فى حب رسول الله (صلى الله علية وسلم) - ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .
بسم الله والحمد لله والصلاه والسلام على رسول الله اما
بعد :-
فأن حب النبى(صلى الله علية وسلم) من الايمان وقدر
النبى(صلى الله علية وسلم) عظيم ولا يعرف
قدرة الا ربة ، فكثيرا ما نقراء قول الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107) ، فهل وعينا حقا معنى هذة
الاية وكيف رحم الله العالمين بنبية(صلى الله علية وسلم) ، فأردت ان اسوق تلك
السطور حبا فى نبينا(صلى الله علية وسلم) وليعرف من قرأها جزء من قدر النبى وكيف
هو رحمة للعالمين ، ليزداد حبا لرسول الله ولكنة حب مبنى على علم وليس مجرد عاطفة تذبل
مع الوقت ، وقد جمعت ما استطعت من اقوال ائمة التفسير من كتبهم لتفسير قول الله
تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) لعلها تكون نورا
لقارئها لمعرفة وحب نبينا(صلى الله علية وسلم).
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي . ثم اختلف
أهل التأويل في معنى هذه الآية ، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أريد بها
مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فعن ابن عباس ، في
قول الله في كتابه( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) قال: من
آمن بالله واليوم الآخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله
ورسوله ، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف. وعن ابن عباس ايضا ،قال: تمت
الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل .
أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
رحمة لجميع العالم ، مؤمنهم وكافرهم . فأما مؤمنهم فإن الله هداه به ، وأدخله
بالإيمان به ، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة. وأما كافرهم فإنه دفع به عنه
عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله . (تفسير الطبرى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
وفي مفتاح دار السعادة لابن القيم قال : أنه
لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا
قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارب التي يعدو
بعضها على بعض ، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع
فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه
، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة
انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك
من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة ؛
وإذا
سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما
جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام
أرسل رحمة للعالمين أيضاً لكن لا يخلو ذلك عن بعث .
أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل
فرد فرد من العالمين ملائكتهم وانسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الانس
والجن في ذلك ، والرحمة متفاوتة لبعض العالمين منها ،
و أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول
الله ادع على المشركين قال : « إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة » ولعله يؤيد
نصب { رَحْمَةً } في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي
في الدلائل عن أبي هريرة « إنما أنا رحمة مهداة » . (تفسير الالوسى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
اى فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية لهم في
البلاغ إلى جنات النعيم ، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير
العابدين من العذاب فقال : { وما أرسلناك } أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال
{ إلا } على حال كونك { رحمة للعالمين* } كلهم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن
والأنس وغيرهم ، طائعهم بالثواب ، وعاصيهم بتأخير العقاب ، الذي كنا نستأصل به
الأمم ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم ، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك ، حتى نبين أنهم مع
كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك ، ثم نرد كثيراً
منهم إلى دينك ، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك ، بعد طول ارتكابهم الضلال
، وارتباكهم في أشراك المحال ، وإيضاعهم في الجدال والمحال ، فيلعم قطعاً أنه لا
ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا
الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون ، وتقوم
الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه ، يطلبون
من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار ، فيقصدون
أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام ، والتحية والإكرام ، فيحيل
بعضهم على بعض ، وكل منهم يقول : لست لها ، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول :
أنا لها ، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به
الأولون والآخرون . (تفسير البقاعى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
اى ما بعثناك يا محمد إلاَّ رحمة للعالمين ،
يعني : نعمة للجن والإنس؛ ويقال : { للعالمين } أي لجميع الخلق ، لأن الناس كانوا
ثلاثة أصناف : مؤمن وكافر ومنافق . وكان رحمة للمؤمنين ، حيث هداهم طريق الجنة؛
ورحمة للمنافقين ، حيث أمنوا القتل ؛ ورحمة للكافرين بتأخير العذاب . (تفسير السمرقندى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
اعلم أنه -عليه الصلاة والسلام- كان رحمة في
الدين والدنيا ، أما في الدين فلأنه -عليه الصلاة والسلام- بعث والناس في جاهلية
وضلال ، وأهل الكتابين كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم
ووقوع الاختلاف في كتبهم ، فبعث الله محمداً حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز
والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام ، وميز الحلال
والحرام ، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار
، قال الله تعالى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ } [ فصلت :
44 ] إلى قوله : { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [ فصلت : 44 ] وأما في الدنيا فلأنهم
تخلصوا بسببه من الذل والقتل . فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة
المال؟ فالجواب من وجوه :
الأول : إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم
يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ، وهو منتقم من العصاة . وقال : {
وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً } [ ق : 9 ] ثم قد يكون سبباً للفساد
.
الثاني : أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا
كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق ، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب
رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الله
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال : 33 ] ولا يقال : أليس أنه قال : {
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ } [ التوبة : 14 ] . وقال : {
لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين } [ الأحزاب : 73 ] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح
فيه .
الثالث : أنه -عليه السلام- كان في نهاية حسن
الخلق قال تعالى : { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] « وقيل له
-عليه السلام- : ادع على المشركين . فقال : » إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً « »
وقال في رواية حذيفة : « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل
سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة » . (تفسير اللباب)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
كونه رحمة عامة بالنسبة لأمة الدعوة لا ينافي
كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً ، والحجة
وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم . وفي
الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم
فإنهم من العالمين وعورض بقوله { ويستغفرون لمن في الأرض } [ الشورى : 5 ]
والاستغفار رحمة . والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير
الرحمة بمعنى الدعاء ، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك ، ثم
بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك . (تفسير النيسابورى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
أرسل صلى الله عليه وسلم { رَحْمَةً للعالمين
} لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه . ومن خالف ولم يتبع . فإنما أتى من عند نفسه حيث
ضيع نصيبه منها . ومثاله : أن يفجر الله عينا غديقة ، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم
بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا ، فالعين المفجرة في نفسها ،
نعمة من الله ورحمة للفريقين ، ولكن الكسلان محنة على نفسه ؛ حيث حرمها ما ينفعها
. وقيل : كونه رحمة للفجار ، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب
الاستئصال . (تفسير الزمخشرى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
{ وَمَا أرسلناك } بما ذكر وبأمثاله من
الشرائع والأحكامِ وغير
ذلك من الأمور التي هي مناطٌ لسعادة الدارين
{ إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } هو في حيز النصب على أنه استثناءٌ من أعم العلل أو
من أعم الأحوال ، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعةِ
للعالمين قاطبةً ، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حالَ كونِك رحمةً لهم فإن
ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأٌ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم
يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما
يُسعِده ، وقيل : كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال
حسبما ينطِق به قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }
. (تفسير ابو السعود)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين : الأول تخلق نفسه
الزكية بخلق الرحمة ، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته .
فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد
بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد تلاميذه أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد
الباجي من رجال القرن الخامس : «زين الله محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة
فكان كونه رحمة وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق» اه . وذكره عنه عياض في
«الشفاء» . قلت : يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم فُطر على خُلق الرحمة في جميع
أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي
بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به
إليه ملائماً رغبتَه وخلقه . قالت عائشة : «كان خلقُه القرآن» . ولهذا خصّ الله
محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء
، وكذلك في القرآن كله ، قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما
عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال تعالى : { فبما رحمة
من الله لنت لهم } [ آل عمران : 159 ] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم
لَيِّناً . وفي حديث مسلم : أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على
أصحابه فقالوا : لو دعوت عليهم فقال : " إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ
رحمة " . وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف
شريعته ، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى {
للعالمين } متعلق بقوله { رحمة } .
والتعريف في { العالمين } لاستغراق كل ما
يصدق عليه اسم العالم . والعالَم : الصنف من أصناف ذوي العلم ، أي الإنسان ، أو
النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى :
{ الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة : 2 ] . فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون
الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع
السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق
بجميع أحوال المكلفين ، فالحنيفية شريعة إبراهيم عليه السلام كانت رحمة خاصة بحالة
الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام ، وشريعة عيسى عليه السلام قريبة منها في ذلك؛
وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في
سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة
لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات . (تفسير ابن عاشور)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ
بأيديهم إلى الهدى ، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون . وإن كانت الرحمة
تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين . .
إن المنهج الذي جاء مع محمد صلى الله عليه
وسلم منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة .
ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن
الرشد العقلي : جاءت كتاباً مفتوحاً للعقول في مقبل الأجيال ، شاملاً لأصول الحياة
البشرية التي لا تتبدل ، مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر
، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم
لحياة إنسانية متجددة . وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها
ارتباطات حياتها النامية المتجددة ، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة
وملابساتها ، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم .
وكفل للعقل البشري حرية العمل ، بكفالة حقه
في التفكير ، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير . ثم ترك له الحرية في دائرة
الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر ، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر
لحياة الناس في هذه الأرض .
ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن
ذلك المنهج كان وما يزال سابقاً لخطوات البشرية في عمومه . قابلاً لأن تنمو الحياة
في ظلاله بكل ارتباطاتها نمواً مطرداً . وهو يقودها دائماً ، ولا يتخلف عنها ، ولا
يقعد بها ، ولا يشدها إلى الخلف ، لأنه سابق دائماً على خطواتها متسع دائماً لكامل
خطواتها .
وهو في تلبيته لرغبة البشرية في النمو
والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي ، ولا يحرمها
الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها .
وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق . لا
يعذب الجسد ليسمو بالروح ، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد . ولا يقيد طاقات الفرد
ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة . ولا يطلق للفرد نزواته
وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة ، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد .
وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على
كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته ، ولمصلحته؛ وقد زود بالاستعدادات
والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف ، وتجعلها محببة لديه مهما لقي من
أجلها الآلام أحياناً لأنها تلبي رغيبة من رغائبه ، أو تصرف طاقة من طاقاته .
ولقد كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة
لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر
على ضمير البشرية ، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من
مسافة . ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئاً فشيئاً من آفاق هذه المبادئ .
فتزول غرابتها في حسها ، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى .
لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب
فيها الفوارق الجنسية الجغرافية . لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد . .
وكان هذا غريباً على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك . والأشراف يعدون
أنفسهم من طينة غير طينة العبيد . . ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر
قرناً تحاول أن تقفو خطى الإسلام ، فتتعثر في الطريق ، لأنها لا تهتدي بنور
الإسلام الكامل . ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج ولو في الدعاوى والأقوال وإن
كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام
منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .
ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام
القضاء والقانون . في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات ، وتجعل لكل طبقة
قانوناً . بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع . . فكان غريباً
على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة
المطلقة أمام القضاء .
. ولكن ها هي ذي شيئاً فشيئاً تحاول أن تصل
ولو نظرياً إلى شيء مما طبقة الإسلام عملياً منذ نيف وثلاث مائة وألف عام .
وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية
كانت رحمة للبشرية وأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما أرسل رحمة للعالمين . من
آمن به ومن لم يؤمن به على السواء . فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به
طائعة أو كارهة ، شاعرة أو غير شاعرة؛ وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة ، لمن يريد
أن يستظل بها ، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية ، في هجير الأرض المحرق وبخاصة
في هذه الأيام .
وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه
الرحمة ونداها . وهي قلقة حائرة ، شاردة في متاهات المادية ، وجحيم الحروب ، وجفاف
الأرواح والقلوب . .
وبعد إبراز معنى الرحمة وتقريره يؤمر الرسول
صلى الله عليه وسلم بأن يواجه المكذبين المستهزئين ، بخلاصة رسالته التي تنبع منها
الرحمة للعالمين . (تفسير الظلال)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
اى ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام ،
وغير ذلك ؛ مما هو مناط سعادة الدارين ، لعلة من العلل ، إلا لرحمتنا الواسعة
للعالمين قاطبة . أو ما أرسلناك في حال من الأحوال ، إلا حال كونك رحمة لهم ، فإن
ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم
يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أُوتي من قِبل نفسه ، حيث فرط في اتّباعه ،
وقيل : إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا؛ بتأخير عذاب الاستئصال ، والأمن من
المسخ والخسف والغرق ، حسبما نطق به قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفَال : 33 ] . (تفسير ابن عجيبة)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
وما دام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
خاتَم الرسل، وبعثتُه للناس كافة، وللزمن كله إلى أنْ تقوم الساعة. وقد جاء الرسل
السابقون عليه لفترة زمنية
محددة، ولقوم بعينهم، أما رسالة محمد صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجاءتْ رحمةً للعالمين جميعاً ؛ لذلك لا بُدَّ لها
أنْ تتسعَ لك أقضية الحياة التي تعاصرها أنت، والتي يعاصرها خَلَفُك، وإلى يوم
القيامة.
ومعنى: العالمين، كُلُّ ما سوى الله عَزَّ
وَجَلَّ: عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الجماد، وعالم الحيوان،
وعالم النبات. لكن كيف تكون رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رحمةً
لهم جميعاً؟
قالوا: نعم، رحمة للملائكة، فجبريل - عليه
السلام - كان يخشى العاقبة حتى نزل على محمد قوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي
العرش مَكِينٍ} [التكوير: 20] فاطمأن جبريل عليه السلام وأَمِن.
ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
َ رحمة للجماد؛ لأنه أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق. وهو رحمة بالحيوان. وفي الحديث
الشريف: «ما من مسلم يزرع زَرْعاً، أو يغرس غَرْساً فيأكلَ منه طيْرٌ أو إنسان أو
بهيمة، إلا كان له به صدقة» .
وحديث المرأة التي دخلتْ النار في هِرَّة
حبستْها، فلا هي أطعمتْها وسقتْها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض.
وحديث الرجل الذي دخل الجنة؛ لأنه سقى كلباً
كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنزل الرجل البئر وملأ خُفَّه فسقى الكلب، فشكر
الله له وغفر له، لأنه نزل البئر وليس معه إناء يملأ به الماء،فاحتال للأمر،
واجتهد ليسقي الكلب.
وهكذا نالتْ رحمة الإسلام الحيوان والطير
والإنسان، ففي الدين مبدأ ومنهج يُنظِّم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة
الناس؛ لذلك فهو رحمة للعالمين.
فقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ
رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل في
عناصر الرحمة. (تفسير الشعراوى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
أي وما أرسلناك بهذا وأمثاله من الشرائع
والأحكام التي بها مناط السعادة فى الدارين- إلا لرحمة الناس وهدايتهم، فى شئون
معاشهم ومعادهم.
بيان هذا أنه عليه الصلاة السلام أرسل بما
فيه المصلحة فى الدارين، إلا أن الكافر فوّت على نفسه الانتفاع بذلك، وأعرض عما
هنالك، لفساد استعداده وقبح طويّته، ولم يقبل هذه الرحمة، ولم يشكر هذه النعمة،
فلم يسعد لا فى دين ولا دنيا، كما قال «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ: جَهَنَّمَ
يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» وقال فى صفة القرآن «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ
آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ»
وقال صلّى الله عليه وسلم «إن الله بعثني
رحمة مهداة» . (تفسير المراغى)
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء-107)
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو
مفتاح الخير، وباب الرحمة، ولقد صدق الله وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعالَمِينَ أى: للناس أجمعين أما أتباعه فرحمته عمتهم وفضله ونوره وسعهم،
وغيرهم كذلك، وإن كان عن طريق غير مباشر.
ولسنا مبالغين إذ قلنا إن الرسول صلّى الله
عليه وسلّم أول من شرع العدل وسنه وأول من حكم بالقسط، وقنن القوانين الحكمية، وهو
أول من بذر بذور الديمقراطية الصحيحة في العالم، وهو أول من نصر الضعيف وأعان
المظلوم، وانتصف للفقير من الغنى، وساوى بين الخصمين، وسوى بين أتباعه وأتباع
غيره، وأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
وكتابه هو المصباح الذي أنار للعالم طريقه،
وكان فاتحة الخير والهدى والعلم والمعرفة، كان البلسم الذي هذب عقلية الفرس،
والرومان، وكون فلسفة إسلامية عالية.
وبدينه ولدت العلوم والمعارف في الشرق أولا
ثم انتقلت إلى الغرب عن طريقالحروب الصليبية وتركيا، وعن جامعات الأندلس. أخذ
الغربيون تلك النفائس فنموها، وجودوها، حتى صارت علوما ومعارف واسعة النطاق، وأراد
الله لهم ذلك.
وأراد الله للشرق وللمسلمين أن يبتعدوا عن
دينهم فأهملوا علومهم ومعارفهم فدارت الدائرة عليهم وأذلهم عدوهم. ولقد صدق الله
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران 140] . (التفسير
الواضح)
(انتهى بتصرف)

اللهم صلي وسلم وبارك علي الرحمة المهداة
ردحذفاللهم صلي على محمد
ردحذف