً، ومعها شيءٌ من خبز الشعير، وأنا أحبُّ أن تنصرفَ إلى منزلي، فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من يصرخُ في الناس: أنِ انصرفوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتِ جابر.

قال جابر: إنا لله وإنا إليه راجعون - وكان ظنَّ أن يمضي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وحده -، وأقبل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والناسُ معه، وقدَّمنا له ذلك، فبرَّكَ وسمّى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما صدر عنها قوم، جاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها .

وروى سلمان الفارسي، قال: كنت قريبًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أعمل في الخندق، فتغلظ عليَّ الموضعُ الذي كنت أعمل فيه، فلما رأى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، أخذ المِعولَ، وضرب ضربة لمعت تحت المِعول بَرْقَةٌ، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقةٌ أخرى، ثم ضرب أخرى، فلمعت برقة أخرى، قال فقلت: بأبي أنت وأمي! ما هذا الذي يلمع تحت المعول؟ فقال: "أرأيتَ ذلكَ يا سلمانُ؟ "، فقلت: نعم. قال: "أَمَّا الأُولى، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها اليَمَنَ، وأَمَّا الثانيةُ، فإن الله فتحَ عَلَيَّ بها الشَّامَ والمَغْرِبَ، وأَمَّا الثالثةُ، فإنَّ الله فتحَ عَلَيَّ بها المَشْرِقَ".

وعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخندق ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، وفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخندق.

وأقبلت قريش في أحابيشها ومَنْ تبعها من كنانةَ في عشرة آلاف، وأقبلت غَطَفان ومن تبعها من أهل نجد، وكان بنو قريظة وكبيرُهم كعبُ ابنُ أسدٍ قد عاهد النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فما زال عليهم أصحابهم من اليهود حتى نقضوا العهد، وصاروا مع الأحزاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وعَظُم عند ذلك الخَطْبُ، واشتد البلاء، حتى ظن المؤمنون كل الظن، ونَجَمَ النفاق، حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوزَ قيصر، وأحدُنا اليومَ لا يأمَنْ على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمشركون بضعًا وعشرين ليلة، ولم يكن بين القوم حربٌ إلا الرمي، وتقدم فوارسُ من قريش يلتمسون القتال، فأقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه، قالوا: والله! إن هذه لمَكَيدةٌ، ما كانت العربُ تكيدها، ثم قَتَل عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عَمْرَو بن عبدِ ودٍّ، وخرجتْ خيلُ قريش منهزمةً، ثم نصر الله نبيَّه على المشركين، وخذَلهم، واختلفت كلمتُهم، ثم إن الله تعالى أهبَّ ريح الصَّبا، كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، فجعلت الريح تقلِب آنيتهم، وتَكْفَأُ قُدورهم، وانقلبوا خاسرين.

وبلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرُهم، وأنهم عادوا راجعين إلى بلادهم، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الآنَ نَغْزُوهُمْ، وَلا يَغْزُوناَ" ، فكان كذلك حتى فتحِ مكة، والله أعلم.

 وفيها: كانت غزوة بني قريظة في ذي القعدة: ولما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة من غزوة الأحزاب، وضع المسلمون السلاح، فلما كان الظُّهر أتى جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أقدْ وضعتَ السلاح؟ قال: "نعم"، قال: ما وضعت الملائكةُ السلاح، إن الله عز وجل يأمرُك بالمسير إلى بني قريظَة ، فإني عامدٌ إليهم، فَمُزَلْزِلٌ بهم.

فأمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا، فنادى: مَنْ كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينَّ العصرَ إلا في بني قريظة، وقدَّم عليًا - رضي الله عنه - إليهم برايته، ثم تلاحق الناسُ، ونزل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وقذفَ الله في قلوبهم الرعبَ، ولما اشتد بهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فردَّ الحكمَ فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكَمَ أن تُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية والنساء، وتقسم الأموال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ".

ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وحبس بني قريظة في دار بنت الحارث: امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سوق المدينة، فخندقَ بها خنادقَ، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا ست مئة، أو تسع مئة، وقيل: ما بين الثمان والسبع مئة.

ثم قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأموال، فكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم، وكانت الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرسًا.

ثم قسم سبايا بني قريظة، فأخرج الخمس، واصطفى لنفسه ريحانةَ بنتَ عمرٍو، فكانت في ملكه حتى مات.

واستُشهد في غزوة بني قريظة خلادُ بن زيد بن ثعلبة، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا والخندق ويوم بني قريظة، وقُتل يومئذ شهيدًا، دلَّت عليه امرأةٌ من بني قريظة رَحًى، شَدَخَتْ رأسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "له أَجْرُ شهيدينِ" ، وقتلها به ، ولم يستشهد في غزوة بني قريظة غيره.

وفي هذه السنة: توفي سعد بن معاذ بن النعمان بن زيد بن عبد الأشهل - رضي الله عنه -، ولما مات، نزل جبريل - عليه السلام - على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معتجرًا بعمامة من إِستبرق، وقال: يا محمد! مَنْ هذا الذي فُتحت له أبواب السماء، واهتزَّ له العرشُ ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجرُّ ثوبه إلى سعد ابن معاذ، فوجده قد مات ، وأخبر - عليه الصلاة والسلام -: أنه شهدَه سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبلَ ذلك.

وكان سعدُ بن معاذ جُرح على الخندق، وسأل الله تعالى أن لا يُميته حتى يغزو بني قريظة؛ لغدرهم برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاندمَلَ جرحُه، حتى فرغ من غزوة بني قريظة؛ كما سأل الله تعالى، ثم انتقض جرحه، ومات - رحمه الله تعالى -.

 وفيها: هلك أمية بن أبي الصلت: وكان قد قرأ الكتبَ المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وأخبر أن نبيًا يخرج قد أظلَّ زمانُه، وكان يؤمِّل أن يكون هو ذلك النبيَّ، فلما بلغه ظهورُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كفر به حسدًا له، وكان يحرِّض قريشًا بعد ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 السنة السادسة من الهجرة

خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جمادى الأولى إلى بني لحيان طالبًا بثأر اصحابة

أهل الرجيع الذين قتلوا غدراً من بني لحيان ، فتحصنوا برؤوس الجبال، فنزل عسفان تخويفًا لأهل مكة، ثم رجع إلى المدينة.

 وفيها: كانت غزوة ذي قُرَد: وسببها: أن عُيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ أغار على لِقاحِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي بالغابة، فخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأربعاء، حتى وصل إلى ذي قرد، لأربع خلون من ربيع الأول، فاستنقذ بعضها، وعاد إلى المدينة، وكانت غَيبته خمس ليال.

وفي هذه الغزاة نودي: يا خيل الله! اركبي، ولم يكن يقال ذلك قبلَها.

وذو قرد: موضع على ميلين من المدينة على طريق خيبر.

 وفي شعبان، وقيل: في سنة خمس: كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة، وكان بلغَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدُهم الحارثُ بن أبي ضرار، أبو جُويريةَ زوجِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما سمع بهم، خرج إليهم، فلقيهم بماء يقال له: المريسيع، بناحية قديد، فاقتتلوا، فانهزم المشركون، وقُتِل من قُتِل منهم.

وكان حاملَ راية المهاجرين أبو بكر، ورايةِ الأنصار سعد بن عبادة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأسارى، فكتفوا، وجمع الغنائم، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف شاة، وكان السبي مئتي بنت، وكانت غيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المدينة ثمانيةً وعشرين يومًا.

وكان في جملة السبي: جُويريةُ بنتُ الحارث، كان اسمها بَرَّةَ، فسماها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: جويرية، وكانت إحدى أزواجه - صلى الله عليه وسلم -، وكانت وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس، فكاتبته على نفسها، فأدى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كتابتَها، وتزوَّجها، فقال الناس: أصهارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأُعتق بتزويجه إياها مئةُ أهل بيتٍ من بني المصطلق، فكانت عظيمةَ البركة على قومها.

 ذكر قصة الإفك:

ولما رجع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الغزوة، وكان ببعض الطريق، قال أهل الإفك ما قالوا، وهم: مِسْطَحُ بن أُثاثَةَ بنِ عبادِ بنِ عبد المطلب، وهو ابنُ خالة أبي بكر، وحسانُ بنُ ثابت، وعبد الله بن أُبيٍّ ابنُ سلول الخزرجيُّ المنافق، وحَمْنَةُ بنتُ جَحْش، فرموا عائشةَ - رضي الله عنها - بالإفك مع صفوانَ بنِ المعطّل، وكان صاحبَ الساقة، فلما نزلتْ براءتها، جلدَهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانين ثمانين، إلا عبدَ الله بنَ أبي، فإنه لم يجلده.

وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم.

 وفيها - أعني: سنة ست -: كانت عمرة الحديبية، وهي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست معتمرًا، لا يريد حربًا، بالمهاجرين والأنصار، في ألف وأربع مئة، وساق الهديَ، وأحرم بالعُمرة، وسار حتى وصل إلى ثنية المرار مهبط الحديبية أسفل مكة، وأمر بالنزول، فقالوا: ننزل على غير ماء؟ ! فأعطى رجُلًا سهمًا من كنانته، وغرزه في قَليب من تلك القُلُب في جوفه، فجاش الماء بالريِّ، حتى كفى الجيش، وكان اسمُ الذي أخذ السهم ناجيةَ بنَ عُمير، سائقَ بُدْنِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من مشاهير معجزاته.

فبعثت قريشٌ عُروةَ بنَ مسعود الثقفيَّ، وهو سيدُ أهل الطائف، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إن قريشًا لبسوا جلود النمور، وعاهدوا الله أن لا تدخل عليهم مكة عَنْوَة أبدًا، ثم جعل عُروة يتناول لحيةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يكلِّمه، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ واقف على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل يقرع يده، ويقول: كُفَّ يدَك عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قبل أن لا ترجعَ إليك، فقال له عروة: ما أَفَظَّكَ وأغلظَكَ! فتبسَّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثم قام عُروة من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يرى ما يصنع أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصُق إلا ابتدروا بُصاقه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.

ورجع إلى قريش، وقال لهم: إني جئتُ كسرى وقيصرَ في مُلْكهما، فو الله! ما رأيت ملكًا في قومه مثلَ محمد في أصحابه.

ثم إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دعا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليبعثه إلى قريش؛ ليعلمهم بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأت لحرب، فقال عمر: إني أخاف قريشًا؛ لغلظتي عليهم، وعداوتي فيهم، فبعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عثمانَ بنَ عفان - رضي الله عنه - إلى أبي سفيان وأشرافِ قريش: أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا، ومعظِّمًا لهذا البيت.

فلما وصل إليهم عثمان بن عفان، وعرّفهم بذلك، فقالوا له: إن أحببتَ أنك تطوفُ بالبيت، فطفْ، فقال: ما كنتُ لأفعلَه، حتى يطوفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمسَكوه، وحَبَسوه، وبلغَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن عثمان قُتِل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ"، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان الناس يقولون: بايعهم رسولُ الله على الموت، وكان جابرٌ يقول: لم يبايعْنا إلا على أننا لا نفرُّ، فبايع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ، ولم يتخلف أحدٌ من المسلمين، إلا الحُرُّ بنُ قيسٍ، استترَ بناقته، وبايع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمانَ في غيبته، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - الخبرُ أن عثمان لم يُقتَل.

 ذكر الصلح بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقريش:

ثم إن قريشًا بعثوا سُهيلَ بنَ عمرٍو في الصلح، وتكلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فلما أجابَ إلى الصلح، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا رسول الله! ألستَ برسول الله؟ أَوَلسنا بالمسلمين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلى"، قال: فعلامَ نعُطي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَنا عبدُ الله ورسولُه، ولَنْ أُخالِفَ أَمْرَهُ، ولَنْ يُضَيِّعَني".

ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ بن أبي طالب، فقال: "اكتبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال سُهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتبْ: باسمك اللهمَّ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اكتبْ: باسمك اللهمَّ"، ثم قال: "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - "، فقال سهيل: لو شهدتُ أنك رسولُ الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمَك واسمَ أبيك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اكتبْ: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبدِ الله سُهيلَ بنَ عَمْرٍو على: وَضْعِ الحَرْبِ عن الناسِ عَشْرَ سِنينَ، وأنه مَنْ أَحَبَّ أن يدخُلَ في عقدِ محمدٍ وعهدِه، دخلَ فيه، ومن أحبَّ أن يدخُلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم، دخلَ فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين.

وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرجوا من المدينة، لا يشكُّون في فتح مكة؛ لرؤيا رآها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، داخلَ الناسَ من ذلك أمرٌ عظيم، حتى كادوا يهلكون.

ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، نحر هَدْيَه، وحلقَ رأسه، وقام الناس - أيضًا -، فنحروا وحلقوا، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: "يرحَمُ الله المحلِّقين"، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسول الله، قال: "يرحُم اللهُ المحلِّقين" حتى أعادوا، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "والمقصِّرينَ".

ثم قفلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 1 - 2].

ودخل في الإسلام في هذه السنة مثلُ ما دخل فيه قبلَ ذلك وأكثرُ، وهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسوةٌ، فيهن أمُّ كلثومٍ بنتُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيط، فجاء أخواها الوليدُ، وعمارة يطلبانها، فأنزل الله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10]، فلم ترسل امرأة مؤمنة إلى مكة.

وأنزل الله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]، فطلق عمر - رضي الله عنه - امرأتين له، إحداهما: قُريبةُ بنتُ أبي أمية، فتزوجها معاوية وهما مشركان، والثانية: أم كلثوم بنة عمرو بن جَرْول الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم، وهما مشركان.

السنة السابعة من الهجرة

 فيها: كانت غزوة خيبر: وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمن جانب قريش بالصلح الذي تم في الحديبية، قرر تصفية مشكلة التجمعات اليهودية فيما حول المدينة بعد أن صفى اليهود من المدينة نفسها، وقد كان لليهود في خيبر حصون منيعة، وكان فيها نحو من عشرة آلاف مقاتل، وعندهم مقادير كبيرة من السلاح والعتاد، وكانوا أهل مكر وخبث وخداع، فلا بد من تصفية مشكلتهم قبل أن يصبحوا مصدر اضطراب وقلق للمسلمين في عاصمتهم (المدينة)، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية، أقام بالمدينة ذا الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في منتصف المحرم سنة سبع، وسار إلى خيبر في ألف وأربع مئة فارس، وخيبرُ على ثمان بُرُدٍ من المدينة، واستخلف على المدينة سباعَ بنَ عرفطة الغفاري، ولما أشرفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على خيبر، قال لأصحابه: "قفوا"، ثم قال: "اللهمَّ ربَّ السَّمَواتِ وَما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضيِنَ وَما أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ، وخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيَها، أَقْدِمُوا بِاسْمِ الله" ، ونزل على خيبر ليلًا فلما أصبحوا، خرج أهلها إلى عملهم، ، فلما رأوه، عادوا، وقالوا: محمدٌ والخميسُ - يعنون: الجيش -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الله أكبرُ خَرِبَتْ خيبرُ، إِنَّا إِذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ؛ فَسَاءَ صَبَاحُ المنذَرِينَ" ، ثم حاصرهم، وضيّق عليهم، وفتحها حصنًا حصنًا.

وأصاب منهم سبايا، منهن: صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أخطبَ، وكانت عندَ كِنانَة بنِ الربيع بنِ أبي الحُقَيْق، فاصطفاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، وتزوَّجها، وجعل عِتْقَها صَداقَها، وهذا مذهبُ الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -، وهو من مفردات مذهبه.

ثم افتتح حصنَ الصَّعْب، وما كان بخيبر حصنٌ أكثر طعامًا ووَدكًا منه، ثم انتهى إلى الوطيح، والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتاحًا.

وروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما كانت تأخذُه الشقيقةُ-الصداع-، فيلبث اليومَ واليومين لا يخرج، فلما نزلَ خيبرَ، أخذته، فأخذ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الرايةَ، وقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع، فأخذها عمرُ، فقاتل قتالًا شديدًا، أشدَّ من الأول، ثم رجع، فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أَمَا واللهِ! لأُعطينَّ الرايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُه، كَرّارًا غَيْرَ فَرّارٍ، يَأْخُذُها عَنْوَةً"، فتطاولَ المهاجرون والأنصار، وكان عليُّ ابن أبي طالب - رضي الله عنه - قد تخلف بالمدينة لرمَدٍ لَحِقَه، فلما أصبحوا، جاء عليُّ - رضي الله عنه - على بعير له، فتفلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عينه، فما اشتكى رمدًا بعدها، ثم أعطاه الراية، فنهض بها، فأتى خيبرَ، فأشرف عليه رجلٌ من يهود خيبرَ، وقال: من أنت؟ قال: أنا عليُّ بن أبي طالب، فقال اليهودي: غُلبتم يا معشَر اليهود، فخرج مَرْحَبٌ من الحصن، وعليه مغفر يماني، وعلى رأسه بيضةٌ عادية، وهو يقول:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهِبُ

فسار إليه عليٌّ - رضي الله عنه -، وقال مجيبًا له:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... أَكِيلُهُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدُ القَسْوَرَهْ

واختلف بينهما ضربتين، فسبقه عليٌّ - رضي الله عنه - بضربته، فَقَدَّ البيضة والمغفر، ورأسه، فسقط عدوُّ الله ميتًا.

وكان فتحُ خيبر في صفر، على يد عليٍّ - رضي الله عنه -، بعد حصار بضعَ عشرةَ ليلة، وسأله اليهودُ أهلُ خيبر على أن يُساقِيَهم على النصف من ثمارهم، ويُخرجهم متى شاء، ففعل ذلك، وفعل مثل ذلك أهل فَدَك.

فكانت خيبرُ فيئًا للمسلمين، وكانت فَدَكُ خالصةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم لم يُجلبوا عليها بِخَيلٍ ولا رِكاب، ولم يزلْ يهودُ خيبرَ كذلك، إلى خلافة عمرَ - رضي الله عنه -، فأجلاهم منها.

ولما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر، انصرف إلى وادي القُرى، فحاصره ليلةً، وفتحه عَنْوَة.

ثم سار إلى المدينة، ولما قدمها، وصل إليه من الحبشة بقيةُ المهاجرين، ومنهم: جعفرُ بنُ أبي طالب، فروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ".

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كتب إلى النجاشي يطلبهم، ويخطب أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان، وكانت هاجرتْ مع زوجها عبدِ الله بن جحش، فتنصّر عبدُ الله المذكور، وأقام بالحبشة، فزوّجها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ابنُ عمِّها خالدُ بنُ سعيد بنِ العاص بنِ أمية، وكان بالحبشة من جملة المهاجرين، وأصدَقَها النجاشي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعَ مئة دينار، ولما بلغ أباها أبا سفيان أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تزوجها، فقال: ذلك الفحلُ الذي لا يُجدَع أنفُه، فقدمتْ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين، في أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة، في سهامهم من مَغْنَم خيبر، ففعلوا.

وفي غزوة خيبر: أهدت للنبي - صلى الله عليه وسلم - زينبُ بنت الحارث، امرأةُ سَلاَم ابن مِشْكَم اليهوديةُ شاةً مَصْلِيَّة مسمومة، فأخذ منها قطعة، ولاَكها، ثم لَفَظَها، وقال: "تُخبرُني هذهِ الشاةُ أَنَّها مَسْمومَةٌ"، وكان معه بِشْرُ بنُ البراء بنِ مَعْرور، فأكل بشرٌ منها، ثم دعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المرأة، فاعترفَتْ، فتجاوز عنها.

وقيل؟ مات بِشْرٌ، فقتلَها به.

ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه: "إِنَّ أكلةَ خيبرَ لم تزلْ تُعاودني، وهذا زَمانُ انْقِطاعِ أَبْهَرِي".

ذكر رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك:

في هذه السنة - أعني: سنة سبع - بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كُتُبَه ورُسُله إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام:

- بعث إلى كسرى برويز بن هرمز: عبدَ الله بنَ حُذافة، فمزّق كسرى كتابَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: يُكاتبني بهذا وهو عبدي؟ ! ولما بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، قال: "مَزَّقَ الله مُلْكَهُ".

- ثم بعث كسرى إلى باذان عامِله باليمن: أن ابعثْ إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، فبعث باذان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنين، أحدُهما يقال له: خرخسرة، وكتب معهما، يأمر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالمسير إلى كسرى، فدخلا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد حلقا لحاهما وشواربهما، فكرِه النبي - صلى الله عليه وسلم - النظرَ إليهما، وقال: "وَيْلَكُمَا! مَنْ أَمَرَكُما بِذَلِكَ؟ "، قالا: ربنا - يعنيان: كسرى -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَني أَنْ أَعِفَّ عِنْ لِحْيَتي، وَقَصِّ شَارِبي"، فأعلماه بما قَدِما له، وقالا: إن فعلت، كتب فيك باذانُ إلى كسرى، وإن أَبيتَ، فهو يهلكك، فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغد، وأتى الخبرُ من السماء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الله قد سلَّط على كسرى ابنَه شيرويه، فقتله، فدعاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخبرهما بذلك، وقال لهما: "إِنَّ دِيني وسُلْطاني سيبلُغُ مُلْكَ كِسْرَى، فَقُولا لباذانَ أَنْ أَسْلِمْ"، فرجعا إلى باذان، وأخبراه بذلك، ثم ورد مكاتبه شيرويه إلى باذان بقتل أبيه كسرى، وأن لا يتعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلمَ باذانُ، وأسلم معه ناسٌ من فارس.

- وبعث دِحْيَةَ بنَ خَليفةَ الكلبيَّ إلى قيصرَ ملكِ الروم، وهو هِرَقْلُ، فأكرمَ دحيةَ، ووضع كتابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على فخذه.

وكتب إلى رجل برومية، وكان يقرأ الكتب، يخبره بشأنه، فكتب إليه صاحب روميةَ أنه النبي الذي كنا ننتظر، لا شك فيه، فاتّبِعه وصدِّقه، فجمع هرقلُ بطارقته في دسكرةٍ، وغُلِّقت أبوابها، ثم اطلع عليهم من عُلِّيَّةٍ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: قد أتاني كتابُ هذا الرجل، يدعوني إلى دينه، وإنه - والله - النبيُّ الذي نجده في كتبنا، فهلُمُّوا نتبعه، ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتُنا، قال: فنخروا نخرة رجلٍ واحدٍ، ثم ابتدروا الأبوابَ، ليخرجوا، فقال: رُدُّوهم عليَّ، وخافهم على نفسه، وقال لهم: إنما قلتُ لكم ما قلتُ؛ لأنظرَ كيف صلابتُكم في دينكم، وقد رأيتُ منكم ما سَرَّني، فسجدوا له ، وانطلقوا.

فقال لدحية: إني لأعلمُ أن صاحبك نبيٌّ مرسَل، ولكن أخاف الرومَ على نفسي، ولولا ذلك، لاتبعته، وردَّ دحية رَدًّا جميلًا.

- وبعث حاطبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى صاحب مصرَ، وهو المقوقِسُ جريجُ بنُ مَتَّى، فأكرم حاطبًا، وقبَّل كتابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأهدى إليه أربعَ جوارٍ، إحداهن: مارية، ولدَتْ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنَه إبراهيمَ، والأخرى سيرين، وهبها رسولُ - صلى الله عليه وسلم - لحسانَ بنِ ثابت، وأهدى إليه - أيضًا - بغلته دُلْدُل، وحمارَه يعفور، وكِسْوةً.

- وبعث عَمْرَو بنَ أُميةَ الضَّمريَّ إلى النجاشي بالحبشة، فلما جاءه كتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قَبَّله، وآمنَ به، واتَّبعه، وأسلمَ على يدِ جعفرِ بنِ أبي طالب - رضي الله عنه -، حين كان عنده في الهجرة، واسمُ النجاشي أَصْحَمَةُ، ومعناه بالعربيِّ: عَطِيَّة.

- وأرسل شجاعَ بنَ وهبٍ الأسديَّ إلى الحارثِ بنِ أبي شمرٍ الغساني بدمشق، فلما قرأ كتابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ها أنا سائرٌ إليه، فلما بلغَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قولُه، قال: "بَادَ مُلْكُهُ".

- وأرسل سليطَ بنَ عمرٍو العامريَّ إلى هَوْذَةَ بنِ عليٍّ الحنفي، ملكِ اليمامة، وكان نصرانيًا، فقال هوذةُ: إن جعلَ الأمرَ لي من بعدهِ، سرتُ إليه، وأسلمتُ، ونصرته، وإلا، قصدت حربه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا حُبًّا ولا كرامَة، اللهمَّ اكْفِنِيهِ"، فمات بعد قليل .

وكان قد أرسل هوذةُ رجُلًا يقال له: الرحال - بالحاء وقيل: بالجيم - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلم، وقرأ سورةَ البقرة، ورجع إلى اليمامة، فارتدَّ، وشهدَ أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أشركَ معه مُسَيْلِمَةَ الكذابَ في النبوة، فكانت فتنته أشدَّ من فتنة مسيلمة.

- وأرسل العلاءَ بنَ الحضرميِّ إلى المنذر بن ساوى ملكِ البحرين، فلما أتاه يدعوه ومَنْ معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، وكانت ولايةُ البحرين من قبل الفرس، فأسلم المنذر، وأسلم جميعُ العرب بالبحرين.

 ذكر عُمْرة القضاء:

ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة، من سنة سبع معتمرًا عمرة القضاء، وساق معه سبعين بَدَنةَ، ولما قرب من مكة، أخرجت له قريش غنمًا، وتحدثوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غش وجهدٍ وأصحابه، وقد أنهكتهم حُمَّى يثربَ، فاصطفوا له عند دار الندوة، فلما دخل المسجد، اضطبعَ؛ بأن جعل وسطَ ردائه تحت عَضُدِه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ثم قال: "رَحِمَ الله امْرَأً أَرَاهُمُ اليَوْمَ قُوَّةً"، ورمل في أربعة أشواط من الطواف، ثم خرج إلى الصفا والمروة، فسعى بينهما.

وتزوج في سفره هذا ميمونةَ بنتَ الحارث، زوَّجه إياها عمُّه العباس، وذُكر أنه تزوجها محرِمًا، وهو من خواصِّه - صلى الله عليه وسلم -، وهي آخرُ امرأة تزوَّجها.

وأقام بمكة ثلاثًا، فأرسل المشركون إليه مع عليٍّ - رضي الله عنه - ليخرج

عنهم، فخرج عنهم وبنى بميمونةَ، وانصرف إلى المدينة - صلى الله عليه وسلم -.

 السنة الثامنة من الهجرة

 ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة:

لما انصرف عَمْرُو بن العاص مع الأحزاب عن الخندق، جمع رجالًا من قريش كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، فقال لهم: تعلمون - والله - أني أرى أمر محمد يعلو الأمورَ علوًّا منكَرًا، وأني قد رأيت أن نكون عند النجاشي، قالوا: إن هذا هو الرأي، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، وكان أحبّ إليه مما يهدي من أرضنا الأَدَم، ثم خرجوا حتى قدموا عليه، فجاء عَمْرُو بن أمية الضمري، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه إليه، فدخل عليه، ثم خرج من عنده، فقال عمرو بن العاص لأصحابه: هذا عمرو بن أمية، لو دخلتُ إلى النجاشي، فسألتُه إياه، فأعطانيه، فضربتُ عنقه، فدخل على النجاشي، فسجد له كما كان يصنع، وكلمه فيما قال، فغضب النجاشي، ثم مدّ يده، فضرب بها أنفه ضربة، قال عمرو: ظننت أنه كسره، ثم قال: تسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموسُ الأكبر، الذي كان يأتي موسى لتقتله، قال له: أيها الملك! كذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني على الإسلام، قال: نعم، فبسط يده، فبايعه على الإسلام.

ثم خرج عمرو بن العاص إلى أصحابه، وقد حال رأيه عما كان عليه، وكتم أصحابَه إسلامَه، ثم خرج عامدًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلقي خالدَ بنَ الوليد، وذلك قُبيل الفتح، وهو مقبلٌ من مكة، فقال: إلى أين يا بنَ أبي سليمان؟ فقال: والله! لقد استقام الميسم - أي: ظهرت العلامة -، وإن الرجلَ لنبي، أذهبُ - والله - إليه أُسلم، فحتى متى؟ قال: وأنا - والله - ما جئتُ إلا لأُسلم، فقدما المدينةَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم خالدُ بنُ الوليد فأسلم، وبايع، ثم دنا عمرو، فقال: يا رسول الله! إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخَّر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا عَمْرُو! بايِعْ؛ فإنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كانَ قبلَهُ، وإن الهِجْرَةَ تَجُبُّ ما قبلَها"، فبايعه، ثم انصرف، وأسلم عثمانُ بن طلحة بن عبد الدار.

وفيها - أعني: سنة ثمان من الهجرة -: كانت غزوة مؤتة، وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى، ومؤتة من أرض الشام، وهي قِبليَّ الكَرَك.

وكان سببها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارثَ بنَ عُميرٍ رسولًا إلى ملك بصرى بكتاب، كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل مؤتة، عرض له عَمْرُو بنُ شرحبيل الغساني، فقتله، ولم يُقتل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسولٌ غيره.

 وفيها: اتُّخذ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر، وكان يخطُب إلى جِذْع نخلة، فلما كان يومُ الجمعة، خطب على المنبر، فَأَنَّ الجذعُ الذي كان يقوم عليه، كما يئنّ الصبيُّ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ هَذَا بَكَى لِمَا فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ" ، فنزل، فمسحه بيده حتى سكن، فلما هدم المسجد وتغير، أخذ ذلك الجذعَ أُبَيُّ بن كعب، فكان عندَه في داره حتى بَلي.

 ذكر فتح مكة:

وسبب ذلك: أن بني بكر بن عبد مناة عَدَتْ على خُزاعة، وهم على ماءٍ لهم بأسفلِ مكة، يقال له: الوثير، وكانت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية، وكانت بينهم حروب في الجاهلية.

فكلمت بنو بكر أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خزاعةَ بالرجال والسلاح، فوعدوهم، ووافَوْهم متنكرين، فبيتوا خزاعةَ ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريشٌ على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الذي بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وخرج عَمْرُو بنُ سالم الخزاعيُّ في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستغيثين به، فوقف عمرٌو عليه، وهو جالس بالمسجد، وأنشده أبياتًا، يسأله أن ينصره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نُصِرْتَ يا عَمْرُو بْنَ سَاِلمٍ"، ثم قدم بُدَيلُ بنُ ورقاءَ الخزاعيُّ في نفرٍ من خزاعةَ على النبي، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيانَ قد جاءكمُ يشدُّ العَقْدَ، ويَزيدُ في المدَّةِ"، فكان كذلك.

ثم قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أمِّ حبيبة أمِّ المؤمنين زوجِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ذهب ليجلسَ على فِراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أمن رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله! لقد أصابك بعدي يا بنية شرٌّ.

ثم خرج، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى عليٍّ - رضي الله عنه - على أن يكلموا النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ، فانصحْني، قال: والله! لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيدُ بني كنانة، فقم فَأَجِرْ بين الناس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله! ما أظنه، ولكن لا أجدُ لك غيرَ ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس.

ثم ركب بعيرًا، وانطلق، فلما قدم إلى قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه قد أجار بين الناس، قالوا: فهل أجاز محمدٌ ذلك؟ قال: لا، قال: ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجهاز، وأمر أهلَه أن يجهزوه، ثم أعلم الناسَ بأنه يريد مكة، وقال: "اللهمَّ خُذِ العُيونَ والأخبارَ عن قريش حَتَّى نَبْغَتَهُمْ في بِلادِهِمْ"، ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسفره، واستخلف على المدينة كلثومَ بنَ الحصين الغفاريَّ، فخرج لعشرٍ مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائفُ من العرب، فكان جيشُه عشرة آلاف، فصام، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، أفطر.

فخرج أبو سفيان بنُ حرب، وحكيمُ بن حزام، وبديلُ بنُ ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب قد خرج قبل ذلك بعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالجُحْفَة، وقيل: بذي الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن استأمن له، فأسلم، وأسلم معه حكيمُ بن حزام، وبديلُ بن ورقاء، وقال العباس: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعلْ له شيئًا يكون في قومه، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزامٍ فهو آمِنٌ، ومن أغلقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ".

وكان فيمن خرج ولقي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض الطريق: أبو سفيان بنُ الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بالأبواء، فأعرضَ عنهما، فجاء إليه أبو سفيان بنُ الحارث بنِ عبد المطلب، فقبل وجهه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92]، وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرًا إليه أبياتًا، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، وقال: "أنتَ طردتني كُلَّ مطرد؟ ".

وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حَسُن إسلامه، فيقال: إنه ما رفع رأسَه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلم حياءً منه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه، ويشهد له بالجنة، ويقول: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ".

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبيرَ بنَ العوام أن يدخل ببعض الناس من كدى، وأمر سعدَ بن عبادة سيدَ الخزرج أن يدخل ببعض الناس من ثنية كَداء، ثم أمر عليًا أن يأخذ الرايةَ منه، فيدخل بها؛ لما بلغه من قول سعد: اليومَ يومُ الملحَمة، اليومَ نستحلُّ الحرمة، وأمر خالدَ بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة في بعض الناس، وكلُّ هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القتال، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعةٌ من قريش، فرمَوْه بالنبل، ومنعوه من الدخول، فقاتلهم خالد، فقتلَ من المشركين ثمانيةً وعشرين رجلًا، فلما ظهر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، قال: "أَلَمْ أَنْهَهُ عَنِ القِتَالِ؟ ! "، فقالوا له: إن خالدًا قوتل فقاتل، وقُتل من المسلمين رجلان.

وكان فتح مكة يوم الجمعة، لعشر بقين من رمضان، ودخل رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومَلَكَها عنوةً بالسيف، وإلى ذلك ذهبَ الشافعيُّ، وهو الصحيحُ من مذهب أحمد بن حنبل - رضي الله عنهما -، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إنها فتُحت صُلْحًا، والله أعلم.

ولما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، كان على الكعبة ثلاثُ مئة وستون صنمًا، قد شدَّ لهم إبليسُ أقدامَها بالرصاص، فجاء ومعه قضيبٌ، فجعل يومي إلى كل صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، حتى مرَّ عليها كلها.

وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وَحْشِيُّ بنُ حربٍ قاتلُ حمزةَ - رضي الله عنه -، وهو يقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَحْشِيُّ؟ "، فقال: نعم، قال: "أَخْبِرْني كيفَ قتلتَ عَمِّي"، فأخبره، فبكى، وقال: "غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي".

ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، كانت عليه عِمامةٌ سوداءُ، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إلهَ إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه".

ثم قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ "، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"، فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الله تعالى أمكَنَه منهم، وكانوا له فيئًا، فبذلك سمي أهل مكة: الطلقاء.

ولما اطمأن الناس، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطواف، فطاف بالبيت سبعًا على راحلته، واستلم الركن بِمحْجَنٍ كان بيده ، ودخل الكعبة، ورأى فيها الشخوصَ، على صورة الملائكة، وصورةَ إبراهيم، وفي يده الأزلامُ يستقسمُ بها، فقال: "قاتَلَهُمُ اللهُ! جَعَلُوا شَيْخَنا يَسْتَقْسِمُ بالأَزْلامِ، ما شَأْنُ إِبراهيمَ وَالأَزْلام"، ثم أمر بتلك الصور فطُمست، وصلَّى بالبيت.

ثم جلس - صلى الله عليه وسلم - على الصفا، واجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء.

وأهدر دمَ ستة رجالٍ، وأربعِ نسوةٍ:

فأولهم: عكرمةُ بن أبي جهل، ثم استأمنت له زوجتُه أمُّ حكيم، فآمنه، فقدم عكرمةُ، وأسلمَ.

ثانيهم: هَبَّارُ بن الأَسود.

ثالثهم: عبدُ الله بن سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، وكان أخا عثمانَ بن عفان من الرضاعة، فأتى عثمانُ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وسأله فيه، فصمتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - طويلًا، ثم آمنه، فأسلم، وقال لأصحابه: "إنما صَمَتُّ لِيَقُومَ أَحَدُكُمْ فَيَقْتُلَهُ"، فقالوا: هلاَّ أومأت إلينا، فقال لهم: "إنَّ الأنبياءَ لا تَكُون لهم خائِنَةُ الأَعْيُنِ" ، - وكان عبدُ الله المذكورُ قد أسلم من قبل الفتح، وكتبَ الوحي، فكان يبدِّلُ القرآنَ، ثم ارتدَّ - وعاش إلى خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وولاه عثمانُ مصرَ.

 

ورابعُهم: مِقْيَسُ بنُ صبابةَ؛ لقتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه خطأ، وارتدَّ.

وخامسهم: عبد الله بن هلال، كان قد أسلم، ثم قتل مسلمًا، وارتدَّ.

وسادسهم: الحويرث بنُ نُفيل، كان يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويهجوه، فلقيه علي بن أبي طالب، فقتله.

وأما النساء، فأولهن: هندٌ زوجُ أبي سفيان، أمُّ معاوية، التي أكلت من كبد حمزة، تنكَّرت مع نساء قريش، وبايعتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما عرفَها، قالت: أنا هند، فاعفُ عما سلف، فعفا.

ولما جاء وقتُ الظهر يومَ الفتح، أذّن بلالٌ على ظهر الكعبة، وقال الحارث بن هشام: ليتني مِتُّ قبل هذا.

وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبي، فلم يرَ هذا اليوم، فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكر لهم ما قالوه، فقال الحارث بن هشام: أشهدُ أنك رسول الله، ما اطَّلع على هذا أحد، فنقول: أخبركَ.

ومن النساء المهدَرات الدمِ: سارةُ مولاة بني هاشم.

وقام علي - رضي الله عنه -، ومفتاحُ الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية، صلَّى الله عليك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أينَ عثمانُ بنُ طلحَة؟ "، فدعي له، قال: "هاكَ مفتاحَكَ، يا عثمانُ، اليومَ يومُ بِرٍّ ووَفاءٍ"، قال: "خُذُوها تَالِدَةً خَالِدَةً، لا يَنْزِعُها منكُمْ إِلَّا ظالمٌ، يا عثمانُ! إنَّ الله اسْتَأْمَنَكُمْ على بَيْتِهِ، فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إليكُمْ من هَذَا البيتِ بالمعروفِ".

 إسلام فضالة:

إن فضالةَ بنَ عُمير بن الملوح، أراد قتلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يطوف بالبيت، عامَ الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَفَضالَةُ؟ "، قال: نعم، فضالةُ يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ماذا كُنْتَ تحدّثُ به نَفْسَكَ؟ "، قال: لا شيء، كنت أذكر الله تعالى، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "اسْتَغْفِرِ الله"، ووضع يده على صدره، فسكن قلبُه، قال فضالة: والله! ما رفع يدَه عن صدري، حتى ما خلقَ الله تعالى شيئًا أحبَّ إلى منه.

وبثّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - السرايا إلى الأصنام التي حول مكة، فكسرها، منها: العُزَّى، ومَناةُ، وسُواعٌ، وبوانةُ، وذو الكفين، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يَدعْ في بيته صنمًا إلا كسره.

لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، بعث سرايا حول مكة إلى الناس، يدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال.

 ذكر غزوة هوازن بحنين:

وكانت في شوال سنة ثمان، وحُنَيْنٌ: وادٍ بينه وبين مكة ثلاثة أميال، لما فتحت مكة، تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومقدَّمُهم مالكُ بن عوفٍ النصري، وانضمت إليه ثقيف، وهم أهل الطائف، وبنو سعد بن بكر، وهم الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتضعًا عندهم، وحضر مع بني جشم دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة، وهو شيخ كبير قد جاوز المئة، وليس يراد منه غيرُ التيمن برأيه، وقال رجزًا:

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ

ولما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باجتماعهم، خرج من مكة لستِّ ليال خلون من شوال سنة ثمان، وكان يقصر الصلاة بمكة، من يوم الفتح إلى غزوة هوازن، وخرج اثنا عشر ألفًا، ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف كانت معه، وكان صفوان بن أمية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو كافر لم يُسلم، سأل أن يُمْهَلَ بالإسلام شهرين، وأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، واستعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه مئة درع في هذه الغزوة.

وحضرها - أيضًا -: جماعة كثيرة من المشركين، وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين، والمشركون بأوطاس، فقال دريد ابن الصمة: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعمَ مجالُ الخيل، لا حَزْنٌ ضرس، ولا سهلٌ دهس، وركب النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلته دُلدل، وقال رجل من المسلمين لما رأى كثرة [مَنْ مع] النبي - صلى الله عليه وسلم -: لن يُغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25].

ولما التقوا، انكشف المسلمون، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، ولما انهزم المسلمون، أظهر أهلُ مكة ما في نفوسهم من العقد، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دونَ البحر، وكانت الأزلامُ معه في كنانته.

وصرخ كلدةُ: الآن بطل السحر، وكلدة أخو صفوان بن أمية لأمه، وكان صفوان حينئذ مشركًا، فقال صفوان: اسكتْ فَضَّ الله فاك، والله! لأنْ يَرُبَّني رجلٌ من قريش، أحبُّ إلى أن يَرُبَّني رجل من هوازن.

واستمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابتًا، وتراجع المسلمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبغلته دلدل: "البدي"، فوضعت بطنَها على الأرض، وأخذ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حفنةَ تراب، فرمى بها في وجه المشركين، فكانت الهزيمة، ونصر الله المسلمين، واتبع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم، وكان في السبي: الشيماءُ بنتُ الحارث، وأمها حليمةُ السعدية، وكانت أختَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاع، فعرَّفته بذلك، وأرتْه العلامة، وهي عضَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظهرها، فعرفها، وبسط لها رداءه، وزَوَّدها، وردَّها إلى قومها، حسبما سألت.

 ذكر حصار الطائف:

ولما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، سار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فأغلقوا باب مدينتهم، وحاصرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نيفًا وعشرين يومًا، وقاتلهم بالمنجنيق، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع أعناب بني ثقيف، فقطعت، ثم أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل، فرحل عنهم، حتى نزل بالجِعرانة، وكان قد ترك بها غنائم هوازن.

وأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض هوازن، ودخلوا عليه، فردَّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، وردَّ الناس أبناءهم ونساءهم، ثم لحق مالكُ ابنُ عوف مقدَّمُ هوازنَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأسلمَ، وحسن إسلامه، واستعمله رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على قومه، وعلى مَنْ أسلم من تلك القبائل.

وكان عدة السبي: ستة آلاف رأس أطلقه رسول الله، وكانت عدة الإبل: أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية.

وأعطى المؤلَّفة قلوبُهم مثلَ أبي سفيان، وابنيه: يزيد، ومعاوية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وصفوان بن أمية، وهؤلاء من قريش، وأعطى الأقرعَ بنَ حابس التميميَّ، وعُيينة بنَ حصن بنِ حذيفةَ بنِ بدر الفزاريَّ ، ومالكَ بنَ عوف مقدَّمَ هوازن، وأمثالهم، فأعطى لكل واحد من الأشراف مئةً من الإبل، وأعطى الآخرين أربعين أربعين، وأعطى للعباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضَها، وقال في ذلك من أبيات:

فَأَصْبَحَ نهْبِي وَنَهْبُ العُبَيْـ ... ـد بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ

وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلاَ حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ

وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ

فروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ"، فأُعطي حتى رضي.

لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغنائم، لم يعطِ الأنصار شيئًا، فوجدوا في أنفسهم، فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ في لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَلَّفْتُ بِها قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ؟ ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالبَعِير وَالشَّاةِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى رِحَالِكُمْ؟ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْلاَ الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ".

فبكى القومُ حتى اخضلَّت لِحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قسمًا وحظًّا.

ثم اعتمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عَتَّابَ بنَ أسيدِ بنِ أبي العيصِ بنِ أمية، وهو شابٌّ لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه مُعاذَ بنَ جبل يُفَقِّه الناسَ، وحجَّ بالناس في هذه السنة عتابٌ، على ما كانت العرب تحجُّ.

 وفي سنة ثمان: ولد إبراهيم ابنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من مارية القبطية، وفي السنة المذكورة مات حاتم الطائي، وكان يضرب بجوده المثل، وكرمه، وكان من الشعراء المجيدين.

 السنة التاسعة من الهجرة

 وفيها: ترادفت وفود العرب على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة: فممَّن ورد عليه: عُروة بن مسعود الثقفي: سيدُ ثقيف، وأسلم، وحسن إسلامه، ومضى إلى الطائف، ودعاهم على الإسلام، فرماه أحدُهم بسهم، فمات - رحمه الله -.

ووفد كعبُ بنُ زهير بن أبي سُلْمى بعد أن كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أهدرَ دمَه، ومدحَه بقصيدته المشهورة، وهي:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ

وأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بُرْدَته، فلما كان زمنُ معاوية، أرسل إلى كعب: أن بِعْنا بردةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما كنتُ لأُوثرَ بثوبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا، فلما مات كعب، اشتراها معاوية من أولاده بعشرة آلاف درهم.

ونقل صاحب حماة: أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر.

 ذكر غزوة تبوك:

وفي رجب سنة تسع، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتجهيز لغزو الروم، وأعلم الناسَ مقصدَهم؛ لبعد الطريق، وقوة العدو، وكان قبل ذلك إذا أراد غزوة، وَرَّى بغيرها، وكان الحر شديدًا، والبلاد مُجدبة، والناس في عُسرة، ولذلك سُمي ذلك الجيش: جيشَ العُسرة، وكانت الثمار قد طابت، فأحبَّ الناسُ المقامَ في ثمارهم، فتجهزوا على كُره، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالنفقة، فأنفق أبو بكر جميعَ ماله، وأنفق عثمان نفقة عظيمة، وروي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَضُرُّ عُثْمانَ ما صَنَعَ بعدَ اليومِ".

وتخلف عبد الله بن أُبيٍّ المنافقُ، ومَنْ تبعه من أهل النفاق، وتخلف ثلاثة من الأنصار، وهم: كعبُ بن مالك، ومُرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ ابنُ أمية، واستخلف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أهله عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فأرجفَ به المنافقون، وقالوا: ما خفَفه إلَّا استثقالًا له، فلما سمع عليٌّ بذلك، أخذ سلاحه، ولحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره بما قال المنافقون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"كَذَبوا، وإنما خَلَّفْتُكَ لِما ورائي، فارْجِعْ فاخْلُفْني في أَهْلي، أَما تَرْضَى أَنْ تَكونَ مِنِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلَّا أَنَّهُ لا نبِيَّ بَعْدِي".

وكان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثون ألفًا، فكانت الخيل عشرة آلاف فرس، ولَقُوا في الطريق شدة عظيمة من العطش والحر، ولما وصلوا إلى الحِجْر، وهي أرضُ ثمودَ، نهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ورود ذلك الماء، وأمرهم أن يهريقوا ما استَقَوه من مائه، وأن يطعموا العجين الذي عُجن بذلك الماء الإبلَ.

ووصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوكَ، وأقام بها عشرين ليلة، وقَدِم عليه بها يوحنا صاحبُ أَيْلَة، فصالحه على الجزية، فبلغت جزيتُهم ثلاثَ مئةِ دينار، وصالح أهلَ أذرح على مئة دينار في كل رجب، وأرسل خالدَ بنَ الوليد إلى أُكيْدِر بنِ عبد الملك، صاحبِ دومة الجندل، وكان نصرانيًا من كِنْدةَ، فأخذه خالد، وقتل أخاه، وأخذ منه خالدٌ قباء ديباج مخوصٍ بالذهب، فأرسله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل المسلمون يتعجَّبون منه، وقدم خالدٌ بأُكيدر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحقن دمه، وصالحه على الجزية، وخلَّى سبيله.

ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بعد ما أقام بتبوك بضعَ عشرةَ ليلة، لم يجاوزها، ولم تقدم عليه الروم والعرب المتنصرة.

ولما عاد إلى المدينة، وكان قد تخلَّف عنه رهط من المنافقين، فأتوه يحلفون له، ويعتذرون، فصفح عنهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرجأَ أمرَ كعبٍ وصاحبيه إلى الله تعالى حتى انزل الله توبتهم .

ذكر حَجِّ أبي بكر - رضي الله عنه - بالناس:

وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - في سنة تسع ليحجَّ بالناس، ومعه عشرون بَدَنَةٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه ثلاثُ مئة رجل، فلما كان بذي الحُلَيفة، أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليَّ بنَ أبي طالب - رضي الله عنه -، وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس، وأن ينادي: أن لا يطوف بالبيت بعدَ السنة عُرْيان، ولا يحجَّ مشركٌ، فعاد أبو بكر، وقال: يا رسول الله! أَنَزلَ فيَّ شيء؟ قال: "لا، ولكنْ لا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، أَلا تَرْضَى يا أَبا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي في الغارِ، وصَاحِبي عَلَى الحَوْضِ؟ "، قال: بلى. فسار أبو بكر - رضي الله عنه - أميرًا على الموسم، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يؤذِّنُ ب "براءةَ" يومَ الأضحى، وأن لا يحجّ بالبيت مشركٌ، ولا يطوف عُرْيان.

 وفي هذه السنة: تُوفي ذو البِجادَينْ عبدُ الله المُزَنيُّ في غَزاة تبوكَ، وتولى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - دفنه، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفرته، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يُدَلِّيانه إليه، وهو يقول: "أَدْليا لي أَخاكُما"، فَدَلَّياه إليه، فلما هيَّأه لِشِقِّه، قال: "اللهمَّ إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ، فارضَ عَنْهُ".

وفيها: هلَكَ رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أُبي [ابنُ] سلول في ذي القعدة، وكُفِّن في قميص النبي - صلى الله عليه وسلم - بسؤال ولدِه عبدِ الله، وجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في صدره، فتبسَّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "أَخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، قَدْ خُيِّرْتُ، فَاخْتَرْتُ، قد قيل: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، ولو أعَلُم أَنِّى إن زِدْتُ على السبعينَ غُفِرَ له، لزدْتُ"، ثم صلى عليه، وقام على قبره حتى فرغ منه، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]، الآية (1)، وكان ابنه عبدُ الله من خِيار الصحابة.

السنة العاشرة من الهجرة

 فيها: جاءت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وفودُ العَرَب قاطبةً، ودخل الناس في الدين أفواجًا، كما قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر 1: 3].

 وأسلم أهل اليمن، وملوكُ حِمْيَر، وبعَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليَّ بنَ أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى اليمن، فسار إليها، وقرأ كتابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلُّها في يوم واحد، وكُتِب بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم تتابع أهلُ اليمن على الإسلام، وكُتِب بذلك إلى رسول الله، فسجد شكرًا لله تعالى، ثم أمر عليا بأخذ صدقات نجرانَ وجِزْيتهم، ففعل، وعاد، فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة في حجة الوداع.

 وقدم عليه عامر بن الطفيل، وأَرْبَدُ بنُ قيس، وجبار بنُ سلمى ابنِ مالكِ بنِ جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء بني عامر وشياطينهم، فقدم عامرُ بن الطفيل - عدوُّ الله - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يريد الغدرَ به، ثم قال لأَرْبَدَ: إذا قدِمْنا على الرَّجُل، فإني شاغلٌ عنك وجهَهُ، فإذا فعلتُ ذلك، فَاعْلُه بالسيف، فلمَّا قَدِموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عامر ابن الطفيل: خالني يا محمد، قال: "لا وَاللهِ حَتَّى تُؤْمِنَ باللهِ وَحْدَهُ"، وكرَّرَها مِرارًا، وهو ينتظر من أَرْبدَ ما كان أَمَرَه به، فجعل أَرْبَدُ لا يتحرك بشيء، فلما أبى عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عامر: أما والله! لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا، فلما ولَّى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهمَّ اكْفِني عامِرَ ابْنَ الطُّفَيْلِ".

وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله تعالى، وخرج أَرْبَدُ ومعه جَمَلٌ له يبيعُه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جَمَلِه صاعقة، فأحرقتهما.

وقدم عليه الجارودُ بنُ بِشْرِ بنِ المعلَّى في وفد عبدِ القيس، وكان نصرانيًا، فأسلم، وأسلم أصحابه.

 وقدم وفدُ بني حنيفة، ومعهم مسيلمة الكذاب، فأتوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا، ذكروا مكانه، وأخبروا أنهم خلَّفوه يحفظ ركابهم، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما أمر للقوم، فلما انتهى إلى اليمامة، ارتدَّ عدُّو الله، وتنبأ، وقال: إني أُشرِكْتُ معه في الأمر، وجعك يسجَعُ لهم، ويضاهي القرآن، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنذكر خبره - إن شاء الله تعالى -.

 وقدم عليه زيدُ الخيل بنُ مهلهل الطائيُّ في وفد طَيّ، وهو سيدُهم، فأسلموا، وحَسُنَ إسلامُهم، ثم سمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: زيد الخير.

 وقدم عليه عديّ بن حاتم، فأسلم.

 وقدم عليه عَمْرُو بن مَعْد يكَرِبَ الزَّبِيدِيُّ في أناس من زَبيد، فأسلم، وأسلم قيس بعد ذلك، وله ذكر في الصحابة، وكان شجاعًا فارسًا شاعرًا، والله أعلم.

 وقدم فروة بن مُسَيك، فأسلم هو وقومُه، وكذلك الأشعثُ بنُ قيس الكنديُّ، فأسلم، وكان رئيسا مطاعًا في الجاهلية، وجيهًا في قومه في الإسلام.

 وقدم عليه وفد همدان، وفيهم مالك بن نمط، فأسلموا، وكان مالك بن نمط شاعرًا محسنًا.

وتتابعت وفودُ العرب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفشا الإسلام في جميع القبائل.

 ذكر حجة الوداع:

خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجًّا، لخمسٍ بَقِين من ذي القعدة، وقد اختلف في حجه، هل كان قِرانًا، أم تمتعًا، أم إفرادًا؟ والأظهرُ الذي اشتهر: أنه كان قارنًا.

وحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، ولقي عليَّ بنَ أبي طالب - رضي الله عنه - محْرِمًا، فقال: "حِلَّ كَما حَلَّ أَصْحابُكَ"، فقال: إني أهللت بما أهلَّ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، فبقي على إحرامه.

ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الهَدْيَ عنه، وعلّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ مناسكَ الحجِّ والسنن، ونزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فبكى أبو بكر - رضي الله عنه - لما سمعها، وكأنه استشعرَ أنْ ليس بعد الكمال إلا النقصانُ، وأنه قد نُعيت إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نفسُه.

وخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ بعرفةَ خطبة بَيَّن فيها الأحكامَ، منها: "أَيُّها النَّاسُ! إنَّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الكُفْرِ، وَإِنَّ الزَّمانَ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا"، وتمم حجَّه.

وسُميت حجَّةَ الوداع؛ لأنه لم يحجَّ بعدها.

ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وأقام بها حتى خرجت السنة.

 

 السنة الحادية عشرة من الهجرة

دخلَتْ والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وكان قد قدم من حجة الوداع، وأقام بها حتى خرجت سنة عشر، والمحرَّم، ومعظمُ صفر، من سنة إحدى عشرة.

 ذكر مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووفاته:

ولما استكمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدى عمره، بعد أن قام لله بأمره؛ بإظهار الدين ونشره، والاشتمال على طاعة الله وبره، وهو مؤيَّد بالفتح المبين، والنصر والتمكئن، نقله الله إلى دار كرامته، وأدناه بعد أن أعلمه - فيما أنزل عليه - أنه قادم عليه، وصائر إليه، فعهد إلى الناس، وودَّعهم، وحذّرهم وبشَّرهم، ونصحهم وعلَّمهم، ووصّاهم وأنذرهم.

ابتدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضُه الذي مات فيه، يومَ الأربعاء، لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونةَ، ثم انتقل حين اشتدَّ وجعُه إلى بيت عائشة رضي الله عنها.

ثم غمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واشتد به وجعُه.

وقال ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا - صلى الله عليه وسلم - نفسَه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق، جمعنَا في بيت عائشة رضي الله عنها، فنظر إلينا، وشدد، ودمعت عيناه، وقال: "مَرْحَبًا بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللهُ، رَحِمَكُمُ اللهُ، آواكُمُ اللهُ، حَفِظَكُمُ اللهُ، رَفَعَكُمُ اللهُ، نَفَعَكُمُ اللهُ، وَفَّقَكُمُ اللهُ، سَلَّمَكُمُ اللهُ، قَبِلَكُمُ اللهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَأُوصِي اللهَ بِكُمْ، وأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ، وَأُحَذّرُكُمُ اللهَ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، أَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ في عِبادِهِ وَبِلَادِهِ؛ فَإِنَّه قَالَ لي وَلَكُمْ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، دَنَا الفِرَاقُ، وَالمنَقَلبُ إِلَى اللهِ، إلَى جَنَّةِ المأْوَى، وإِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَإِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَالكَأْسِ الأَوْفَى، وَالعَيْشِ الأَهْنَى".

ولما ثَقُل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاءه بلال ليؤْذِنَه بالصلاة، فقال: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسولَ الله! إن أبا بكر رجلٌ أَسيفٌ، وإن يقمْ مقامَك لا يُسْمعِ الناسَ، فلو أمرتَ عمرَ، قال: "مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فقالت عائشة لحفصة: قولي له، فقالت له حفصة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامَك، لا يُسمعِ الناسَ، فلو أمرت عمر، فقال: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بالنَّاسِ"، فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة، وجد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خِفَّة، فقام يتهادى بين رجُلين، ورجلاه تَخُطَّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر - رضي الله عنه - حِسَّه، ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنْ قمْ كما أنت، وجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس قاعدًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.

وكان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعةُ دنانير، وضعَها عند عائشة، فلما كان في مرضه، قال: "يا عائِشَةُ! ابْعَثِي بالذَّهَبِ إِلَى عَلِيٍّ"، ثم أُغمي عليه، وشغل عائشةَ ما به، حتى قال ذلك ثلاثَ مرات، كل ذلك يُغمى عليه، ويشغل عائشة ما به، فبعثت به إلى عليٍّ، فتصدق به.

ثم أمسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ الاثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة رضي الله عنها إلى امرأة من النساء بمصباحها، فقالت: انظري لنا في مصباحنا من عُكَك السمن؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمسى في جديد الموت.

وأقبلت فاطمةُ رضي الله عنها كأنَّ مشيتَها مشيةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "مَرْحَبا يا ابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثًا، فبكت، قالت عائشة: فقلت: استَخَصَّك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بحديثه، ثم تبكين! ثم أسرّ إليها حديثًا، فضحكت، فقالت: ما رأيتُ كاليومِ فرحًا أقربَ من حزن، فسألتها عما قال لها؟ قالت: ما كنتُ لأُفشيَ سِرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا قُبض، سألتها، قالت: إنه أَسَرَّ إليَّ، فقال: "إنَّ جِبريلَ كانَ يُعارضُني بِالقرآنِ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عارَضَني بهِ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أولُ لحوقٍ بي، ونِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ"، فبكيت لذلك، ثم قال: "أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُوني سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ - أَوْ: نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ -؟ "، فضحكتُ لذلك.

وتوفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاءت التعزيةُ، يسمعون الصوتَ، ولا يرون الشخص: السلامُ عليكم يا أهلَ البيت ورحمةُ الله وبركاته، كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، وإنما توفَّون أُجورَكم يوم القيامة، إنَّ في الله - عَزَّ وَجَلَّ - عزاء من كل مصيبة، وخَلَفًا من كل هالك، ودَرَكًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصابُ من حُرِم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكان من وصيته عند الموت: "الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانكُمْ"، حتى جعل يتغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه.

وكانت وفاته - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين، نصف النهار لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وولد يوم الاثنين وقدم المدينةَ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين.

وأخرجت عائشة رضي الله عنها كساءً جليدًا، وكساءً غليظًا، فقالت: قُبِض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين.

ولما مات، قالت فاطمة رضي الله عنها: يا أبتاه! أجاب رَبًّا دعاه، يا أبتاه! في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريلَ أنعاه.

فلما دُفِن، قالت: يا أَنس! أطابتْ نفوسُكم أن تَحْثُوا على نبيكم التراب؟ !.

وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاث وستين، وروي: خمس وستين، وروي: ستين، ونزل عليه جبريل - عليه السلام - أربعة وعشرين ألف مرّة.

ولما توفي، دهش الناس، وطاشت عقولهم، واختلفت أحوالهم في ذلك.

ولما قبض الله نبيه، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: من قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات، عَلَوْتُ رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء، فقرأ أبو بكر - رضي الله عنه -: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]، فرجع القومُ إلى قوله ، وبادروا إلى سَقيفة بني ساعِدَة، فبايع عُمَرُ أبا بكر، ثم بايعه الناسُ، خلا جماعةً.

وغسَّله - عليه السلام - عليٌّ، والعباس، وابناه: الفضل، وقُثَم، ومولياه: أسامة، وشقران، وحضرهم أوسُ بن خولي الأنصاري.

وكفن - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بِيضٍ سحوليةٍ، ليس منها قميص ولا عمامة.

وصلى عليه المسلمون أفرادًا، لم يؤمَّهم أحدٌ، وفُرِش تحتَه قَطيفةٌ حمراءُ كان يتغطى بها، ودخل قبرَه العباسُ، وعلي، والفضل، وقُثم، وشقران، وأُطبِقَ عليه تسعُ لَبِنات.

ودُفِن في الموضع الذي توفَّاه الله تعالى فيه، حُوِّلَ فراشُه، وغسَّلوه وعليه قميصُه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلُكونه والقميصُ دون أيديهم، فأسندَه عليٌّ إلى صدره، والعباسُ والفضلُ وقُثم يقلبونه معه، وأسامةُ وشقرانُ يصبون الماء، وعليٌّ يغسله بيده.

واختلفوا في موضع دفنه، هل يكون في مسجده، أو مع أصحابه؟ فقال أبو بكر: ادفنوه في الموضع الذي قُبِض فيه، فإن الله تعالى لم يقبض روحَه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه قد صدق.

ولما فرغ من جهازه يوم الثلاثاء، - وكانت وفاته يوم الاثنين كما ذكرنا -، قال علي: لقد سمعنا همهمة، ولم نر شخصًا، سمعنا هاتفًا يقول: ادخُلوا - رحمكم الله -، فصلُّوا على نبيكم، ثم دفن من وسط الليل، ليلة الأربعاء، وهو الأصح.

وكانت مدة مرض موتة ثلاثَ عشرةَ ليلة.

وقال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: لَمَّا كان اليوم الذي دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعني: المدينة -، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلمَ منها كل شيء.

وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَنَا فَرَطٌ لأُمَّتي، لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي".

ورثاه جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وفاطمة، وعمَّتُه صفية - رضي الله عنهم أجمعين -.

وحفر له أبو طلحة الأنصاريُّ - رضي الله عنه -.

 

صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلَّم.



ثانياً: تعريف بشمائل الرسول صلى الله علية وسلم .

صفاته الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة صلى الله عليه وسلم

[من صفاته الخَلْقيَّة صلى الله عليه وسلم]

كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية  وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمُّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه. وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

 

 

[من صفاته الخَلْقيَّة صلى الله عليه وسلم]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن (.) ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق (.) ولا بالأدم (.) ولا بالجعد القطط (.) ولا بالسَّبط (.) صلى الله عليه وسلم (.) وكان ضخم القدمين حسن الوجه  أبيض مليح الوجه  وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين (.) ضخم الرأس، ضخم الكراديس (.) طويل المَسْربة (.) إذ مشى تكفَّأَ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ (.) لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرِّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: «عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر». وقال: «إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر» وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: «شيَّبتني هود وأخواتها»، وفي لفظ: «شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت» وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبُّ لبس القميص، والحَبِرَة (.) وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه  وكان يحب الطيب، ويقول: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه».

_________

(.) الأمهق: أي ليس بالأبيض شديد البياض، وإنما أبيض مشرب بالحمرة.

(.) البائن: أي ليس بالطويل الطول الظاهر.

(.) الأدم: الأسمر.

(.) القطط: الشعر فيه التواء وانقباض.

(.) السبط: الشعر المسترسل.

 (.) شثن الكفين والقدمين : عظيم الأصابع غليظها من الكفين والقدمين.

(.) الكراديس: رؤوس العظام.

(.) المَسرَبة: الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة.

(.) الصبب: انخفاض من الأرض.

(.) الحَبِرَة: ثياب من نوع بُرُود اليمن، والبُرد: ثوب مخطط، ومحبّرة مزينة.


 

[من سيرته صلى الله عليه وسلم]

وكان صلى الله عليه وسلم يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبُّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك  وكان يُحِبُّ السِّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة

الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبُّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئًا عُرِف في وجهه، وكان يُحِبُّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكِّلين، قال أنس رضي الله عنه: «خَدَمْتُ النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِمَّها إلا قال: لو قُضِيَ لكان، أو: لو قُدِّر لكان» ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام  ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاَّ رعاها  وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة.

وله صلى الله عليه وسلم أسماء، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا

الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي (.) وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي».

وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي (.) والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» وكنيته أبو القاسم  بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق.

وذكر الله تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، وقال سبحانه: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وقال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 2]، وقال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29]، وقال جل وعلا في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

_________

(.) أي يحشر الناس على أثره، النهاية.

 (.) المقفّي: الذي قفى آثار من سبقه من الأنبياء {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا ... }. [انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/ 94].


وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسمًا، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه (.) قال جرير رضي الله عنه: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: اللهم ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا»  ويمزح ولا يقول إلا حقًّا، ولا يجفو أحدًا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثًا خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثًا إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع الله له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضًا، وكان يأمر بالرفق ويحثُّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غبًا، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس (.) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته.

ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، «وخدمه أنس رضي الله عنه عشر سنين، قال: فما قال لي أُفٍّ قط، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ولامسست خزًّا، ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم». ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخَّابًا (.) ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.

_________

(.) النواجذ: الأنياب، وقيل: [هي الضواحك التي تبدو عند الضحك]

(.) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة.

(.) الصّخَّاب: الصخب والسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام، فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يكن صخَّاباً في الأسواق ولا في غيرها.


[كمال الأخلاق ومحاسن الشيم]

وقد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا من العالمين، وهو أُمٌّي لا يقرأ

ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، واختاره الله على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن .

فينبغي الاقتداء به صلى الله عليه وسلم والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجده واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصًّا به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يَملُّ حتى تملُّوا  " ؛ ولقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم».


اجتهاده في عبادته وجهاده صلى الله عليه وسلم

[كان أسوة لكل مسلم]

1 - كان صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة وإمامًا يُقتدى به؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]؛ ولهذا «كان صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تفطَّرت قدماه وانتفخت وورمت، فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا».

[صلاته صلى الله عليه وسلم]

2 - وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة  وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة  وربما صلاها عشر ركعات  وكان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله  وكان يطيل صلاة الليل فربما صلى بما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة  فكان ورده من الصلاة كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة.

[صومه صلى الله عليه وسلم]

3 - وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر  ويتحرَّى صيام الاثنين والخميس وكان يصوم شعبان إلا قليلًا، بل كان يصومه كله  ورغَّب في صيام ست من شوال وكان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم  وما استكمل شهرًا غير رمضان إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء وروي عنه صوم تسع ذي الحجة وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه صلى الله عليه وسلم ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه  وهذا على الصحيح: ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة»  وقال: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة».

[صدقته صلى الله عليه وسلم]

4 - وكان يكثر الصدقة، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة  فكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس  وأرحم الناس وأعظمهم تواضعًا، وعدلًا، وصبرًا، ورفقًا، وأناة، وعفوًا، وحلمًا، وحياءً، وثباتًا على الحق.

[جهاده صلى الله عليه وسلم]

5 - وجاهد صلى الله عليه وسلم في جميع ميادين الجهاد: جهاد النفس وله أربع مراتب: جهادها على تعلم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاق الدعوة، وجهاد الشيطان وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يلقي من الشهوات، وجهاد الكفار وله أربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، واليد. وجهاد أصحاب الظلم وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من

الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كمَّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا. وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عدد غزواته التي قادها بنفسه سبعاًٍ وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها، أما المعارك التي أرسل جيشها ولم يقدها فيقال لها سرايا فقد بلغت ستًا وخمسين سرية .

[حسن معاملته صلى الله عليه وسلم]

6 - وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفًا قضى خيرًا منه؛ ولهذا «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرًا فأغلظ له في القول، فَهَّم به أصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، فقالوا: يا رسول الله: لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنِّه فقال صلى الله عليه وسلم:

أعطوه، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إن خير عباد الله أحسنهم قضاءً». «واشترى من جابر بن عبد الله رضي الله عنه بعيرًا، فلما جاء جابر بالبعير قال له صلى الله عليه وسلم: أتراني ماكستك؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: خذ الجمل والثمن».

[خلقه صلى الله عليه وسلم]

7 - وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقًا؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن» ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

[زهده صلى الله عليه وسلم]

8 - وكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم «أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال رسول الله: لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها». «وقال: لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهبًا ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض». والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم ؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير». وقالت: «ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أُكلتين في يوم إلا إحداهما تمر». «وقالت: إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء». والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فراشُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدَم وحشوُهُ ليفٌ». ومع هذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا» والقوت: هو ما يقوت البدن من غير إسراف وهو معنى الرواية الأخرى عند مسلم "كفافاً" ويكف عن الحاجة، وقال أهل اللغة: القوت: هو ما يسد الرمق، وفي الكفاف سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً والله أعلم.

[ورعه صلى الله عليه وسلم]

9 - وكان صلى الله عليه وسلم من أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فَأُلقيها». «وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟».

 [توسطه صلى الله عليه وسلم]

10 - ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل»، وكان آلُ محمد صلى الله عليه وسلم إذا عَمِلُوا عملًا أثبتوه. «وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة داوم عليها». «وقد تقالَّ عبادة النبي صلى الله عليه وسلم نفر من أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا

أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد «كان صلى الله عليه وسلم يقول: سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا».

«وكان يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». ويقول: «اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك».

وخلاصة القول :

1 - إن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة كل مسلم صادق مع الله تعالى في كل أموره؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

2 - إن النبي أحسن الناس خَلْقًا، وخُلُقًا صلى الله عليه وسلم.


النبي الكريم صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

أولًا: عموم رحمته صلى الله عليه وسلم للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان:

قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالمؤمنون به صلى الله عليه وسلم قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف).

قال الإمام الطبري رحمه الله: (أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن الله أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم: مؤمنهم

وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله).

ومما يدل على أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله! ادعُ على المشركين، قال: إني لم أُبعث لَعَّانًا وإنما بُعِثْتُ رحمةً».

وحديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي؛ فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة».


ثانيًا: الأمثلة التطبيقية وأنواعها

النوع الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم لأعدائه:

المثال الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم لأعدائه في الجهاد: وقد شملت رحمته صلى الله عليه وسلم الأعداء حتى في قتالهم ومجاهدتهم؛ فإن قوة الجهاد في سبيل الله تعالى في شريعته صلى الله عليه وسلم لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل الله - تعالى - ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصَّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفَّار برأيه قتل.

ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزُّروع والثِّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت  وقد "وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان" ؛ ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أوسريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوَّك من المشركين

فادعهم إلى ثلاث خصال. . .» ثم بيَّنها صلى الله عليه وسلم كالآتي:

(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.

(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.

(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث.

المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه صلى الله عليه وسلم:

 من أعظم الضوابط في الجهاد الوفاء بالعهد وعدم الخيانة؛ لقول الله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].

فإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز

للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فيحنئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.

ودلت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك.

ودل مفهوم الآية أيضًا أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته.

ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية - رضي الله عنه - فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية. وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله عزَّ وجل.

المثال الثالث: دفعه صلى الله عليه وسلم نزول العذاب على أعدائه:

ومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه صلى الله عليه وسلم قصَّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه الله إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: «يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت ؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الجبال: بل أرجوا أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبُد الله وحده لا يُشرك به شيئًا».

المثال الرابع: سلامة قلبه صلى الله عليه وسلم، وحُبُّه الخير لليهود وغيرهم:

ومن الأمثلة العظيمة لرحمته صلى الله عليه وسلم حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» [وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار] (1). وغير ذلك كثير.


النوع الثاني: رحمته للمؤمنين صلى الله عليه وسلم:

قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، فقد بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدَّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره.

وقال الله عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، أقرب مال للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُقدِّمَ مُراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن لا يُعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، وأن يُقدِّم محبَّته على محبَّة الناس كلهم.

وقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به»  وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالًا فهو لورثته».


النوع الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا:

1 - عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه الله عز وجل».

2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم

يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاَّ من شقي».

3 - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله».

النوع الرابع: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للصبيان:

1 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء شيخٌ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا».

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا،

النوع الخامس: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للبنات:

1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي الله فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة».

2 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن عال بنتين أو ثلاثًا، أو اختين أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (أي ينفصلن عنه بتزويج أو موت) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها».

النوع السادس: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للأيتام:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى.

2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين».

النوع السابع: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للمرأة والضعيف:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«اللهم إنِّي أُحَرِّج (أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما) حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة».

2 - وعن عامر بن الأحوص رضي الله عنه أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وذَكَّرَ ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك».

3 - وعن أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمِّ سُليْمٍ إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: «إني أرحمها، قُتل أخوها معي».

النوع الثامن: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للأرملة والمسكين:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر».

2 - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ الذِّكر، ويُقِلُّ اللَّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة».

3 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فما نزل حتى جيَّش (أي تَدَفَّقَ وجرى الماء) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر :

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمَالُ (أي غياث) اليتامى عصمة للأرامل

4 - عن أمِّ بُجيدٍ رضي الله عنها، أنها قالت: «يا رسول الله صلى الله عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيَّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» وهذا فيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمساكين وحثَّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم.


معجزاته ودلائل نبوَّته صلى الله عليه وسلم

من أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبيِّن لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس أجمعين.

ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:

(أ) منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.

(ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتًا بعد وقتٍ من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك  وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته على المطالب الآتية:

المطلب الأول: معجزات القرآن العظيم.

المطلب الثاني: معجزاته صلى الله عليه وسلم الحسية.


المطلب الأول

معجزات القرآن العظيم

المعجزة لغة: ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي .

وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلَّ على صدقه وصحة رسالته.

والفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوة النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوباً بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة)

والقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».

وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته صلى الله عليه وسلم في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص

بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدَّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيًا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.

ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيَّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.

ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله - سبحانه - معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].

ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرِّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول الله، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال صلى الله عليه وسلم: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يومَ القيامة».

والقرآن الكريم آية بيِّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله - تعالى - وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح

الله عليه به منها  وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز على النحو الآتي:

الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 33 - 34].

وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدَّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38]، فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38]، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 - 24].(1 / 284)

فقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24] أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ صلى الله عليه وسلم إلى اليوم والأمر على ذلك.

والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز ؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد صلى الله عليه وسلم بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلُّ على أن القرآن كلام الله- تعالى - الذي لا تخفى عليه خافية: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59].

والإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان.

النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله صلى الله عليه وسلم.

النوع الثالث: غيوب المستقبل: أخبر اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلَّ ذلك على أن(1 / 287)

القرآن كلام الله، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله .

 

الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامَّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرُّها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُونَ غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلُّ النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.

وهذا دليل حسي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوِّم أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام الله سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (1) قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].

وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله - تعالى - مدارها على ثلاث مصالح:

المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.

المصلحة الثانية: جلب المصالح  فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدِّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.

المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

فالقرآن الكريم حلَّ جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها .

وقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتَّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك.


معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية

معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية الخارقة للعادة كثيرة جدًا  لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، على النحو الآتي:

 

النوع الأول: المعجزات العلوية، ومنها:

1 - انشقاق القمر: وهذه من أُمَّهات معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه، «فقد سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حِراء بينهما» (1) قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ - وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: 1 - 3] الآيات.

2 - صعوده صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السماوات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].

وهذه الآية من أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم، فإنه أُسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عُرِجَ به إلى السماوات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفُرِضَت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يُصبح، فكذَّبته قريش، وطلبوا منه علامات تدلُّ على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرَ بيت المقدس قبل ذلك، فجلَّى الله له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه.

وغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته صلى الله عليه وسلم.

النوع الثاني: آيات الجوِّ:

1 - من هذه المعجزات طاعةُ السَّحاب له صلى الله عليه وسلم، بإذن الله تعالى في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه  صلى الله عليه وسلم.

2 - ومن هذا النوع نصر الله للنبي صلى الله عليه وسلم بالريح التي قال تعالى عنها: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، وهذه الريح هي ريح الصَّبَا، أرسلها على الأحزاب، قال صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكت عادٌ بالدَّبورِ»  وغير ذلك.

النوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجنِّ والبهائم:

وهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:

(أ) تصرفه في الإنس:

1 - «كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يشتكي عينيه من وجعٍ بهما، فبصقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ودعا له فبرأ، كأَنْ لم يكن به وجع».

2 - «انكسرت ساق عبد الله بن عتيك - رضي الله عنه - فمسحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنها لم تنكسر قطُّ».

3 - «أُصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك».

(ب) تصرفه في الجنِّ والشياطين:

1 - «كان صلى الله عليه وسلم يُخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: اخرج عدو الله أنا رسول الله».

2 - «أخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر عثمان بيده ثلاث مرات، وتفل في فمه، وقال: اخرج عدو الله، فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يُخالط عثمان الشيطان بعد ذلك».

(ج) تصرفه في البهائم: وقد حصل له مرارًا، ومن ذلك «أنه جاء بعير فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقُّ أن نسجد لك، فقال صلى الله عليه وسلم: اعبدوا ربَّكم، وأكرِمُوا أخاكُم، ولو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها. . .».

النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب:

(أ) تأثيره في الأشجار:

1 - «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه السَّلمة" (شجرة من شجر البادية) فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ (تشقها أخدوداً) الأرض خدًّا حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثًا، فشهدتْ ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى مَنْبَتِها».

2 - «أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر به، فأخذ بغصن شجرة وقال: "انقادي عليَّ بإذن الله"، فانقادت معه كالبعير المخشوم (الذي جعل في أنفه عوداً، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد إذا كان صعباً) حتى أتى الشجرة الأخرى، ففعل وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق. . .».

 (ب) تأثيره في الثمار: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: "إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ " فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "ارجع"، فعاد، فأسلم الأعرابي».

 (ج) تأثيره في الخشب: «كان صلى الله عليه وسلم يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقِي عليه صاحَ الجذعُ صياحَ الصبي، [وخارَ كما تخورُ البقرة، جزعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن]».

 

النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له:

(أ) تأثيره في الجبال: «صعد النبي صلى الله عليه وسلم أُحدًا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه صلى الله عليه وسلم برجله، وقال: اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصدِّيق، وشهيدان».

 (ب) تأثيره في الحجارة: وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفه الآن».

(ج) تأثيره في تراب الأرض: «عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حنين، واشتدَّ القتال، نزل عن بغلته وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: "شاهَتِ الوُجُوه"، فما خلق الله إنسانًا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم الله وقسم غنائمهم بين المسلمين».

النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار:

(أ) نبع الماء وزيادة الشراب:

هذا النوع حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مراتٍ كثيرة جدًّا  ومن ذلك:

1 - «عطش الناس في الحديبية، فوضع يده صلى الله عليه وسلم في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا وتوضؤوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة».

2 - «قدم صلى الله عليه وسلم تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغُرِفَ له منها قليلًا قليلًا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماءٍ مُنهمرٍ، وبقيت العين إلى الآن».

3 - قصة أبي هريرة - رضي الله عنه - وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام .

(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله فيه صلى الله عليه وسلم من البركة، ومن ذلك:

 1 - «كان النبي صلى الله عليه وسلم في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئًا يسيرًا فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام».

2 - «بقي الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فذبح جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عناقًا، وطحنت زوجته صاعًا من شعير، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم، فصاح النبي صلى الله عليه وسلم بأهل الخندق يدعوهم على هذا

الطعام اليسير، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وبصقَ في العجين وبارك، وبصقَ في البرمة وبارك، قال جابر - رضي الله عنهما -: وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغطُّ كما هي (تغلي ويسمع غليانها) وإن عجيننا ليخبز كما هو».

وهذا باب واسع لا يمكن حصره.

(ج) زيادة الثمار والحبوب، ومن ذلك:

1 - «جاء رجل يستطعم النبي صلى الله عليه وسلم فأطعمه شطرَ وسْقِ شعيرٍ، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو لم تكِلْهُ لأكلتم منه ولقام لكم».

2 - «كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرًا أن يكيل فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر - رضي الله عنه -: (وبقي تمري وكأنه لم ينقص منه شيء)».

النوع السابع: تأييد الله له بالملائكة:

أيد الله رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نُصرةً له ولدينه، منها على سبيل المثال:

1 - في الهجرة، قال المولى - جل وعلا -: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40].

2 - في بدر، قال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9].

3 - «في أُحدٍ، قاتل جبريل وميكائيل - عليهما السلام - عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره».

4 - في الخندق، قال الله - عز وجل -: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].

5 - في غزوة بني قُريظة، «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، فاخرُجْ

إليهم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: "إلى أين؟ " فأشار إلى بني قريظة، فخرج صلى الله عليه وسلم، ونصره الله عليهم».

6 - في حنين، قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 26].

النوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس:

هذا النوع من أعظم الآيات الدالة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

1 - كفاه الله تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 94 - 95].

2 - كفاه الله أهل الكتاب، قال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137].

3 - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

وهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكلٌّ من هذه الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر الله - تعالى - فقد كفاه الله أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.

ومن ذلك: «أن رجلًا نصرانيًّا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتدَّ وعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدْري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذًا على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذًا».

النوع التاسع: إجابة دعواته صلى الله عليه وسلم:

الأدعية التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم وشُوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدًّا، لا تُحصر ولا يتَّسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:

1 - «قال صلى الله عليه وسلم لأنس - رضي الله عنه -: اللهم أكثر ماله وولده،

وبارك له فيما أعطيته»  «[وأطل حياته واغفر له]» «قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم» (3) «[وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفِنَ لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة]».

«وكان له - رضي الله عنه - بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك».

2 - ودعا صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورًا، وأسلمت وقصَّتها عجيبة جدًّا.

3 - «وقال صلى الله عليه وسلم لعروة بن أبي الجعد البارقي: "اللهم بارك له في صفقة يمينه"، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفًا قبل أن يرجع إلى أهله  [وكان لو اشترى التراب لربح فيه]».

4 - ودعاؤه صلى الله عليه وسلم على بعض أعدائه، فلم تتخلَّف الإجابة، كأبي جهل، وأميَّة، وعقبة، وعتبة. . . وغيرهم كثير.

5 - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك - رضي الله عنه - وغيرهم كثير (5).

والحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورًا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.(1 / 312)


عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس

إن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنِّهم، عربهم وعجمهم، كتابيِّهم ومجوسيِّهم، رئيسهم ومرؤوسهم، وأنه لا طريق إلى الله - عز وجل - لأحد من الخلق إلا بمتابعته صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ - فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 81 - 82].

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمد وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه.

ولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني».

ومن خالف عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من أحد أمرين:

 1 - إما أن يكون المخالِفُ مؤمنًا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.

2 - وإما أن يكون المخالف منكرًا للرسالة جملةً وتفصيلًا.

فأما المعترف له بالرسالة؛ ولكنه يجعلها خاصة بالعرب فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن الله - تعالى - ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كلُّه بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدُّقه في جميع ما جاء به فهذا تناقض ومكابرة.

وأما المنكر لرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مطلقًا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجنَّ، فإما أن

يأتي بما يُناقض المعجزة القائمة وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن ذهب يُكابر ويُعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقع في العجز وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شكَّ أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن معجزة قائمة مستمرة خالدة.

وحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه والتحاكم إليه.

وقد صرح القرآن الكريم بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وقال تعالى يأمر نبيِّه بالإنذار والتبليغ: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].

وهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.

وصرح تعالى بشمول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب، فقال: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]، وقال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ(1 / 317)

مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].

وبلَّغَ صلى الله عليه وسلم الناس جميعًا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامة، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثت إلى الناس كافَّةً. . .» الحديث.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاَّ وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين».

وعموم رسالته صلى الله عليه وسلم لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلُّ دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد إلا كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته واتباع ما جاء به، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

وبعون الله - تعالى - فقد قامت الحجة وثبتت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام: 104]، {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. . . الآية.(1 / 430)


حقوقه على أمته صلى الله عليه وسلم

للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم حقوق على أمته وهي كثيرة، منها: الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا وتصديقه في كل ما جاء به صلى الله عليه وسلم، ووجوب طاعته والحذر من معصيته صلى الله عليه وسلم، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله منزلته صلى الله عليه وسلم بلا غلوٍّ ولا تقصير، واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور، ومحبته أكثر من النفس، والأهل والمال والولد والناس جميعًا، واحترامه وتوقيره ونصر دينه والذب عن سنته صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه. خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ، فقال رجل. يا رسول الله! كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت. قال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».

وإليك هذه الحقوق بالتفصيل والإيجاز على النحو الآتي:

 1 - الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أتى به: قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن: 8]، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28]، {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله ويُؤمنوا بي وبما جئت به».

والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته، وأن الله أرسله للجن والإنس، وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان، بأنه رسول الله، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان ثم تطبيق ذلك العمل بما جاء به تمَّ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

 

2 - وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم والحذر من معصيته: فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]، {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13 - 14].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من(1 / 434)

أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله» (1) وعنه رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».

3 - اتباعه صلى الله عليه وسلم واتخاذه قدوة في جميع الأمور والاقتداء بهديه: قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]،

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] فيجب السير على هديه والتزام سنته والحذر من مخالفته، قال صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

4 - محبته صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين: قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]،

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، «وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال: "ما أعددت لها"؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "فأنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأنك مع من أحببت"، فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم».

ولما «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر»  وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب».

وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولهُ أَحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».

ولاشك أن من وفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاق في رضى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رضي به رسولًا، وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقًا أطاعه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ ... هذا لعمري في القياسِ بديعُ

لو كان حُبَّكَ صادقًا لأطعته ... إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:

شرطُ المحبةِ أن توافِقَ مَنْ تحبَّ ... على محبَّته بلا عصيان

فإذا ادَّعيتَ له المحبةَ مع خلافِكَ ... ما يُحبُّ فأنت ذو بُهتانِ

أتحبُّ أعداء الحبيب وتدَّعي ... حُبًّا له ما ذاك في إمكان

وكذا تُعادي جَاهدًا أَحبَابَهُ ... أين المحبَّةُ يا أخا الشيطانِ

ولا شك أن العبد إذا أحب الله ورسوله، فإنه يحبُّ ما يحبه الله ورسولُه؛ لأن من أحبَّ أحدًا أحب من يحبه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله، فقد استكمل الإيمان».

وعلامات محبته صلى الله عليه وسلم تظهر في الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر، ولا شك أن من أحب شيئًا آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه ويكون مدَّعِيًا .

قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]. ويقال لهذه الآية آية المحنة؛ لأن الله امتحن بها العباد، فعلامة المحبة لله تعالى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والابتعاد عما نهى عنه.

ولا شك أن من علامات محبته. النصيحة له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»  والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم: التصديق بنبوته، وطاعته فيما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ومُؤازرته، ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها، وتعليمها والذب عنها، ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة.

5 - احترامه وتوقيره: كما قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63].

وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره لازم كحال حياته وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتعلم سنته، والدعوة إليها، ونصرتها.

6 - وجوب نصرته صلى الله عليه وسلم وحكم من سبَّه: من صِدْقِ المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم: نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا َنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 8 - 9]. وقال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

وومعنى (وَعَزَّرُوهُ) ذكر ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما (تعظموه) وقال البغوي. (وَتُعَزِّرُوهُ) تعينوه وتنصروه. (وَتُوَقِّرُوهُ) من التوقير وهو الاحترام. وقد لعن الله تعالى من آذاه وآذى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57]. وقال تعالى. {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52].

ولا شك أن من استهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم يستحق لعنة الله تعالى، وقد لعنه، {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52].

فإذا كان مسلمًا قبل سبَّه ارتدَّ ولا تقبل توبته عندنا ولو تاب؛ لقول الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66]. ويجب قتله بدون استتابة على القول الصحيح.

وسب النبي صلى الله عليه وسلم له أحكام متعددة بينها شيخ الإسلام في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم) قال رحمه الله: قد رتبته على أربع مسائل:

المسألة الأولى: أن السابَّ يقتل: سواء كان مسلمًا أو كافرًا.

المسألة الثانية: في أنه يتعين قتله وإن كان ذميًّا فلا يجوز المنُّ عليه ولا مفاداته.

المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب، وكذا لو أسلم الكافر بعد السبِّ.

المسألة الرابعة: في بيان السبِّ وما ليس بسبٍّ والفرق بينه وبين الكفر. وقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى.

وقد وعد الله تعالى من قام بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم بالفوز والنجاة والهداية،

 قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 156 - 158].

وأرسل الله تعالى هذا النبي الكريم رحمة للعالمين كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]. فلا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وهو الداعي لكل خير، المحذر من كل شر لجميع الجن والإنس، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا - وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا - وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 45 - 48].

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16].

وهو صلى الله عليه وسلم منةٌ من الله تعالى على المؤمنين خاصة، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

وقد عصمه الله تعالى وتكفل بحمايته فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]. وكفاه الله تعالى المستهزئين فقال: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ - وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 94 - 99].

فيا عبد الله المؤمن كن من الطائعين المتبعين لهذا النبي الكريم ولا تُعِن الكافرين بل أبغضهم لله رب العالمين ولا تتشبه بهم؛ فإن: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وانصر نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم باتباعه، ومحبته، والله تعالى ناصرُ نبيه، ومُعلي كلمته، ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة. يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار».

فدعوته صلى الله عليه وسلم عامة للإنس والجن إلى قيام الساعة، ومن آذاه وسبه فقد تولى الله عقابه في الدنيا والآخرة. {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57]. وقال: {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52].

وقد أحسن حسانُ بن ثابت رضي الله عنه حين قال لمن هجى النبي صلى الله عليه وسلم:

هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذلك الجزاءُ

فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ

7 - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده صلى الله عليه وسلم.

8 - إنزاله مكانته صلى الله عليه وسلم بلا غلو ولا تقصير: فهو عبد لله ورسوله، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود، ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله كما قال تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50]، وقال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21 - 22]، وقد مات صلى الله عليه وسلم كغيره من الأنبياء ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيام {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ - كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: 34 - 35]، وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163].

 

9 - الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا»  وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»  وقال صلى الله عليه وسلم: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ»  وقال صلى الله عليه وسلم: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلُّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم»  وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» «وقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: رَغِمَ أنف عبد - أو بَعُد - ذُكِرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك، فقال صلى الله عليه وسلم: آمين» (1) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ عليه السلام».

* وللصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مواطن كثيرة، ذكر منها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى واحدًا وأربعين موطنًا منها على سبيل المثال:

الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وبعد إجابة المؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، وفي الخطب، كخطبتي صلاة الجمعة، وعند كتابة اسمه، وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات، وآخر دعاء القنوت، وعلى الصفا والمروة، وعند الوقوف على قبره، وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة، وعقب

الذنب إذا أراد أن يُكَفَّر عنه، وغير ذلك من المواطن التي ذكرها رحمه الله في كتابه.

ولو لم يَرِدْ في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديث أنس رضي الله عنه لكفى: «من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات. [كتب الله له بها عشرة حسنات] وحط عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات».

وصلى الله، وسلم، وبارك على عبده، ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



ثالثاً : تعريف بخصائص الرسول صلى الله علية وسلم .

تعريف بخصائص الرسول

    ماهى خصائص الرسول وماذا تعنى ، ان التعريف اللغوى لكلمة خصائص يدور حول معان الافراد والفضل والتميز .

اما التعريف الاصطلاحى : فهى الفضائل والامور التى انفرد بها صلى الله علية وسلم وامتاز بها اما عن اخوانة الانبياء واما عن سائر البشر من امتة .

وقيل ايضا : هى ما اختص الله تعالى نبية صلى الله علي وسلم وفضلة بة عن سائر الانبياء والرسل عليهم السلام .

وسيتم ذكرها على النحو التالى :

الباب الاول

الخصائص التي اختص بها عن جميع الأنبياء ولم يؤتها نبي قبله

 

اولاً: فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم في ذاته من الدنيا

اُختص صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أول النبيين خلقاً، وبتقدم نبوته ، وبتقدم أخذ الميثاق عليه، وأنه أول من قال: بلى يوم قال الله ((ألست بربكم)) ، وأخذ الميثاق على النبيين آدم فمن بعده أن يؤمنوا به وينصروه، والتبشير به في الكتب السابقة، ونعته فيها ونعت أصحابه وخلفائه وأمته، وحجب إبليس من السموات لمولده وجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وسائر الأنبياء كان الخاتم في يمينهم، وبأنه سُمي أحمد ولم يُسم به أحد قبله وبإظلال الملائكة له في سفره، وبأنه أرجح الناس عقلاً، وبأنه أوتي كل الحسن ولم يؤت يوسف إلا شطره، وبرؤيته جبريل في صورته التي خلق عليها، وبانقطاع الكهانة لمبعثه، وحراسة السماء من استراق السمع، والرمي بالشهب، وبوعده بالعصمة من الناس، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين، ووطئه مكاناً ما وطئه نبي مرسل، ولا مَلَكٌ مُقرب، وإحياء الأنبياء له وصلاته إماماً بهم وبالملائكة، وإطلاعه على الجنة والنار، ورؤيته من آيات ربه الكبرى، وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبرؤيته للباري تعالى مرتين، وبركوب البراق ، وقتال الملائكة معه، وسيرهم معه حيث سار يمشون خلف ظهره، وبإيتائه الكتاب وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وبأن كتابه(القرآن) مُعجِزٌ ومحفوظ من التبديل والتحريف على ممر الدهور، ومشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب وزيادة، وجامع لكل شيء، ومستغن عن غيره، ومُيسر للحفظ، ونزل منجماً، وعلى سبعة أحرف، وقراءته بكل حرف عشر حسنات، وقال صاحب التحرير: فُضِّل القرآن على سائر الكتب المنزلة بثلاثين خصلة لم تكن في غيره. وقال الحليمي في "المنهاج": ومن عظيم قدر القرآن أن الله خصه بأنه دعوةٌ وحُجةٌ ولم يكن هذا لنبي قط، إنما كان يكون لكل منهم دعوة ثم تكون له حُجةٌ غيرها، وقد جمعهما الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، فهو دعوة بمعانيه، حُجةٌ بألفاظه،

وكفى الدعوة شرفاً أن تكون حُجتها معها، وكفى الحُجة شرفاً أن لا تنفصل الدعوة عنها، وأعطي من كنز العرش ولم يُعط منه أحدٌ، وخُصَّ بالبسملة والفاتحة وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة والسبع الطوال والمفصل، وبأن معجزته مستمرةإلى يوم القيامة وهي القرآن، ومعجزات سائر الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام انقرضت لوقتها، وبأنه أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل أنها تبلغ ألفاً، وقيل: ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه ستين ألف معجزة تقريباً. وبأنه جمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كُلٍ بنوع. وأوتي انشقاق القمر، وتسليم الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين الأصابع، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك. وقال بعضهم: خص الله تعالى بعضاً بالمعجزات في الأفعال كموسى، وبعضاً بالصفات كعيسى، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم بالمجموع ليميزه، وبكلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته، وبأنه خاتم النبيين وآخرهم بعثاً فلا نبي بعده، وشرعه مؤبد إلى يوم القيامة لا يُنسخ، وناسِخٌ لجميع الشرائع قبله، ولو أدركه الأنبياء لوجب عليهم الاتباع، وفي كتابه وشرعه الناسِخ والمنسوخ، وبعموم الدعوة للناس كافة، وأنه أكثر الأنبياء تابعاً. وقال السبكي: أُرسل للخلق كافة من لدن آدم، والأنبياء نواب له بعثوا بشرائع له مُعْنِيَّات، فهو نبي الأنبياء، وأرسل إلى الجن بالإجماع،

قال البارزي: وإلى الحيوانات والجمادات والحجر والشجر، وبعثه رحمة للعالمين حتى الكفار بتأخير العذاب، ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة، وبأن الله أقسم بحياته، وأقسم على رسالته، وتولى الرد على أعدائه عنه،وخاطبه بألطف ما خاطب به الأنبياء، وقرن اسمه باسمه في كتابه، وفرض على العالم طاعته، والتأسي به، فرضاً مطلقاً لا شرط فيه ولا استثناء، ووصفه في كتابه عضواً عضواً، ولم يخاطبه في القرآن باسمه، بل ((يا أيها النبي)) ((يا أيها الرسول)) وحرم على الأمة نداءه باسمه. وكره الشافعي أن نقول في حقه: الرسول، بل: رسول الله، لأنه ليس فيه من التعظيم ما في الإضافة.

 

وفَرَض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ بعد ذلك، ولم يُرِه في أمته شيئاً يسوؤه حتى قبضه الله تعالى، بخلاف سائر الأنبياء، وبأنه حبيب الرحمن، وجمع له بين المحبة والخِلَّة، وبين الكلام والرؤية، وكلَّمه عند سدرة المنتهى وكلم موسى بالجبل، وجمع له بين القبلتين مكة وبيت المقدس، والهجرتين: بيت المقدس والمدينة، ونصر بالرعب من مسيرة شهرٍ أمامه وشهر خلفه، وأوتي جوامع الكلم، وكلمه الله بجميع أصناف الوحي.

وهبط إسرافيل عليه ولم يهبط على نبي قبله. ، وبُيّن له من أمر الدجال ما لم يُبيَّن لأحد.

وَوُعِد بالمغفرة وهو يمشي حياً صحيحاً، ورُفِع ذِكره، فلا يذكر الله جل جلاله في أذان ولا خطبة ولا تشهد إلا ذُكِر معه.

قال ابن عباس: ما أمَّن الله أحداً من خلقه إلا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) .

وقال للملائكة: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) .

وقال عمر بن الخطاب: ما تدري نفس ماذا مفعول بها ليس هذا الرجل الذي قد بُين لنا أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وآله وسلم .

وعرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم، وعرض عليه ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة.

، وكان أفرسَ العالمين، وأُيِّدَ بأربع وزراء: جبريل، وميكائيل، وأبي بكر، وعمر.

وأُعطي من أصحابه أربعة عشر نجيباً، وكل نبي أعطي سبعة، وأسلم قرينه من الجن .

وكان أزواجه عوناً له، وبناته وزوجاته أفضل نساء العالمين، وثواب أزواجه وعقابهن مُضاعف. وأصحابه أفضل العالمين إلا النبيين، ويقاربون عدد الأنبياء، وكلهم مجتهدون

ومسجده أفضل المساجد، وبلده أفضل البلاد بالإجماع فيما عدا مكة، وتربتها مؤمنة، وغبارها يطفئ الجذام، ولا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وصرف الحُمَّى عنها أول ما قدمها ونقلها إلى الجُحفة، ثم لما أتاه جبريل بالحمى والطاعون أمسك الحمى بالمدينة ، واُحِلت له مكة ساعة من نهار، وحُرِّم ما بين لابتي المدينة، وقال الماوردي والقاضي عياض: لا تقتل حيّات مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالإنذار، والحديث الوارد في إنذار الحيات خاص بها.

ويسأل عنه الميت في قبره، واستأذن ملك الموت عليه ولم يستأذن على نبي قبله. وحرم نكاح أزواجه من بعده، وأَمَةٌ وَطِئَها، ويُحرم التكني بكنيته، وقيل: التسمي باسمه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، قيل والتسمي بالقاسم، لئلا يُكنى أبوه أبا القاسم.  ولم تُرَ عورته قط، ولو رآها أحدٌ طُمست عيناه، ولا يجوز عليه الخطأ.

من خصائصه أنه جامع لخواص الأنبياء، وأنه نبي الأنبياء، وأنه مامن نبي له خاصة نبوة في أمته، إلا وفي هذه الأمة عالم من علمائها يقوم في قومه مقام ذلك النبي في أمته، ويَنحو منحاه في زمانه، ولهذا ورد: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل". وورد أن العالم في قومه كالنبي في أمته.

 

قال: ومن خواصه أن سماه الله عبد الله، ولم يطلقها على أحد سواه، وإنما قال: (إنه كان عبداً شكوراً) ، (نعم العبد) .

ومن خواصه: أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله تعالى على غيره فهي خصيصة اختصه الله بها دون سائر الأنبياء. وأسماؤه توقيفية،


ثانياً: فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم في شرعه في أمته في الدنيا

اختَصَّ صلى الله عليه وآله وسلم بإحلال الغنائم، وجعل الأرض كلها مسجداً، ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيَع والكنائس، والتراب طهوراً وهو التيمم، وبالوضوء في أحد القولينوهو الأصح، فلم يكن إلا للأنبياء دون أممهم. وخص بكمال الوضوء والتيمم وبمسح الخف، وجعل الماء مزيلاً للنجاسة، وأن كثير الماء لا تؤثر فيه النجاسة، والاستنجاء بالجامدوبالجمع

فيه بين الماء والحجر، وبمجموع الصلوات الخمس ولم تجمع لأحد وبأنهن كفارات لما بينهن، وبالعِشاءَ ولم يصلها أحد، وبالأذان والإقامة، وافتتاح الصلاة بالتكبير، وبالتأمين وبالركوع

وبقول: اللهم ربنا لك الحمد، وبتحريم الكلام في الصلاة، وباستقبال الكعبة، وبالصَفِ في الصلاة كصفوف الملائكة، وبالجماعة في الصلاة وبتحية السلام، وهي تحية الملائكة وأهل الجنة، وبيوم الجمعة عيداً له ولأمته، وبساعة الإجابة، وبعيد الأضحى. وخص بصلاة الجمعة وصلاة الجماعة وصلاة الليل، وصلاة العيدين والكسوفين والاستستقاء والوتر.

وبقصر الصلاة في السفر، وبالجمع بين الصلاتين في السفر والمطر وفي المرض ،وبصلاة الخوف، فلم تشرع لأحد من الأمم قبلنا، وبصلاة شدة الخوف عند شدة القتال، أينما وحيثما توجه، وبشهر رمضان، وأن الشياطين تصفد فيه، وأن الجنة تزين فيه، وأن خَلُوفَ فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويغفر لهم في آخر ليلة منه، وبالسحور وتعجيل الفطر وإباحة الأكل والشرب والجماع ليلاً إلى الفجر، وكان محرماً على من قبلنا بعد النوم، وكذا كان في صدر الإسلام ثم نُسِخ، وبتحريم الوصال في الصوم، وكان مباحاً لمن قبلنا، وبإباحة الكلام في الصوم، وكان محرماً على من قبلنا، عكس الصلاة.

وبليلة القدر، وبجعل صوم يوم عرفة بكفارة سنتين لأنه سُنَّته، وصوم عاشوراء كفارة سنة، لأنة سُنَّة موسى عليه السلام. ويوم عرفة، وغسل اليدين بعد الطعام بحسنتين، لأنه شرعُه. وقبله بحسنة لأنه شرع في التوراة، وبالاستغسال من العين وأنه يدفع ضررها. وبالاسترجاع عند المصيبة، وبالحوقلة، وباللحد (في القبر) ، ولأهل الكتاب الشق، وبالنحر، ولهم الذبح،

وبفرق الشعر، ولهم السدل، وبصبغ الشعر، وكانوا لا يغيرون الشيب، وبتوفير العثانين (اللحية) وتقصير السبال (طرف الشارب) ، وكانوا يقصرون عثانينهم، ويوفّرون سبالهم، وكانوا يعقون عن الذكر دون الأنثى، وشُرِعت لنا عنهما معا.

وبترك القيام للجنازة، وبتعجيل المغرب والفجر، وبكراهة اشتمال الصماء، وبكراهة صوم يوم الجمعة منفرداً، وكان اليهود يصومون يوم عيدهم منفرداً، وبضم تاسوعاء إلى عاشوراء في الصوم، وبالسجود على الجبهة وكانوا يسجدون على حرف، وكراهة التميل في الصلاة وكانوا يتميلون، وبكراهة تغميض البصر فيها، والاختصار، والقيام بعدها للدعاء، وقراءة الإمام فيها في المصحف، والتعلق فيها بالحبال، وبالأكل يوم العيد قبل الصلاة، وكان أهل الكتاب لا يأكلون يوم عيدهم حتى يصلوا، وبالصلاة في النعال والخِفاف.

عن ابن عمر كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم جاوبوهم، فكره الله ذلك لهذه الأمة، فقال: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) .

وفي "المستدرك": أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى رجلاً وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة، وقال: "إنها صلاة اليهود".

وأذن لنسائنا في المساجد، ومنعت نساء بني إسرائيل، وكان في شرعهم نَسخُ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه.

وبالعذبة في العمامة وهي سيما الملائكة، وبالاتزار في الأوساط، وبكراهة السدل في الصلاة والطيلسان المقور، وشد الوسط على القميص، والقزع، وبالوقف، وبالوصية بالثلث عند موتهم، وبالإسراع بالجنازة.

وأن أمته خير الأمم، وآخر الأمم، ففضحت الأمم عندهم ولم يفضحوا، واشتق لهم اسمان من أسماء الله: المسلمون والمؤمنون، وسمي دينهم الإسلام. ولم يوصف بهذا الوصف إلا الأنبياء دون أممهم.

وقال عبد الله بن يزيد الأنصاري: تسموا باسمكم الذي سماكم الله: بالحنيفية والإسلام والإيمان.

ورفع عنهم الإصر الذي كان على الأمم قبلهم، وأبيح لهم الكنز إذا أرادوا زكاته، وأحل لهم كثير مما تشدد على من قبلهم، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج.

وأبيح لهم أكل الإبل، والنعام، وحمار الوحش، والأوز والبط، وجميع السمك، والشحوم، والدم الذي ليس بمسفوح، كالكبد والطحال والعروق.

ورفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وحديث النفس، وأنَّ من همَّ منهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب سيئة، بل تكتب حسنة،

فإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومَن همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، ووضع عنهم قتل النفس في التوبة، وفقأ العين من النظر إلى ما لا يحل، وقرض موضع النجاسة، وربع المال في الزكاة.

ونسخ عنهم الرهبانية، وكانت الامم السابقة لا يطعمون طعاماً حتى يتوضؤا كوضوء الصلاة، وكان من سرق استُرِقَّ عبداً، ومن قتل نفسه حرمت عليه الجنة، وكان إذا ملك الملك عليهم، اشترط عليهم أنهم رقيقه، وأن أموالهم له، ما شاء أخذ منها وما شاء ترك.

وشُرِع لهم نكاح أربع، والطلاق ثلاثاً، ورُخِّصَ لهم في نكاح غير ملتهم، وفي نكاح الأمة، وفي مخالطة الحائض سوى الوطء، وفي إتيان المرأة على أي هيئة شاؤوا.

وشُرعَ لهم التخيير بين القصاص والدية، وشُرعَ لهم دفع الصائل وكانت بنو إسرائيل كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه، وحرم عليهم كشف العورة، والنوح على الميت، والتصوير، وشرب المسكر وآلات الملاهي، ونكاح الأخت [واستعمال] أواني الذهب والفضة، والحرير وحلي الذهب على رجالهم، والسجود لغير الله، وكان تحية من قبلنا، فأعطينا مكانه السلام.

وكرهت لهم المحاريب، وعصموا من الاجتماع على ضلالة. ومن أن يظهر أهل الباطل على أهل الحق، ومن أن يدعو عليهم نبيهم بدعوة فيهلكوا، وإجماعهم حُجَّة، وإختلافهم رَحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذاباً، والطاعون لهم شهادة ورحمة، وكان على الأمم عذاباً، وما دعوا به استُجيب لهم.

ويؤمنون بالكتاب الأول، والكتاب الآخر، ويحجون البيت الحرام لا ينأون عنه أبداً، ويغفر لهم الذنب بالوضوء، وتبقى الصلاة لهم نافلة، ويأكلون صدقاتهم في بطونهم ويثابون عليها، ويعجل لهم الثواب في الدنيا مع ادخاره في الآخرة، وتتباشر الجبال والأشجار بمرهم عليها لتسبيحهم وتقديسهم، وتُفتّح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتتباشر بهم الملائكة، ويصلي عليهم الله وملائكته.

قال سفيان بن عيينة: أكرم الله أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصلى عليهم كما صلى على الأنبياء فقال: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) .

ويقبضون على فرشهم وهم شهداء عند الله، وتوضع المائدة بين أيديهم فمايرفعونها حتى يغفر لهم، ويَلبَسُ أحدهم الثوب فما ينفضه حتى يغفر له.

وصدِّيقهم أفضل الصديقين، وهم علماء حكماء، كادوا لفقههم أن يكونوا كلهم أنبياء.

ولا يخافون في الله لومة لائم، وأذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وقرباتهم الصلاة، وفربانهم دماؤهم، وسُتِرَ على من لم يُتقَبَّل عمله منهم، وكان من قبلهم يَنفضِح إذا لم تأكل النار قربانه، وتغفر لهم الذنوب بالاستغفار، والندم لهم توبة، قاله رزين.

 

وروي أن آدم قال: الله أعطى أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم أربع كرامات لم يعطينيها: كانت توبتي بمكة، وأحدهم يتوب في كل مكان، وسلبت ثوبي حين عصيت، وهم لا يسلبون، وفرق بيني وبين زوجتي، وأخرجت من الجنة.

قال: وكان بنو اسرائيل إذا أخطاؤا حرم عليهم طيب الطعام، وتصبح خطيئته مكتوبة على باب داره، ووُعِدوا أن لا يهلكوا بجوع ولا بعَدوّ من غيرهم يستأصلهم، ولا بغرق، ولا يعذبوا بعذاب عذب به من قبلهم، وإذا شهد الاثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة، وكانت الأمم السابقة إذا شهد منهم مئة.

وهم أقل الأمم عملاً، وأكثرهم أجراً، وأقصر أعماراً، وكان الرجل من الأمم السابقة أعبَدَ منهم بثلاثين ضعفاً، وهم خير منه بثلاثين ووهب لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، وأوتوا العلم الأول والآخر، وفتح عليهم خزائن كل شيء حتى العلم، وأوتوا علم الإسناد

والأنساب والإعراب، وتصنيف الكتب، وحفظ سنة نببيهم.

قال أبو علي الجيّاني: خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب.

وقال ابن العربي في "شرح الترمذي": لم يكن قط في الأمم من انتهى إلى حد هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق، ولا جاراها في مداها من التفريع والتدقيق.

وقال القرافي في "شرح المحصول": من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم أن الواحد من أمته يحصل له في العمر القصير من العلوم والفهوم ما لا يحصل لأحد من الأمم السابفة في العمر الطويل.

قال: ولهذا تهيأ للمجتهدين من هذه الأمة من العلوم والاستنباطات والمعارف ما تقصر عنه أعمارهم.

وقال قتادة: أعطى الله هذه الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم قبلها، خاصة خصهم بها، وكرامة أكرمهم بها، ولا تزال طائفة منهم على الحق حتى يأتي أمر الله، ولا تخلو الأرض من مجتهد فيهم قائم لله بالحجة، حتى يتداعى الزمان بتزلزل القواعد، وتأتي أشراط الساعة الكبرى.

ويبعث الله لهم على رأس كل مائة سنة من يجدد لهم أمر دينهم، حتى يكون في آخر مائة عيسى ابن مريم.

ومنهم من يصلي إماماً بعيسى ابن مريم، ومنهم من يجري مجرى الملائكة في الاستغناء عن الطعام بالتسبيح، ويقاتلون الدجال، وعلماؤهم كأنبياء بني إسرائيل، وتسمع الملائكة في السماء أذانهم وتلبيتهم.

 

وهم الحامدون لله على كل حال، ويكبرون على كل شرف، ويسبحون عند كل هبوط، ويقولون عند إرادة الأمر: أفعله إن شاء الله، وإذا غضبوا هللوا، وإذا تنازعوا سبحوا، وإذا أرادوا استخاروا الله ثم ركبوا، وإذا ركبوا على ظهور دوابهم حمدواالله، ومصاحفهم في صدورهم،وسابقهم سابق ويدخل الجنة بغير حساب، ومقتصدهم ناج يحاسب حساباً يسيراً، وظالمهم مغفور له، وليس منهم أحد إلا مرحوماً، ويلبسون ألوان ثياب أهل الجنة، ويراعون الشمس للصلاة، وهم أمة وسط، عدول بتزكية الله، وتحضرهم الملائكة إذا قاتلوا، وافترض عليهم ما افترض على الأنبياء والرسل، وهو الوضوء والغسل من الجنابة، والج، والجهاد، وأعطوا من النوافل ما أعطي الأنبياء.

وقال الله في حق غيرهم: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) .

ونودوا بالقرآن بـ (يا أيها الذين آمنوا) ، ونوديت الأمم في كتبها بـ (يا أيها المساكين) ، وشتان ما بين الخطابين.

وقال الدَّميري في "شرح المنهاج": قال بعض العلماء: خاطب الله هذه الأمة بقوله: (فاكروني أذكركم) ، فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة، وخاطب بني اسرائيل بقوله: (اذكروا نعمتي) ، فإنهم لم يعرفوا الله إلا بآلائه، فأمرهم أن يقصدوا النِّعم ليصلوا بها إلى ذكر المُنعِم.

قال الزركشي في "الخادم": فما كان مجتمعاً فيه صلى الله عليه وآله وسلم من الأخلاق والمعجزات صار متفرقاً في أمته، بدليل: أنه كان معصوماً، وأمته إجماعها معصوم.

 قال بعضهم: ولهذا لما أودع أسراره وخُيِّر بين الحياة والموت، اختار الموت. ولما لم يحصل لموسى ذلك، وجاءه ملك الموت لطمه. وهم أكثر الأمم أيامى ومملوكين، وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن عكرمة قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس غير هذه الأمة.

وفي الحديث: لما أُنزِلت: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) قال صلى الله عليه وآله وسلم: "هذه لأمتي كلها وليس بعد الرضى سخط".

وقال معاوية: ما اختلفت أمة قط إلا غلب أهل باطلها أهل حقها إلا هذه الأمة.

وفي "شرح الرسالة" للجزولي: قيل: أهل القبلة اسم خصت به أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي سنن أبي داود حديث: "لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين، سيفاً منها وسيفاً من عدوها".

وقال ابن مسعود: ولا يحل في هذه الأمة التجريد، ولا مدٌّ، ولا غِلٌّ، ولا صفد، يعني: لا تجرد ثيابه ولا يمد عند إقامة الحدود، بل يضرب قاعداً وعليه ثوبه.

وفي الحديث: "لا ترث مِلَّة ملة، ولا تجوز شهادة ملة على ملة إلا أمة محمد، فإن شهادتهم تجوز عل من سواهم".

 

وقال ابن الجوزي: بَدء الشرائع كان على التخفيف، ولا يعرف في شرع نوح وصالح وابراهيم تثقيل، ثم جاء موسى بالشدائد والأثقال، وجاء عيسى بنحو ذلك. وجاءت شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بنسخ تشديد أهل الكتاب ولا يطلق بتسهيل من كان قبلهم فهي غاية الاعتدال.


ثالثاً:فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم في ذاته في الآخرة

اختُص صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يَفيق من الصعقة، وبأنه يحشر في سبعين ألف ملك، ويحشر على البراق، ويُؤذن باسمه في الموقف،

ويُكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة، وبأنه يقوم على يمين العرش، وبالمقام المحمود، وأن بيده لواء الحمد، وآدم فمن دونه تحت لوائه، وأنه إمام النبيين يومئذ، وقائدهم وخطيبهم، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من يرفع رأسه، وأول من ينظر إلى الله تعالى، وأول شافِعٍ وأول مُشَفَّع، ويسأل في غيره وكل الناس يسألون في أنفسهم.

وبالشفاعة العظمى في فصل القضاء، وبالشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وبالشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وبالشفاعة في رفع درجات ناسٍ في الجنة.

وبالشفاعة في إخراج عموم أمته من النار، حتى لا يبقى منهم أحد.

وبالشفاعة لجماعة من صُلَحاء المسلمين، لُيتَجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات. وبالشفاعة في الموقف تخفيفاً عمن يحاسب، وبالشفاعة في أطفال المشركين أن لا يعذبوا، وسأل ربه أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيته فأعطاه ذلك.

وبالشفاعة فيمن خُلِّد في النار من الكفار أن يُخفّفَ عنه العذاب، وأنه أول من يُجيزُ على الصراط، وأن له في كل شعرة من رأسه ووجهه نوراً، وليس للأنبياء إلا نوران، ويُؤمَر أهل الجمع بغض أبصارهم حتى تَمُرَّ ابنته على الصراط، وأنه أول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخلها وبعده ابنته، وبالكوثر، زاد أبو سعيد وابن سراقة، وبالحوض.

قلت: لكن ورد أن لكل نبي حوضاً.

وفي أثرٍ في خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم: وحوضه أعرض الحياض وأكثرها وارداً، وبالوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة.

الوسيلة التي اختص بها هي التوسل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون في الجنة بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل، لا يصل إلى أحد شيء إلا بواسطته،

وقوائم منبره رواتب في الجنة، ومنبره على تُرعة من تُرَع الجنة، ومابين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة، ولا يطلب منه شهيدٌ على التبليغ، ويطلب من سائر الأنبياء، ويشهد لجميع الأنبياء بالبلاغ، وكل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا نسبه وسببه.

فقيل: معناه أن أمته ينسبون إليه يوم القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا ينسبون إليهم.

وقيل: يُنتَفع يومئذ بالنسبة إليه، ولا يُنتَفع بسائر الأنساب، ويكنى آدم في الجنة به دون سائر ولده تكريماً له، فيقال له: أبو محمد.

ووردت أحاديث في أهل الفترة أنهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.

قال بعضهم: والظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان، لِتَقرَّ بهم عينه.

وورد: أن درجات الجنة بعدد آي القرآن، وأنه يقال لصاحبه: اقرأ وارْقَ، فآخر منزلته عند آخر آية يقرؤها، ولم يرد في آخر الكتب مثل ذلك.

ويخرج من ذلك خَصيصةٌ أخرى: وهو أنه لا يقرأ في الجنة إلا كتابه، ولا يتكلم في الجنة إلا بلسانه.

وفي "تفسير ابن أبي حاتم" عن سعيد بن أبي هلال: أنه بلغه أن المقام المحمود، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة يكون بين الجبار وبين جبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهل الجمع.

وفي الحديث: "أناأول من يقرع باب الجنة، فيقوم الخازن فيقول: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيقول: أقوم فأفتح لك، ولم أقم لأحد قبلك ولا أقوم لأحد بعدك".


رابعاً:فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم في أمته في الآخرة

اختُص صلى الله عليه وآله وسلم بأن أمته أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم، ويأتون يوم القيامة غُرّاً مُحجلين من آثار الوضوء، ويكونون في الموقف على كوم عال، ولهم نوران كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد، ولهم سيماء في وجوههم من أثر السجود، ويسعى نورهم بين أيديهم، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويمرون على الصراط كالبرق والريح، ويَشفع مُحسنهم في مُسيئهم، وعُجِّل عذابها في الدنيا والبرزخ لتوافي القيامة ممحصة،

وتدخل قبورها بذنوبها ومنها تخرج بلا ذنوب، ويمحص عنها باستغفار المؤمنين لها، ولها ما سعت وما سُعي لها، وليس لمن قبلهم إلا ما سعى.

 

قال عكرمة: ويقضى لهم قبل الخلائق، ويغفر لهم المقحمات، وهم أثقل الناس ميزاناً، ونزلوا منزلة العدول من الحكام، فيشهدون على الناس أن رسلهم بلغتهم،

ويعطى كل منهم يهودياً أو نصرانياً فيقال له: يا مسلم هذا فداؤك من النار، ويدخلون الجنة قبل سائر الأمم، ويدخل منهم الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وأطفالهم كلهم في الجنة، وليس ذلك في سائر الأمم وذكر الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزته أظهر يكون ثواب أمته أقل.

قال السبكي: إلا هذه الأمة, فإن معجزات نبينا أظهر، وثوابنا أكثر من سائر الأمم، وأهل الجنة مائة وعشرون صفاً، وهذه الأمة منها ثمانون، وسائر الأمم أربعون.

ويتجلى الله عليهم فيرونه، ويسجدون له بإجماع أهل السُّنة، وفي "فوائد" القاضي أبي الحسين بن المهتدي من حديث ابن عمر مرفوعاً: "كل أمة يعضها في الجنة وبعضها في النار إلا هذه الأمة فإنها كلها في الجنة".

وفي "مصنف عبد الرزاق" عن الربعي: أنه قرأ في بعض الكتب أن ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة آباء، فخفف الله عن هذه الأمة فجعلها إلى خمسة آباء".


الباب الثاني

في الخصائص التي اختص بها صلى الله عليه وآله وسلم عن أمته ومنها ما علم مشاركة الأنبياء له فيه ومنها ما لم يعلم

 

اولاً: ما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم من الواجبات والحكمة فيه زيادة الزلفى والدرجات

خُص صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب صلاة الضحى، والوتر،والتهجد، أي صلاة الليل، والسواك والأضحية، والمشاورة على الأصح في السنة وركعتي الفجر، وغسل الجمعة،وأربع عند الزوال، قيل: وبالوضوء لكل صلاة ثم نُسخ، وبالوضوء كلما أحدث فلا يُكلِّم أحداً، ولا يَردُّ سلاماً حتى يتوضأ ثم نُسخ، قيل وبالاستعاذة عند القراءة ومصابرة العدو وإن كثُر عددهم، وإذا بارز رجلاً في الحرب لم ينكف عنه قبل قتله.

وتغيير المنكر, ووجه الخصوصية فيه من جهة أنه في فرائض الإيمان، وفي حق غيره من فرائض الكفايات، وأنه يجب عليه إظهار الإنكار، ولا يجب الإظهار على أمته وأنه لا يسقط عنه للخوف فإن الله وعده العصمة، بخلاف غيره، ذكره في "الروضة"، ولا إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراء، لئلا يتوهم إباحته بخلاف سائر الأمة،

ووجوب الوفاء بوعده كضمان غيره، بخلاف سائر الأمة ، وقضاء دَين من مات من المسلمين معسراً ،

وتخيير نسائه في فراقه واختياره ، وإمساكهن بعد أن اخترنه في أحد الوجهين. وترك التزوج عليهن، والتبدل بهن، مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك لتكون المنة له صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يقول إذا رأى ما يعجبه: لبيك إن العيش عيش الآخرة، في وجه حكاه في "الروضة" وأصلها، وأن يؤدي فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها، ذكره الماوردي وغيره، وإتمام كل تطوع شَرعَ فيه، وأن يدفع بالتي هي أحسن، وكُلّف من العلم وحده ما كلفه الناس بأجمعهم، وكان مطالباً برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس والكلام، ذكر الثلاثة ابن سبع وابن القاص في "تلخيصه".

وقال أبو سعيد في "شرف المصطفى": كُلِّف من العمل بما كُلِّف به الناس أجمعين. وبين الأمرين فرق، وكان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام ذكره.

في "زوائد الروضة" عن ابن القاص، والقفال، وجزم به ابن سبع. وكان يُغان (1) على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة،

وعبارة أبي سعيد في "شرف المصطفى": ويستغفر كل يوم سبعين مرة ولا يذنب.

وعبارةرزين في "خصائصه": ومماوجب عليه أن يستغفر في كل يوم سبعين مرة,

_________

(1)   لا يعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو الكمال أو تتمة الكمال، فهو كجفن العين حين يسيل لدفع القذى، فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة كمال.


وعد أيضاً في خصائصه: أن الركعتين بعد العصر كانت واجبة عليه، وأن جميع نوافله كانت فرضاً، لأن النفل إنما هو للجبر ولا نقص في صلاته حتى تُجبر، وأنه خص بصلاة خمسين صلاة في كل يوم وليلة على وفق ما كان ليلة الإسراء، وأورد الأحاديث في صلاته غير الخمس فبلغت مائة ركعة.

وأنه كان إذا مر بنائم في وقت الصلاة أيقظه، وهو امتثال قوله: (ادع إلى سبيل ربك) .

قال: وخُصَّ بوجوب العقيقة، والإثابة على الهدية، والإغلاظ على الكفار، وتحريض المؤمنين على القتال، وأوجب عليه التوكل، وحرم عليه الادخار. وكان يُموِّن عيال من مات مُعسراً،ويؤدي الجنايات عمن لزمته وهو معسر، وكذلك الكفارات. ومما وجب عليه الصبر على مايكره، وصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، والرفق وترك الغلظة، وإبلاغ كل ما أنزل إليه وخطاب الناس بما يعقلون، والدعاء لمن أدى صدقات ماله، وقيل: إن كان ما يتقرب به كان واجباً عليه، وأن لا يَعِدَ وعداً أو يعلق أمراً على غدٍ بغير استثناء.

وقال أبو سعيد: كان يجب عليه حفظ أموال المسلمين، وكانت الإمامة في حقه أفضل من الأذان، في وجهٍ حكاه الجرجاني في "الشافي"، لأنه لا يقر على السهو والغلط، بخلاف غيره، وهذا الوجه ينبغي أن يقطع به، ويجعل محل الخلاف في التفضيل بين الإمامة والأذان في غيره.

وذكر بعض الحنفية: أن في عهده لا يسقط فرض(1 / 152)

الجنازة إلا بصلاته، فيؤول إلى أن صلاة الجنازة في حقه فرض عين، وفي حق غيره فرض كفاية.


ثانياً:فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم من المحرمات

خُص صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم الزكاة والصدقة والكفارة عليه, وتحريم الزكاة على آله، قيل: والصدقة أيضاً، وعليه المالكية، وعلى موالي أهله في الأصح، وعلى زوجاته بالإجماع، حكاه ابن عبد البر. والنذورات.

قال البلقيني: وخرجت على ذلك أنه كان يَحرم عليه أن يوقف عليه معيناً لأن الوقف صدقة تطوع.

قال: وفي "الجواهر" للقَمولي ما يؤيده، فإنه قال: صدقة التطوع كانت حراماً عليه على الصحيح.

وعن ابن أبي هريرة: أن صدقات الأعيان كانت حراماً عليه دون صدقات العامة كالمساجد وبناء الآبار، وتحريم كون أهله عمالاً على الزكاة في الأصح.

وصرف النذر والكفارة إليهم، وأكل ثمن أحدٍ من ولد اسماعيل وَرَدَ به حديث في المسند، ولم أر من تعرض له، وأكل ما له رائحة كريهة، والأكل متكئاً في أحد الوجهين فيهما، والأصح في "الروضة" كراهتهما،

قال أبو سعيد في "شرف المصطفى": وكره اكل الضب.

وقال البغوي في "التهذيب": قيل: كان يحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله، والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكنه كان يميز بين جيد الشعر ورديئه.

وحرم علية نزع لأْمته(عدة الحرب) إذا لبسها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه، وكذلك الأنبياء.

قال أبوسعيد وابن سراقة: كان لا يرجع إذا خرج إلى الحرب، ولا ينهزم إذا لقي العدو وإن كثر عليه العدد.

والمَنُّ ليستكثر- أي أن يهدي هدية ليثاب بأكثر منها-، ومد العين إلى ما مُتِّع به الناس من زهرة الحياة الدنيا، وخائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب، على خلاف ما يظهر، وكذلك الأنبياء.

والصلاة على من عليه دَين ثم نسخ. وإمساك كارِهته، وتحرم عليه مؤبداً في أحد الوجهين، ونكاح من لم تهاجر في أحد الوجهين، ونكاح الكتابية، قيل: والتسري بها، ونكاح الأمة المسلمة، ولو قدّر نكاحه أمة فولده منها حر، ولا تلزمه قيمته، ولا يشترط في حقه حينئذ خوف العنت ولا فقد الطَول، وله الزيادة على واحدة.

وقال البلقيني: لا يتصور في حقه اضطرار قط إلى نكاح الأمة، بل لو أعجبته أمة وجب على مالكها بذلها إليه هبة قياساً على الطعام، وكان إذا خطب فرُدَّ لم يعد.

وعدَّ ابن سبع من خصائصه: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير.

وعدَّ القضاعي وغيره من خصائصه: أنه لا يقبل هدية مشرك، ولا يستعين به، ولا يشهد على جور.

وحُرِّم عليه الخمر من أول ما بعث من قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة، فلم يبح له قط ونُهي عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمسين سنة،

وكان لا يصلِّ على ميتٍ غَلَّ، ولا على من قتل نفسه، وفي "المستدرك" عن أبي قتادة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دُعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خير صلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها" ولم يُصل عليها.


ثالثاً:فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم من المباحات

اختُص صلى الله عليه وآله وسلم بإباحة المكث في المسجد جنباً، والعبور فيه عند المالكية.

وأنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم ولا باللمس، في أحد الوجهين وهو الأصح.

قيل: وبإباحة استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، حكاه ابن دقيق العيد في "شرح العمدة".

وإباحة الصلاة بعد العصر، وقضاء الراتبة بعد العصر عند قوم.

وحمل الصغيرة في الصلاة فيما ذكره بعضهم، وبالصلاة على الغائب عند أبي حنيفة، وعلى القبر عند المالكية، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، ذكره في "شرح المهذب"، وقاعداً ذكره في "الخادم". وكان يجهر فيه وغيره يُسِرّ، وبالإمامة جالساً فيما ذكره قوم بجواز استخلافه في الإمامة، كما وقع لأبي بكر حين تأخر وقدّمه، فيما قاله جماعة،

وبأنه يصلي الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود فيما ذكره بعض السلف، وقال: إن ذلك ممنوع لغيره، والقُبلة في الصوم مع قوة شهوته للوصال، والسواك بعد الزوال وهو صائم.

قيل: والصوم جنباً حكاه الطحاوي، وبإباحة دخول مكة بغير إحرام، واستمرار الطيب في الإحرام فيما ذكر المالكية،

ونكاح أكثر من أربعة نسوة وكذلك الأنبياء،

والنكاح بلفظ الهبة، وبلا مهر ابتدءً وانتهاءً، وبصداق مجهول، وبلا ولي وبلا شهود، وفي حال الإحرام،

وقال ابن العربي في "شرح الترمذي": إن الله خَصَّ نبيه بأشياء في النكاح منها: أنه أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيهاحقٌّ حتى يدخل فيها على جميع أزواجه فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها، ولا يجب عليه نفقتهن في وجه كالمهر، وعلى الوجوب لا يتقدر.

وخُمسُ خُمس الفيء والغنيمة وأربعة أخماس الفيء، وكان له الأنفال يفعل فيها ما يشاء.

وذكر مالك في "خصائصه": أنه لم يكن يملك الأموال، إنما كان له التصرف والأخذ بقدر كفايته.

والقتال بمكة وحمل السلاح والقتل بها، ويلعن من شاء بغير سبب، ويكون له رحمة، والقضاء بعلمه، وفي غيره خلاف ولنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده، وأن يقبل شهادة من يشهد له ولولده،وقبول الهدية بخلاف غيره من الحكام.

ولا يكره له الفتوى والقضاء في حال الغضب، ذكره النووي في "شرح مسلم"، ولو قال: لفلان على فلان كذا، جاز لسامعه أن يشهد بذلك. ذكره شريح والروياني في "روضة الحكام".

وكان له قتل من اتهمه بالزنا من غير بينة، ولا يجوز ذلك لغيره، ذكره ابن دحية.

وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة، وليس لنا أن نصلى إلا على نبي أو مَلَك،

وضحى عن أمته وليس لأحد أن يضحي عن الغير بغير إذنه، وأكل من طعام الفجأة مع نهيه عنه، ذكر هذه ابن القاص، وأنكرها البيهقي وقال: إنه مباح لأمته والنهي لم يثبت.

وله قتل من سبه أو هجاه .

وكان يُقطع الأراضي قبل فتحها، لأن الله ملكه الأرض كلها.

وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاءالله في التنوير": أن الأنبياء لا تجب عليهم الزكاة، لأنهم لا ملك لهم مع الله، إنما كانوا يستهدون ما في أيديهم من ودائع الله لهم، يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، لأن الزكاة إنماهي طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه، والأنبياء مبرؤون من الدنس لعصمتهم.

وعقد المساقاة لأهل خيبر إلى مدة مبهمة بقوله: "أقركم ما أقركم الله" لأنه كان يجوز مجيء الوحي بالنسخ، ولا يكون ذلك بعده.

وحلَفَ لا يحمل الأشعريين ثم حملهم، وقال: "لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم" ولم يترتب عليه حنث ولا كفارة.

وعانق جعفراً عند قدومه من السفر، فقال مالك: هو خاص به، وكرهها لغيره.

وقال الخطابي: زعم بعضهم أن المَنَّ على الأسرى الوارد في قوله تعالى: (فإما مَنّاً بعد وإما فداء) كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره.


رابعاً: فيما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم من الكرامات والفضائل

اختُص صلى الله عليه وآله وسلم بمنصب الصلاة، وبأنه لا يُورَث، وكذلك الأنبياء، فلهم أن يوصوا بكل مالهم صدقة، وبأن ماله باق بعد موته على ملكه يُنفق منه على أهله في أحد الوجهين وصححه إمام الحرمين.

وأنه لو قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه .

قال قتادة: وكان من خصائصه: أنه إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه، لقوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) ، ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء. انتهى.

وكان إذا حضر الصف يحرم على من معه أن يولوا عنه الدُبر لئلا ينهزموا ويتركوه، قاله قتادة والحسن، وذهبا إلى أن الفرار من الزحف بعده ليس من الكبائر، وكان الجهاد في عهده فرض عين في أحد الوجهين عندنا وهو من بعده من فروض الكفاية.

ومهر المثل لا يتصور في ابنته لأنه لا مثل لها وهو حسن بالغ، وتحرم رؤية أشخاص أزواجه في الأًزُر، كما صرح به القاضي عياض وغيره، وكشف وجههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، وسؤالهن مشافهة، وصلاتهن على ظهور البيوت.

 

وقال معمر: إن أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أرضعن الكبير دخل عليهن، فكان ذلك لهن خاصة، ولسائر الناس لا يكون إلا ما كان في الصغر.

وقال طاووس: كان لهن رضعات معلومات، ولسائر النساء رضعات معلومات، وورد أنها عشر رضعات لهن، ولغيرهن خمس، وأنهن أمهات المؤمنين، ووجوب جلوسهن بعده في البيوت، وتحريم خروجهن ولو لحج أو عمرة في أحد القولين، وأباح لهن ولآله الجلوس في المسجد مع الحيض والجنابة، وكذا العبور عند المالكية.

وأن تطوعه في الصلاة قاعداً كتطوعه قائماً، وأن عمله له نافلة.

ويخاطبه المصلي بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب غيره، وكان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ولا تبطل صلاته، وكذلك الأنبياء، ومن تكلم وهو يخطب بطلت جمعته، وكان يجب الاستماع والإنصات لقراءته إذا قرأ في الصلاة الجهرية، وعند نزول الوحي.

وقال مجاهد في قوله تعالى: (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا) : مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

والنكاح في حقه عبادة مطلقاً كما قال السبكي، وهو في حق غيره ليس عبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.

والكذب عليه كبيرة ليس كالكذب على غيره، وقال الجويني: رِدَّة، ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبداً وإن تاب فيما ذكره خلائق من أهل الحديث.

ويحرم التقدم بين يديه ورفع الصوت فوق صوته، والجهر له بالقول ونداؤه من وراء الحجرات، والصياح به من بعيد، وأن يُقال فيه: أبونا في أحد الوجهين، وأن يقولوا له راعِنا.

وطهارة دمه وبوله ، وسائر فضلاته ، ولا خلاف في طهارة شعره ، وقد قسم شعره على أصحابه.

والعِصمة من كل ذنب ولو صغير أو سهواً، وكذلك الأنبياء، وينزه عن فعل المكروه، ومحبته فرض، وتجب محبة أهل بيته وأصحابه، ومن استهان به كفر، قيل: أو زنى بحضرته، ومن تَمنّى موته كفر، وكذلك الأنبياء، ذكره المحاملي في "الأوسط"، ورتب عليه تحريم إرثهم، لئلا يتمناه ورثتهم فيكفروا.

قال غيره: ولذا لم يشب شعره، لأن النساء يكرهن الشيب، ولو وقع ذلك في أنفسهن كفرن، فعُصم من ذلك رفقاً بهن.

ومن سبه قتل، وكذلك الأنبياء، والسَبُّ بالتعريض في حقه كالتصريح بخلاف غيره، نقله الرافعي عن الإمام، وقال النووي: لا خلاف فيه ولم تبغ امرأة نبي قط، وقال الحسن: امرأة النبي إذا زنت لم يغفر لها، ومن قذف أزواجه فلا توبة له البتة، كما قال ابن عباس وغيره، ويقتل كما نقله القاضي عياض.

وفي قوله يختص القتل بمن سبَّ عائشة، ويُحذُّ في غيرها حدّين، وكذا من قذف أمَّ أحد من أصحابه.

وذهب بعض المالكية: إلى أن من سبَّ أصحابه قتل، وقال ابن قدامة في "المُقنع": من قذف أمَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل، مسلماً كان أو كافراً، وأولاد بناته ينسبون إليه، قيل وأولاد بنات بناته.

ولا يجتهد في محراب صلى إليه في يمنة ولا في يسرة، وتختص صلاة الخوف بعهده، في قول أبي يوسف والمزني، لأن إمامته لا عوض عنها بخلاف غيره، ويجل منصبه عن الدعاء له بالرحمة فيما ذكره جماعة.

ويحرم النقش على نقش خاتمه، وليس لأحد أن ينقش على خاتمه محمد رسول الله، ولا ينطق عن الهوى، ولا يقول في الغضب والرضا إلا حقاً، ورؤياه وحي، وكذا الأنبياء، ولا يجوز على الأنبياء الجنون ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، وجزم به البلقيني في "حواش الروضة" ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، كما خالف نومهم نوم غيرهم.

ويخص من شاء بما شاء من الأحكام، كجعله شهادة خُزيمة بشهادة رجلين، ولا يجوز علهيم العمى فيما ذكره السبكي.

قال القاضي عياض في حديث قول بني اسرائيل عن موسى: آدر، وتبرئة الله له: الأنبياء منزهون عن النقائص في الخَلق والخُلق، سالمون من العاهات والمعائب، ولا التفات إلى ما يقع في بعض التواريخ من إضافة بعض العاهات إلى بعضهم، بل نزههم الله من كل عيب، وكل ما ينقص من العيوب أو ينفر القلوب.

وترخيصه في إرضاع سالم وهو كبير، ، وفي تعجيل صدقة عامين للعباس، وفي ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، وفي الجمع بين اسمه وكنيته للولد الذي يولد لعلي، وفي المُكث في المسجد جنباً لعلي، وفي فتح باب من داره في المسجد له، وفي فتح خوخة فيه لأبي بكر،

وفي أكل المُجامِع في رمضان من كفارة نفسه، وفي الأضحية بالعَناق لأبي بردة بن نيار، وبالعَتود لعقبة بن عامر ولزيد بن خالد، وفي نكاح ذلك الرجل بما معه من القرآن، فيما ذكره جماعة، وورد به حديث مرسل، قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي لبس الحرير للزبير وعبد الرحمن بن عوف، فيما قاله جماعة، وهو وجه عندنا، ولبس خاتم الذهب للبراء بن عازب، وفي اشتراط عائشة الولاء لموالي بَريرة، ولا يوفى به فيما ذكره بعضهم، وفي العرية لثعلبة بن يزيد الحارثي وذويه، فيما ذهب إليه الواقدي، وفي خيار الغبن لحبان بن منقذ، فيما ذكره النووي في "شرح مسلم".

وفي التحلل بالمرض لضباعة بنت الزبير في أحد القولين، وفي ترك مبيت مِنى لأجل السقاية لبني العباس في وجه، ولبني هاشم في آخر، ولعائشة في صلاة ركعتين بعد العصر، ولمعاذ بن جبل في قبول الهدية حين بعثه إلى اليمن.

وفي "المستدرك" وغيره، عن أنس أن أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه، قال ثابت: ما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم وهو الإسلام. وأعاد امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثاً من غير محلل، وأسلم رجل على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه ذلك، وضرب لعثمان يوم بدر بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر.

وقال الخطابي: هذا خاص بعثمان، لأنه كان يمرض ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان يؤاخي بين أصحابه ويثبت بينهم التوارث، وليس ذلك لغيره، قاله ابن زيد.

وخص نساء المهاجرين بأن يَرثن دون أزواجهن لكونهن غرائب لا مأوى لهن، وكان أنس يصوم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر فالظاهر أنها له خصوصية، وأصام أطفال أهل بيته وهم رُضَّع.

وكان يحرم على الصحابة إذا كانوا معه على أمر جامع، لم يذهبوا حتى يستأذنوه،

وكانوا يقولون له بأبي أنت وأمي، ولا يقال لغيره، فيما ذكره بعضهم، وكان يرى من خلفه كما ينظر أمامه وعن يمينه وعن شماله، ويرى بالليل وفي الظلمة كما يرى بالنهار والضوء.

وريقه يُعذب الماء المالح ويجزي الرضيع، وإبطه أبيض، غير متغير اللون ولا شعر عليه،

ويبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه غيره، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وما تثاءب قط، ولا احتلم قط، وكذلك الأنبياء في الثلاثة ،وعرقه أطيب من المسك، وكان إذا مشي مع الطويل طاله، وإذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين، ولم يقع ظله على الأرض، ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر.

قال ابن سبع: لأنه كان نوراً، وقال رزين: لغلبة أنواره.

ولم يقع على ثوبه ذباب قط، ولا آذاه القمل، وكان إذا ركب دابته لا تروث ولا تبول وهو راكبها، نقل ذلك عن ابن اسحاق، وبني عليه بعض المتأخرين طوافه على بعيره صلى الله عليه وآله وسلم، فجعله من خصائصه، ولم يجز لغيره ذلك.

وكان وجهه كأن الشمس تجري فيه، ولم يكن لقدمه أخمص، وكانت خُنصُر رجله متظاهرة،

وكانت الأرض تطوى له إذا مشى، وأوتي قوة أربعين في الجماع والبطش.

وفي رواية مقاتل: أعطي قوة بضع وسبعين شاباً.

وعن مجاهد: أعطي قوة بضع وأربعين رجلاً كل رجل من أهل الجنة، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، فيكون أوتي قوة أربعة آلاف. وبهذا يندفع ما يستشكله بعضهم.

فقال: كيف يؤتى قوة أربعين فقط وقد أوتي سليمان قوة مائة رجل أو ألف رجل على ماورد؟ واحتاج إلى تكلف الجواب عن ذلك.

وورد من طرق: أتاني جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلاً في الجماع، وفي لفظ: ما أريد أن آتي النساء ساعة إلا فعلت.

وقال القاضي أبوبكر بن العربي في "سراج المريدين": قد آتى الله رسوله خصيصة عظمى: وهي قلة الأكل والقدرة على الجماع، وكان أقنع الناس في الغذاء، تقنعه اللقمة، وتشبعه اللقمة والجرعة، وكان أقوى الناس على الوطء، ولم يُرَ له أثر قضاء حاجة، بل كانت الأرض تبتلعه، ويشم من مكانه رائحة المسلك، وكذلك الأنبياء.

ولم يقع في نسبه من لدن آدم سفاح قط، وتقلب في الساجدين حتى خرج نبياً، وما افترقت فرقة إلا كان في خيرها، ولم يلد أبواه غيره.

ونكست الأصنام لمولده، وولد مختوناً، ومقطوع السرة، ونظيفاً ما به قذر, ووقع إلى الأرض ساجداً، رافعاً إصبعه كالمتضرع المبتهل.

ورأت أمه عند ولادته نوراً خرج منها أضاء له قصور الشام وكذلك أمهات النيبين يَرَين.

 قال بعضهم: ولم تُرضعه مُرضعة إلاأسلمت، قال: ومرضعاته أربع، أمه، ، وحليمة السعدية، وثويبة، وأم أيمن.

، وتظله الغمامة في الحر، ويميل إليه فيء الشجرة إذا سبق إليه، وكان يبيت جائعاً ويصبح طاعماً يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، وكان يُوعَك كما يُوعَك رجلان لمضاعفة الأجر،

،و خير بين البقاء في الدنيا والرجوع إلى الله تعالى، فاختار الرجوع إليه، وكذلك الأنبياء،

وأرسل إليه ربه جبريل ثلاثة أيام في مرضه يسأله عن حاله.

،وبعد موتة صلت علية الملائكة، وصلى عليه الناس أفواجاً بغير إمام، قالوا: هو إمامكم حياً وميتاً، وبغير دعاء الجنازة المعروفة، وكررت الصلاة عليه حتى فرغت الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، ولا تكرر على غيره .

وترك بلا دفن ثلاثة أيام ودفن بالليل، وذلك في حق غيره مكروه عند الحسن، وخلاف الأولى عند سائر العلماء، ودفن في بيته حيث قبض وكذلك الأنبياء، والأفضل في حق من عداهم الدفن في المقبرة، وفرش له في لحده قطيفة، والأمران في حقنا مكروهان.

قال وكيع: هذا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، ويكره ذلك لغيره بالاتفاق عند الحنفية والمالكية، ومن خصائصه أنه غسل في قميصه، وقالوا: يكره ذلك في حق غيره، وأظلمت الأرض يوم موته، ولا يضغط في قبره وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغط لا صالح ولا غيره سواهم.

وفي "التذكرة" للقرطبي: إلا فاطمة بنت أسد ببركته صلى الله عليه وآله وسلم، وتحرم الصلاة على قبره، واتخاذه مسجداً، قال الأذرعي: ويحرم البول عند قبور الأنبياء، ويكره عند غيرهم.

ولايبلى جسده وكذلك الأنبياء، ولا تأكل لحومهم الأرض ولا السباع ولا خلاف في طهارة ميتهم، وفي غيرهم خلاف.

ولا يجوز للمضطر أكل ميتة نبي، وهو حي في قبره، يصلى فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه، وأوكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه، وتعرض عليه أعمال أمته فيستغفر لهم، والمصيبة بموته عامة لأمته إلى يوم القيامة، وجواز التضحية عنه بعد وفاته فيما ذكره البلقيني.

ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته، ومن أمره في المنام وجب عليه امتثاله في أحد الوجهين، واستحب في الآخر، وورد أن أول ما يرفع رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، والقرآن، والحجر الأسود.

وقراءة أحاديثه عبادة يثاب عليها كقراءة القرآن في أحد الروايتين، ولا تأكل النار شيئاً مَسَّ وجهه وكذلك الأنبياء، ويكره أن يحمل في الخلاء ما كتب عليه اسمه، ويستحب الغسل لقرآة حديثه، والتَطَيَّب، ولا ترفع عنده الأصوات ويقرأ على مكان عال، ويكره لقارئه أن يقوم لأحد، وحملته لا تزال وجوههم نضرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها".

واختصوا بالتلقيب بالحفاظ، وأمراء المؤمنين، من بين سائر العلماء، وتثبت الصحبة لمن اجتمع به صلى الله عليه وآله وسلم لحظة، بخلاف التابعي مع الصحابة، فلا تثبت إلا بطول الإجتماع معه على الأصح عند أهل الأصول، والفرق عظم منصب النبوة ونورها، فبمجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجِلْف يَنطِق بالحكمة، وأصحابه كلهم عدول، فلا يبحث عن عدالة أحد منهم كما يبحث عن سائر الرواة، ولا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم، كما ذكره في "شرح جمع الجوامع".

وقال محمد بن كعب القرظي: أوجب الله لجميع الصحابة الجنة والرضوان في كتابه مُحسنهم ومُسيئهم، وشرط على من بعدهم أن يتبعوهم بإحسان.

ولا يكره للنساء زيارة قبره، كما يكره لهن سائر القبور، بل يستحب كما قال العراقي في "نكته" أنه لا شك فيه، والمصلي في مسجده لا يبصق عن يساره كما هو السنة في سائر المساجد، ولو بُني مسجده إلى صنعاء كان مسجده، ولا يفتح فيه باب ولا خوخة ولا كوة بحال.

ومن خصائصه: وجوب الصلاة عليه في التشهد الأخير ،ومن صلى عليه عند الأمر الذي يُستقذر أو يُضحك منه، أو جعل الصلاة عليه كفاية عن شتم الغير: كفر، ذكره الحليمي ونقله في "الخادم".

ومن حكم عليه الرسول(ص) وكان في قلبه حرج من حكمه عليه كفر، بخلاف غيره من الحكام.

ومن خصائصه: أن الإمام بعده لا يكون إلا واحداً، ولم تكن الأنبياء قبله كذلك، قاله ابن سراقة في "الأعداد".

وجواز الوصية لآله مطلقاً، وفي غيره وجه أنها لا تصح لإبهام اللفظ، وتردده بين القرابة والدّين، ذكروه في "باب الوصية".

وأن أهله لا يكافئهم في النكاح أحدٌ من الخَلْق، ويطلق عليهم أشراف، والواحد شريف، وهم ولد علي وعقيل وجعفر، والعباس.

قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرماً، فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع مَحرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك.

ومما أورده رزين في خصائصه: أن شيئاً من شَعْره وقع في النار فلم يحترق .

وأنه مسح بيده رأس أقرع فنبت شعره في وقته، ووضع كفه على المريض فعقل من ساعته، وغرس نخلاً فأثمرت من عامها، وهز بيده عمر فأسلم من ساعته، وأنه كانت أصبعه المسبحة أطول أصابعه، وما أشار بها إلى شيء إلا أطاعه، ولا وطيء على صخر إلا وأثر فيه، أو في نَخلٍ إلا وبورك فيها، وأنه كان إذا تبسم في الليلة أضاء البيت، وأنه كان يسمع حفيف أجنحة جبريل وهو بَعدُ في سدرة المنتهى، ويشم رائحته إذا توجه بالوحي إليه، وأنه ما التصق ببدنه مسلم فتمسه النار، وكان فئة المسلمين يتحيزون إليه، وكان قليل الكلام، فإذا أمر بالقتال شمر، وحُرِّم على الناس دخول بيته بغير إذنه، وطول القعود فيه. انتهى.

وفي "نكت الحاوي" للناشري: روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يصلّ على ابنه ابراهيم، قال بعض العلماء لأنه استغنى بنبوة أبيه عن قُربة الصلاة، كما استغنى الشهيد بقُربة الشهادة.

وفي "المستدرك" عن أنس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على حمزة ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، وفي حديث أنه كبر عليه سبعين تكبيرة، وفي آخر أنه صلى عليه سبعين صلاة.

وفي "الصحيحين" وغيرهما، من حديث عقبة بن عامر أنه خرج يوماً فصلى على أهل أحُد صلاته على الميت، وذلك قرب موته، بعد ثمان سنين من وفاتهم.

وفي "الصحيح" أنه خرج إلى أهل البقيع فصلى عليهم.

قال القاضي عياض عن بعضهم: محتمل أن تكون الصلاة المعلومة على الموتى، ويكون هذا خصوصاً بآله، ويكون أراد أن يعمهم بصلاته إذ فيهم من دفن وهو غائب، أو لم يعلم به فلم يصلّ عليه، فأراد أن تعمهم بركته.

ومن الخصائص: أنه يجوز أن يقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: احكم بما تشاء فما حكمت به فهو صواب موافق لحكمي على ما صححه الأكثرون في الأصول، وليس ذلك للعالم على ما اختاره السمعاني لقصور رتبه.

وذهبت طائفة إلى أن من خصائصه: امتناع الاجتهاد له لقدرته على اليقين بالوحي، ولغيره في عصره لقدرته على اليقين بتلقينه منه، وأجمعوا على أنه لا ينعقد الإجماع في عصره.

وفي "تفسير ابن المنذر" عن عمرو بن دينار، أن رجلاً قال لعمر: احكم بما أراك الله، فقال: مه إنما هذه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

وفي "سنن سعيد بن منصور" عن سعيد بن جبير قال: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال.

وفي "المبسوط" من كتب الحنفية عن بعضهم: أن الوقف إنما يلزم من الأنبياء خاصة دون غيرهم، وحمل عليه حديث "لا نورث ما تركناه صدقة" وجعله هذا القائل مستثنى من قول أبي حنيفة: إن الوقف لا يلزم.

وفي "تفسير ابن المنذر" عن ابن جريج: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدأهم بالسلام، فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً، لقوله تعالى (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) وفي هذا خصيصتان: ابتداؤه بالسلام على الداخل والمار، والسُّنة في حقنا أن الداخل والمار هو الذي يبدأ، ووجوب الابتداء عليه للأمر به في الآية، وليس أحد من الأمة يجب عليه الابتداء.

ومن خصائصه: أنه يجوز له رؤية الله تعالى في المنام، ولا يجوز ذلك لغيره في أحد القولين .

وفي "الرسالة" للإمام الشافعي: لا يحيط باللغة إلا نبي.

وفي "المستدرك" حديث: ليس لنبي أن يدخل بيتاً مزَوَّقاً، وقال ابن عباس: ما تنور نبي قط (يعني: أنه ما احتاج إلى إزالة شعر العانة بالنورة).

، والأنبياء ما عبروه كائن لا محالة ( اى ما فسروة من الرؤى او مما يقع فى مستقبل الزمان من بعض الاحداث فهو واقع كما قالوا).

وقال ابن عباس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال ابن عباس في قوله تعالى: (له معقِّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) : هذه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

وفي "مسند الشافعي" حديث "نصرت بالصبا وكانت عذاباً على من قبلي".

وفي أثر: أن آله صلى الله عليه وآله وسلم في أعلا ذروة في الجنة.

وفي الحديث: "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق"، وأن من تمسك بهم وبالقرآن لم يضل، وأنهم أمان للأمة من الاختلاف، وأنهم سادة أهل الجنة، وأن الله وعد أن لا يعذبهم، وأن من أبغضهم أدخله الله النار، ولا يدخل قلب أحدٍ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم منه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن من قاتلهم كان كمن قاتل مع الدجال، وأن من صنع إلى أحدهم يداً كافأه صلى الله عليه وآله وسلم، يوم القيامة، وأنهم ما من أحد إلا وله شفاعة يوم القيامة، وأن الرجل يقوم لأخيه من مجلسه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد.

وشرع في عهده أحكام ثم نُسخت، فعل بها أصحابه ولم يعمل بها أحدٌ بعدهم.

منها: فسخ الحج إلى العمرة عند الجمهور، ومتعة النساء عند أكثر الأمة، ومتعة الحج فيما ذهب إليه عمر وعثمان وأبو ذر.

وروى مسلم عن أبي ذر قال: "لاتصح المتعتان إلا لنا خاصة".

والخلع فيما ذهب إليه أبوبكر بن عبد الله المزني، وقراءة القرآن بالمعنى، ووجوب الضيافة، وإنفاق الفضل، واسترقاق المديون، وأن لا غُسل إلا من الإنزال، والتخيير بين صوم رمضان والفدية، وتحريم زيارة القبور، وادخار الأضحية فوق ثلاث، والانتباذ في الأوعية، ونكاح الزاني العفيفة والزانية العفيف، والقتال في الشهر الحرام، ووجوب الوصية للوالدين والأقربين، واعتداد المتوفّي عنها حولاً، ومصابرة العشرين مئتين، والقسمة من التركة لمن حضر، واستئذان الصبيان والأرقاء في الأوقات الثلاث، وقيام الليل إلا قليلاً، والإرث بالحِلْف وبالهجرة، والمحاسبة بحديث النفس، والحبس في الزنا، والتعزير بإتلاف المال، وشهادة الكافر، وصلاة المؤمنين جلوساً خلف الإمام الجالس، وإن لم يكن لهم عُذر، والخطبة للجمعة بعد الصلاة، والوضوء مما مست النار، وكراهة الحَبْوة وقت الخطبة، وتحريم تحلي النساء بالذهب، وتحريم المسألة لمن عنده غداء يومه وعشاؤه، وقتل شارب الخمر في الرابعة، والمنع من دفن الموتى في أوقات الكراهة.

وذهب المالكية إلى أن حديث "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حَد" كان مختصاً بزمنه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان يكفي الجاني منه هذا القدر.

ومن خصائصه فيما حكى القاضي عياض: أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه، لأنه لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا غيرها، لا لعذر ولا لغيره، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك، ولا يكون أحد شافعاً له، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم "أئمتكم شفعاؤكم"، ولذلك قال أبوبكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وخص أهل بدر من أصحابه بأن زادوا في الجنازة على أربع تكبيرات، تمييزاً لهم لفضلهم.

ومن خصائصه: أن من أصحابه من اهتز العرش لموته فرحاً بلقاء روحه، وحضر جنازته سبعون ألف من الملائكة لم يطأوا الأرض قبل موته، ومن غسلته الملائكة، ومن يُشبَّه بجبريل وابراهيم، وبنوح وبموسى، وبعيسى وبيوسف، وبلقمان الحكيم، وبصاحب يس.

وفي "طبقات ابن سعد" عن عمر بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية. وفيها عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستحب أن يُسمى ولده بأسماء الأنبياء.

ومن خصائص الأنبياء: أنهم يُنصب لهم في الموقف منابر من ذهب يجلسون عليها، وليس ذلك لأحد سواهم.

وقال النووي في حديث: "مامن مولود يولد إلا نخسه الشيطان إلا مريم وابنها"، ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضي عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون فيها.

وفي "حاشية الكشاف" للطيبي في قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) روى السلمي عن النصر آبادي: هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن يثقله حمل أمانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد؟ وكيف يخاطب وهو الذي يقول: بك أصول، وبك أجول، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يثقل عليه؟.

وفي "تاريخ ابن عساكر" عن أبي حاتم الرازي قال: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمة يحفظون آثار نبيهم غير هذه الأمة.

فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثاً لا أصل له.

فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم الحديث الواهي ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها.

وقال السبكي: إن من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقام معه إلى خامسة عامداً أو سلم من اثنين عامداً لم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يوحى إليه بالزيادة والنقصان، أما بعده صلى الله عليه وآله وسلم فمتى تابع المأموم الإمام في ذلك عامداً بطلت صلاته.

وذكر ابن العربي في "شرح السنن" من خصائصه: الانفراد في السفر وحده لأمنه من الشيطان، بخلاف غيره. وقال ابن دحية في "التنوير" خص الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بألف خصلة:

منها: صلاة الله تعالى والملائكة عليه، ومنها الرؤية والقرب والدنو، والشفاعة، والوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والبراق والمعراج، والصلاة بالأنبياء، والإسراء، وإعطاء الرضا والسؤال، والكوثر، وسماع القول وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر ووضع الوزر، ورفع الذكر وعزة النصر، ونزول السكينة وإيتاء الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وأن بعثه رحمة للعالمين، والحكم بين الناس بما أراه الله، وليس ذلك لغيره من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، حسبما نطق به القرآن العظيم، والقسم بإسمه، وإجابته دعوته، والشهادة بين الأنبياء والأمم يوم القيامة، والمحبة والخلة، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، انتهى.

ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم: وجوب وقايته بالنفس.

قال ابن المُنيِّر: أوجب الله في حقه عليه الصلاة والسلام أن يُؤثَر على النفس، وأن يكون أحب إلى كل مؤمن من نفسه.

ولهذا قال سعد يوم أحُد: نحري دون نحرك، فهذا من خصائصه، لا خلاف أن هذا لا يجب لغيره، وهل يجوز أن يفعل لغيره؟ الظاهر أنه لا يجوز بالقياس على عدم جواز الإيثار بالماء في الطهارة، والشرب إذا أفضى إلى هلاك صاحب الماء.

قال: ومن خصائصه: أنه لم يكن يَمُر في طريق فيتبعه فيه أحَد إلا عرف أنه سلكه من طيبه، ذكره البخاري في "تاريخه الكبير" عن جابر.

قال اسحاق بن راهويه: كانت تلك رائحته بلا طيب، وقد عدَّ بعضهم ذلك في خصائصه، انتهى.

وفي "تذكرة" الشيخ بدر الدين بن الصاحب ما نصه: كانت همم الأنبياء متوجهة إلى طلب رجل يقص عليهم أخبار الأولين والآخرين، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تلك الهمم كلها، فقصَّ القَصَص، وملأ الوجود خيراً.

وقال ابن السبكي في "التوشيح": سمعت الوالد يقول وقد سئل عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صغره حين شُق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك:

إن تلك العلقة خلقها الله في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه شيئاً، قال هذا معنى الحديث. ولم يكن للشيطان فيه حظ قط، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب.

قلت له: فَلِمَ خلق الله هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكن أن لا يخلقه الله فيها؟

فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخَلْقه تكملة للخلق الإنساني لابد منه، ونَزعه كرامة ربانية طرأت بعده.

وصل اللهم على جميع الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اهم المصادر :

1-      التاريخ المعتبر في أنباء من غبر/ مجير الدين العليمي .

2-      رَحمةٌ للعَالَمِين / سعيد بن وهف القحطاني .

3-      أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب/ جلال الدين السيوطي .

(انتهى)

 

                

 


 

السراج المنير صلى الله علية وسلم

السراج المنير صلى الله علية وسلم اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك  هو معرفة ربك ومعرفة نبيك ومعرفة دينك ، وهى اول اسئلة القبر، وال...

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *